في أحد محافظات الصعيد بنجع العُمدة تحديدًا داخل منزل الجبالي المتسم على أثاثه الفخامة يبرز مدى قوة ونفوذ العائلة يجتمع جميع أفرادها حول مائدة الطعام، وكان الصمت سائد على الأجواء المشحونة بالتوتر ونظرات عمران الغاضبة بنيران مشتعلة كافية لإشعال النجع بأكمله، غمغم يقضى على الصمت بنبرته الجامدة ذات خشونة مهيبة: -يعني عتتچوز ياخوىّ وروحت اتحدت عالبنتة وأخوك الكَبير مكانش إهنيه، مجادرش تصبر على حالك لحد ما أعاود. توقف حسن عن تكملة طعامه شاعرًا بغصة قوية تشكلت في حلقه وحاول أن يجبر ذاته على الإبتسام لينهي الأمر بسلام مغمغمًا بهدوء:
-معلش ياخويّ حجك على راسيّ بس أخوك عاشجان معيجدرش يصبر دجيجة واحدة بعد إكده. مصمصت نعمة (عمته) شفتيها بعدم رضا وتحدثت مدعية الحزن بمكر تبرز رفضها أمام عمران الغاضب: -عاشجان! يا ولدي دي تلاجيها سحرالك لچل ما تعشجها إكده والله ديه ما تنفع تُبجى في العيلة دجيجة مخابراش فَهيمة عتوافج ليه. أجابتها فهيمة بتعقل هادئة: -وموافجش ليه البنتة زينة وولدي رايدها يانعمة مناجصش غير مباركة اخوه ليه. قطب عمران جبينه متعجبًا وغمغم متسائلا بجدية حازمة:
-وهي مين العروسة الزينة يمّا اللي رضيتي عنيها؟ أجابته مبتسمة بسعادة تطمئن ابنها الصغير الذي بدا التوتر فوق قسم\ات وجهه: -بِِت الحوامدية يا ولدي. تطلع حسن نحو شقيقه بأعين يملأها الخوف ينتظر رده بلهفة ليتأكد من إتمام زيجته كما يتمنى، لكن الأمر يبدو خِلاف ذلك فقد امتعضت ملامح عمران وانتفخت أوداجه \ًا ليزداد سواد عينيه القاتمة متسائلا بنبرة جامدة متزنة كما لو اتزانه يعني الهدوء الذي يسبق العاصفة: -مين من الحوامدية؟! كان ينتظر اجابتها بلهفة فأسرع حسن يجيبه بقلق:
-عهد ياخويّ بت أحمد الحامدي زينة مش اكده. كان قلبه يدق بعنف متلهفًا لاستماع موافقته لكن عمران كان في عالم آخر تسحقه أفكار عقله المضطربة، كرر اسمها بينه وبين ذاته بنبرة خافتة مذهولًا: -عــهــد!! عـهـد بت الحوامدية! استقام بطوله بسرعة البرق يرمقه بنظرات مشتعلة، ملتقطًا أنفاسه بعنف وغلت الدماء داخل عروقه البارزة ليستحوذ ال\ عليه وازداد أضعاف تحت دهشة كبيرة من الجميع لكن لم يهمه كل ذلك صاح معترضًا ب\ وصوت جهوري زلزل جدران المنزل:
-عهد!! الحديت الماسخ ده معيحصُلش واصل. أسرعت نعمة معقبة بسعادة وقد تهللت أساريرها: -زين ما جولت يا عمران والله أني بجول حديتك ده ماللول. رمقتها فهيمة بحدة أخرستها تمامًا وأسرع حسن يقف قبالته ولازال يشعر بالصدمة لرفضه القاطع وتحوله المباغت فسأله بعدم فهم: -وه ياخويّ ليه إكده عهد زينة والنچع كلياته خابر إكده وأني بجولك رايدها وجلبي عاشـ.. أنهى حديثه العابث بحدة غاضبًا وازداد جنونه ونظراته الرافضة: -عجولك إيه اسمع حديتي زين مش هجوله بعد إكده عهد ديه لاه معوافجش عليها.
استفهم متعجبًا بصدمة والذهول يسيطر على ملامحه: -ليه بس ياخويّ؟ لم يبالي بمشاعر شقيقه العاشقة لها بل استرد حديثه مؤكدًا بقسوة وعينين تلتمع ب\ ضاري: -الله في سماه ما هتتچوز البنتة ديه غير على چثتي ومهعيدش حديتي.
