تطلعت نحوه مندهشة بأعين متسعة محاولة تهدئة ذاتها وردت عليه ببرود: – لو محدش اتحدت ويايا وجالي حاچة عِفشة هعمل إكده ليه! هما بيجللوا منيّ جدامك ورايدني متحدتش كيف يعني. عاد حديثه عليها مرة أخرى بنبرة تزداد صرامة وغضب، وقد تشنج جسده أمامها واكفهرت ملامح وجهه بضيق: – تحترمي وچود چوزك يا عهد أني هجدر عليهم كلياتهم ومحدش يجدر يجلل منيكي إنتي دلوك مرتي يبجى لازمن تعملي اللي عجوله. أغمضت عينيها بقوة مأومأة برأسها أمامًا متطلعة نحوه بجدية، ووقفت قبالته مغمغمة بتحدٍ:
– وأنت ميتى عتعمل اللي اتفاجنا عليه وتخرچ حسن. الشرر تطاير من عينيه وسار بغضب مقتربًا منها بطوله والغضب سيطر على عقله مجددًا فشعرت بالخوف من هيئته الغاضبة، سارت بخطواتها إلى الخلف مبتعدة عنه وقد انكمشت على ذاتها بقلق. أسرع قابضًا فوق ذراعها بقوة جاذبًا إياها ليعيدها مكانها أمامه كما كانت فاصطدمت بصدره القوي متأوهة بين يديه بضعف، وأغمضت عينيها بقوة لم يهتم بكل ما حدث همس داخل أذنيها وبغضب مشددًا من ضغطه فوق ذراعها:
– سيرة حسن متچيش على لسانك واصل وإلا هجطعه بيدّي أنتي مرتي، يُبجى تفهمي إكده بلاش خربطة عجل. رعشة قوية أصابت جسدها بين يديه نتيجة اقترابه فغمغمت بضعف لاهث وشفتيها ترتعش بتوتر ملحوظ يبدو بوضوح داخل عينيها: – بـ… بس ده اتفاج بيناتنا وأني وافجت وعِملت اللي بدك مني، ناجص أنت تعمل انتي طلبته منيك ولا يُبـ… ابتلع باقي حديثها بداخله بعدما انقض فوق شفتيها في قبلة عاشقة وقد انهارت جميع حصونه في السيطرة على ذاته أمام جمالها الخلاب وإنجذابه القوي نحوها، لا سبيل للعقل أمام نفوذ القلب العاشق لغرامها، أصفاد الغرام القوية تلتف حول روحه تسلب عقله وفؤاده.
وجدها تدفعه تلك المرة سريعًا إلى الخلف معلنة رفضها فبادر بابتعاده عنها وتركها معقبًا بحدة: – سيرة حسن متچيش تاني كيف ما جولت، أني هعمل اللي اتفجنا عليه من غير حديتك. ظلت تلتقط أنفاسها بصعداء، وقد تحول وجهها لهيئة أخرى يملأها الخجل واضعة يدها فوق موضع قلبها مخفضة عينيها أرضًا بتوتر ملحوظ متخذة الصمت طريقها لإنهاء ليلتها معه، وعقلها شارد فيما يحدث منذُ بداية زواجها منه إلى الآن، لا تعلم طبيعة شخصيته ولم تستطع تحديدها وهي ترى التناقض الكبير في طباعه وطريقة تعامله معها..
❈-❈-❈ وقف حمدي داخل مركز الشرطة التابع للنجع لزيارة حسن الجبالي كما طلبت منه زوجته وأصرت على ذلك، كان يقف ينتظر قدومه لمقابلته والإطمئنان على أحواله بعد مكوثه طوال الفترة الماضية في السجن لم يستطع أحد منهم الإطمئنان عليه. بعدما مر عليه عدة دقائق وجده قد آتى لكنه في حالة سيئة ليس مثلما يعتاد عليه الجميع، آتى بملامح شاحبة وجسد هزيل سيطر عليه كما أن لحيته التي بدأت تنمو غيرت من ملامحه، احتضنه حمدي مغمغمًا بهدوء وهو يرمقه بنظرات مندهشة متعجب لحال ابن الجبالي المدلل:
– كيفك يا حسن طمني عنيك يا ولدي، ايه اللي عيحصُل إهنيه؟ وقف بملامح غاضبة والشرر يتطاير من عينيه صائحًا بضيق: – كنك افتكرتني دلوك سايبني كل دِه من غير ما حد ياچي يتطمن عليّ، إيه اللي حصُل هخرچ ميتى من الوجعة المنيلة ديه. أخفض بصره أرضًا بخجل لا يعلم بماذا يجيبه؟! كيف يخبره أن لا أحد يستطيع مساعدته والأمر يزداد سوء حمحم بتوتر ومحاولًا أن يجيبه بهدوء متعقلًا: – بنحاول يا حسن عنعمل كل اللي نِجدره عليه، طول خُلجك اومال ومتفكرش في حاچة دلوك.