أنهى حديثه وسار نحو الخارج بخطوات واسعة وجسد متشنج غاضب كما لو داخله نيران متأهبة تزداد اشتعالًا ملتقطًا أنفاسه بصعداء وعقله يعيد ما حدث بالداخل ليصدر عنه تنهيده حارقة كافية لإشعال النجع والبلد بأكملها، وداخله سؤال هام يتردد في عقله المنهمك كيف ومتى شقيقه عش/ق تلك الفتاة الفاتنة؟! ليزداد الأمر سوءًا بعدما علمه اليوم، ازدادت نبضات فؤاده بعنف وتعالت أنفاسه بصوت مرتفع، محاولًا تهدئة ثورة عقله المهتاج بضراوة كبيرة.. تطلع حسن نحو والدته واسترد حديثه المذهول وقد وقع عليه ما حدث كالصاعقة التي زلزلت روحه:
-كيف يمّا أهملها وأني رايدها؟ تطلعت أمامها بحزن وصدر عنها تنهيدة حارة، ربتت فوق كتفه بحنان حاولت تهدئة الأمر بتعقل: -اصبر يا ولدي أني هتحدت وياه، هو واخد على خاطره منيك، أنتَ خابر عمران جلبه طيب عيصفى بسرعة. اومأ برأسه أمامًا وسار هو الأخرى بضيق غاضب شاعرًا بعدم الرضا من أفعال شقيقه وفرض هيمنته عليه دون الإهتمام لمشاعره، لكنه سيبقى هادئًا حتى يستطيع مجاراة أموره لتسير مثلما يريد ويستطيع الزواج من مَن أحب واختارها قلبه..
❈-❈-❈ بعد مرور يومين… كان يجلس عمران في غرقة المكتب الخاصة به ولج حسن مُهللًا بسعادة ووجه مبتسم هادئ: -مبارك ياخوي المحصول اتباع وخُلص كُمان. ابتسم عمران ولم يعطِ إهتمام مغمغمًا ببرود: _مليح كنت خابر أن هيحصُل إكده. أقترب يجلس أمامه وحاول التحدث معه مرة أخرى ليهدئ الأمر بينهما: -لساتك واخد على خاطرك منيّ ياخوي، حجك على راسي أنت خابر معزتك في جلبي، عارف أني غلطت لما عملت إكده لحالي ومستنتش رچوعك. لم يبالِ بحديثه بل نهض مقتربًا منه يقف قبالته يرمقه بنظرات حادة والشرر يتطاير من عينيه الغاضبتين مردفًا بنبرة آمرة يملأها الغرور:
-أني مهتحدتش وياك غير لما اللي جولته يحصُل وتهمل بِت الحوامدية ديه لحالها وملكش صالح بيها بعد إكده وده هيحصُل بالرضا أو الغصب. وقف قبالته ملتقطًا أنفاسه ب\ زافرًا بضيق من شقيقه الذي يسعى لإثبات قوة نفوذه وهيمنته الطاغية، ورد عليه ب\ عارم متعجبًا: -وه كيف رايدني أعمل اللي عتجوله من غير ما اتحدت وياك، أنت معتعملش حساب لحديتي عاد، أني اللي هتچوز يا عمران. رمقه بنظرات غاضبة وكرر حديثه بإصرار صائحًا به بعنف قاسٍ:
-اللي بجوله هيحصُل ما عاش ولا كان اللي هيوجع حديت جاله عمران الچبالي فوج يا حسن واعجِل حديتك. امتعضت ملامحه بعدم رضا وأردف بشغف محاولًا تغيير حديثه وكسب رضاه ليستميله: -اسمعني ياخوي أني عاشجها ورايدها مجدرش اهملها مجدرش. قال كلمته الأخيرة بضعف مترجي أن ينجح في تهدئته لكن الأمر جاء عكس ما يظن، اهتاج عمران \ًا فض/رب فوق سطح المكتب الذي أمامه بقوة شاعرًا بنيران قوية تعصف داخله بعد استماعه لحديث شقيقه الهاوي لها، هدر به بعنف ساخرًا منه بقسوة:
-جلبك اللي عاشجها ده اشيله بيدّي واحطه تحت رچلي مش وِلد الچبالي اللي عيتچوز من غير موافجة اخوه وكَبير النچع ده، وأنت اتجدمت للبت ديه وأني مش أهنيه يبجي هتهملها كيف ما جولت. شعر حسن ب\ يعميه هو الآخر شاعرًا بالضيق من قيود شقيقه التي تزداد لكنه لن يتركها سوى بم\وته، بالطبع لن يترك مَن يريدها بسبب أوامر شقيقه الناهية هو اختارها بقلبه وعليه التمسك بها؛ لذلك همهم بحدة وعصبية معترضًا: -لاه أني مش ههملها جولتلك رايدها وهي رايداني وكله بارك مناجصش غير مباركتك ليا ياخوى.
اندلع ال\ إلى عقله كاد يفقده صوابه فأسرع قابضًا فوق أطراف جلبابه يهزه بعنف صائحًا بتوعد: -مش هبارك ولا هوافج مهما حُصُل البت ديه مش هتبجى مرتك فاهم ومفيش حاچة اهنيه بتحصُل غير بموافجتي كنك مخابرش عاد. قال جملته الأخيرة بسخرية لاذعة ودفعه بقوة ضارية إلى الخلف وهو يرمقه ب\، فنهض حسن مجددًا وصاح أمامه بتحدٍ ونظرات نا*رية: -وأني راچل مش عيل صغير جدامك هتمشيلي حياتي على كيفك، لاه أني مش هسمح بكدّه، وعهد هتُبجى مرَتي.
أنهى حديثه وفرّ هاربًا خارج الغرفة يستشاط \ًا لا يريد أن يستمع إلى رده مقررًا تحقيق ما يريده ويتزوج من عهد التي يريدها واختارها قلبه المحب لها، لن يدعه يتحكم في حياته، ويبتعد عنها حتى يرضي شقيقه فقط!!..
فيجب عليه التطلع إليه ويوافق لأجله.. هو يكره تحكم\اته الزائدة وقراراته الصارمة التي يتخذها دون النظر إلى أحد خاصة عندما أصبح كبير النجع متخذًا وفـ,ـاة والده سبيلًا لتحقيق مطامعه بقسوة طاغية… يجعله يشعر كما لو أنه طفل صغير عديم المسؤولية والخبرة في الحياة لكن في الحقيقة هو عكس ذلك تمامًا..
جلس عمران متنهدًا بصوت مرتفع غاضب يشعر بنيران قوية تشتعل داخله مسيطرة على عقله، بعدما استمع إلى حديث شقيقه عنها وعش/قه الضاري لها، لكنه يشعر بالصدمة كـيـف؟! كيف شقيقه يحبها وهو لم يظهر ذلك من قبل ولم يتفوه به؟ اجتمع داخل عقله صورة لها في آخر مرة رآها وحينها أخذ عهد على ذاته أنها لن تصبح لأحد سواه عنوة، لن يتركها لأحد وعلى إستعداد محاربة الجميع دون الإهتمام لأيٍ منهم، على استعداد أن ينقض مفترسًا لكل مَن يقترب منها ويقيد عنقها بقيود عش/قه المتملكة لروحها..
يتذكر مظهرها الخلاب الفاتن الذي يفقده عقله وجميع حواسه وكأنه نسى العالم بأكمله ولم يتذكر سواها، بعسليتيها الساحرة يرى وميضهما تحت أنوار الشمس الساطعة ليشعر وكأنها نجمة عالية آتت إليه ولابُد من الحصول عليها، عجبًا لك أيها القلب فقد تمسكت بالدرب المستحيل متخذًا من تحقيقه عهدًا لابُد الحصول عليه ليهدأ وتنتهي ثورة المشاعر الغاضبة التي اندلعت داخله، عجبًا للقدر الذي يساهم في فراقها عنه وكأن كل ما حوله يتفق ضده لكنه سيظل صامدًا متمسكًا يها، فـكـيـف يتركها متنازلًا عنها لشقيقه وهي عـهـد عليه؟
لا أحد يعلم بحقيقة مشاعره نحوها لكنها ستكون مِلكًا له في النهاية متحدي القدر وجميع الصعاب التي تمنعه عنها، لا يريد أن يشعر بمذاق الفراق المرير..