وضع يده فوق رأسه بغضب يفكر معه في وجود طريقة لخروجه من هنا بعدما علم بتخلي عمران عنه وأنه المتسبب الأول في إيذاءه، كور قبضة يده بقوة ضاربًا الحائط معقبًا بغضب والنيران تندلع من عقله الغاضب: – والله ما ههمله اخرچ بس من إهنيه وهيعرف أن اجدر اجف جدامه، أني احسن منيه كُمان هبجى كبير النچع. توقف عن التفكير المتوعد فيما سيفعله بـ عمران عندما تجمعت صورة رائعة لها داخل عقله المتلهف لرؤيتها بشغف كبير، فأسرع متسائلًا عنها بقلق:
– عهد كيفها هي زينة صُح مچاتش إهنيه غير مرة واحدة فاللول طمن جلبي عنيها. أسرع حمدي هاربًا من نظراته متطلع نحو الجهة الأخرى بتوتر هاربًا من إجابته ومعرفته بفعلة تلك الحية، فعاد عليه السؤال بنبرة تزاد قلقًا: – بجولك عهد كيفها زينة صُح؟ شعر بالقلق من صمته الذي طال فحاول الآخر أن يتهرب منه مغمغمًا بتوتر ونبرة متقطعة: – عمران أخوك اتچوز كُمان.
لم يهتم لأمره ولا يريد أن يعلم شئ عنه، لكنه شعر بالغضب عندما علم بزواجه فهو مَن كان سيتزوج لكنه دمر سعادته بذلك الأمر، هتف بنبرة تزداد غاضبًا مضيق عينيه بضراوة متوعد لعمران فور خروجه سيجعل حياته تنقلب رأسًا على عقب: – والله ما ههمله يدوج الفرح يوم واحد من وجت خروچي من إهنيه. تابع بنبرة تزداد حزنًا ولازال يفكر بها ملتقطًا أنفاسه بصعداء: – كان زماني دلوك متچوز من عهد حبيبتي لولا عملته بس هعوضها عن كل اللي حصُل.
شعر الآخر بالغضب وهو يراه يفكر بها وهي لم تهتم لأمره بل أسرعت تتمم زواجها من شقيقه دون الإلتفات لحبه الكبير لها، تلك المخادعة التي استطاعت أن تدّعي البراءة وهي في الحقيقة تفكر لأجل تحقيق مطامعها بزواجها من أكبر عائلة في النجع وتحقق الحلم المستحيل حتى تحظى بمكانة مرموقة ونفوذ عالية بين أهل النجع، صاح به بغضب غير واعٍ لما يقوله بعدما رآه غارق في أحلامه وأفكاره بها بدلًا من ذاته:
– كنك اتجنيت إياك فكّر في حِالك وسيبك منيها، عهد اللي عتفكر فيها، هي اللي اتچوزت عمران اخوك وهملتك من غير ما تفكر فيك عتفكر في حالها ومصلحتها وهي دلوك مصلحتها مع عمران وافجت عليه على طول، حديت الست فهيمة ونعمة مرتي عنيها كان صُح.
شعر بالصدمة حلت عليه وقد وقع عليه الخبر كالصاعقة، غير مصدق ما استمع إليه، كيف استطاعت فعلتها، هل بالفعل نست حبه لها، تخلت عنه عندما كان يحتاجها ويفكر بها فقط لأجل ذاتها، كيف استطاعت خداعه تلك الفترة وجعلته يهواها، في النهاية كانت كاذبة في جميع مشاعرها نحوه وتعيشها مع شقيقه، شعر بقبضة حادة قوية تعتصر قلبه الذي اخطأ وأحب فتاة مثلها.. حاول السيطرة على ذاته ولا زال يقف شاعرًا بعدم التصديق كذب ما استمع إليه بضراوة متمسك بحبه الكبير الذي كان متغلغل في قلبها الأسير لها:
– لاه عهد معتعملش إكده امّا اللي جالتلك تجول إكده عشان اهملها صُح؟ صدر عنه تنهيدة حارة ولا يعلم كيف يخبره لكنه أسرع يحضر صورة تجمع عمران شقيقه بـ عهد في حفل زفافهما معقبًا بنبرة متوترة: – أهي في الليلة اللي عملها أخوك، أنت لازمن تخرچها من حساباتك وتركز دلوك في طريجة نخرچك بيها من إهنيه جبل ما المصيبة تجع على الكل.
أومأ برأسه أمامًا بذهن شارد ولازال الصدمة مسيطرة على خلايا عقله بقوة كادت الفتك بروحه، إلى الآن لم يصدق كيف فعلتها؟! كان يثق بها إلي حد كبير أعطاها قلبه لتعيش بداخل مملكته العاشقة الخاصة بها، كانت ملكة متوجة بداخله جميع طلباتها حاضرة ما أن تفكر بها، وفي النهاية ألقت كل ذلك خلفها دون الإلتفات إليه وأصبحت زوجة لشقيقه بدلًا منه متناسية حبه الكبير لها..
هو مَن أخطأ باختياره وعليه تحمل النتيجة، لكن كيف ابدعت في إظهار البراءة وجعلته متيم بها كان على استعداد لخسارة جميع عائلته فقط لأجلها، ولأجل إتمام زيجته بها، كان يفكر بها وهو في ذلك الوضع متلهف للخروج مسرعًا لأجل رؤيتها، هي لم تهتم لكل ذلك واستطاعت نسيانه وتبديل جميع مشاعرها دون التفكير به وبمشاعره، إلى الآن لا يصدق ما استمع إليه لكنها الحقيقة ومن الواجب تصديقها حتى إن كان تؤلمه وتدمر قلبه المخطئ في اختياره..
❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈ رواية نيران نجع الهوى بقلم هدير دودو