– حجك يا ست عهد بس بزياداكي إكده من ليلتها وانتي مدخلتيش لجمة في چسمك، هتتعبي ومحدش هينفعك وجتها.
لازالت لم تقوَ على الطعام، هي لا تريد شيء سوى أن تبقى بجانبه وتنعم بدفء أحضانه لتتخفى بداخله من قسوتهم المضنية التي مزقت فؤادها وقبضت روحها، لا تدري كيف ستفعلها وتصل إليها وهي الآن حبيسة في ذلك المنزل، تصلي فروضها وتدعي ربها كل مرة بقلب صافي ودموع صادقة أن يحفظه لها وأن تذهب إليه، تود رؤيته فقط بعد أن تم جذبها خارج أحضانه عنوة، عندما كانت تحاول إنقاذه وهو ملقى بدمائه التي كانت تسيل بغزارة في مشهد سيبقى خالد بعدما كاد يوقف نبضاتها التي خفقت وتعالى مكانها صرخاتها.
بقيت جالسة كما هي بحالتها الهزيلة إلى أن حلت عليها ظلمة الليل الحالكة دون أن تشعر، الدقائق تمر والساعات بعدها وهي تائهة في دروب أفكارها المتفرقة لخوفها عليه. تفاجأت بصفية التي كلفت بخطوات حثيثة بحرص تام حتى لا ينتبه أي مما في المنزل وتحدثت بهمس: – جومي يا ست عهد هخرچك، الست فهيمة ادتنيّ مفتاح الباب اللي في المطبخ إهنيه لچل ما تُبجي چار سي عمران. التمتع عينيها بسعادة وأمل كان لازال داخلها، كانت متأكدة أن ربها لن يخذلها وستجتمع معه، هي فقط تريد أن يبقى بخير، هبت واقفة بسرعة البرق بعدما تناست جميع الآمها، وذهبت خلفها في صمت.
فتحت لها الباب المغلق والذي لم يعلم أحد بوجوده من قبل، وسارت معها نحو الخارج وجدت أكرم يقف في انتظارها، بدأت تلتقط أنفاسها من جديد بارتياح لنيل حريتها بأمان، طالعتها مبتسمة بامتنان وتحدثت بهدوء: – مش عارفة أجولك إيه يا صفية، ربنا يخليكي ليا ويچبر بخاطرك يارب. احتضنتها صفية بحنان بعد أن بدت ملامح الفرحة فوق وجهها هي الأخرى: – متجوليش إكده يا ست عهد، ربنا واحده اللي خابر غلاوتك عنديّ جد إيه، ربنا يطمن جلبك على سي عمران ويرده بالسلامة.
ابتسمت عهد وهي تتمنى حدوث حديثها، ثم سارت بصحبة أكرم لتبقى بجانب زوجها، بينما صفية فعادت إلى المنزل وجعلت كل شيء كما كان حتى لا يكتشف أحد فعلتها، ثم صعدت إلى فهيمة أعطتها المفتاح وهي تتحدث بخفوت: – هي دلوك مشيت يا ست فهيمة متقلقيش حالك.
تنهدت فهيمة بارتياح ثم هبطت دمعاتها من جديد تشعر بالندم لما فعلته معها، والندم الشديد لأنها المتسببة فيما يحدث الآن، دلالها الزائد هو مَن أفسد حسن وجعله بتلك القسوة التي طالتها هي أولًا ثم شقيقه من بعدها، كاد الندم أن يمزق روحها ولكنها لم تستطع البوح به، ابنها هو مَن جعلها عاجزة حتى يحصل على أموالها بعدما رفضت أن تعطيها له بالكامل وقررت أن نقسمها عليهما بالعدل، لا أحد يشعر بنيران المتأهبة بداخلها والتي تحرقها وحدها.
وصلت عهد أمام الوحدة الصحية المتواجدة خارج النجع بعدما تم نقله بطلب من الضابط، طالعها أكرم وتحدث بجدية: – سي عمران إهنيه في المستوصف بس هما معيدخلوش حد ليه ولا حتى يجف بره. تطلعت عهد بأمل وسارت نحو الداخل بخطوات مسرعة، قلبها لا يطيق الانتظار تود أن تطمئن عليه خاصة أنه لا أحد يعلم حالته الآن، كما طلب الضابط من الأطباء، تفاجأت بخروج الممرضة من غرفته وقد علمتها عندما رأت ضابط يقف أمام الغرفة لحمايتها، تطلعت نحو الممرضة واقترب تسألها بلهفة بعدما تهاوت عبراتها بغزارة وهي تشير نحو ذاتها بضعف:
– طمنيني عن عمران أني عهد مرته، هو بجى زين صُح. تطلعت الممرضة أرضًا بملامح حزينة وأجابتها بتوجس: – مجدرش أجولك حاچه عن حالته والدخول عنديه ممنوع، بس ادعيله يمكن ربنا يستچيب دعاكيّ. تعالى نجيبها من جديد بعدما شعرت بقبضة القلق القوية وهي تعتصر قلبها، وذهبت نحو الطبيب الذي خرج للتو من الغرفة وتحدثت برجاء: – أني مرته رايدة ادخل اتطمن عنيه وبس والله مهاخدش هبابة بس اطمن جلبي بشوفته، أحب على يدّك دخلني ليه، املي عيني من شوفته.
تركها وسار يتواصل مع الضابط ليخبره لكنه حصل على رفض قاطع، حاول الطبيب أن يتحدث بعملية: – بس يمكن وچودها چاره يساعد في تحسين حالته. بعدما أكد الطبيب له ذلك وافق الضابط على مضض لتدلف إليه ولكن بصحبة أحد الضباط المتواجدين معها إلى الداخل خوفًا من أن تفعل له شيء.
جلست بجانبه بعدم تصديق وانهمرت دموعها بغزارة كالنهر الجارٍ وهي ترى حالته الضعيفة وملامح وجهه الشاحبة كالأموات، أسرعت تضع يدها فوق فمها لتمنع شهقاتها من أن تدوي داخل الغرفة خوفًا من أن تزعجه، عينيها تراقب ملامحه الذابلة وفؤادها يؤلمها لرؤيته وهو بتلك الحالة، تتذكر كيف كان يقف بشموخ يتحدث مع الجميع وينقض على الظالم ببسالة لم يعهدها أحد من قبل، تتذكر حنانه معها لكنه الآن في حالة سيئة، لامست أناملها يده ببطء وضعف، وخارت قوتها تمامًا عندما رأته هي تريد حصنها المنيع لتستند عليه كما اعتادت وتتخفى من قسوة الحياة التي مزقت روحها، تحدثت بخفوت وعينيها تطالعه بنظرات شغوفة محبة:
– هتجوم يا عمران وهتبجى زين وأحسن من اللول كمان، مش عشاني لاه لچل عيون اللي هياچي عالدنيا يلاجي حضن ابوه اللي مفيش زيه، جوم يا عمران لچل خاطر عيون عهد الجلب هاتلها حجها منيهم. صمتت لوهلة تلتقط أنفاسها المتثاقلة واسترسلت حديثها بوهن: – طب جوم ضمني في حضنك اشتجتله جوي والله، عمران أني مليش غيرك في الدنيا كلياتها بزياداك تقيس غلاوتك في جلبي، أني مرايداش حاچه من الدنيا كلياتها غير وچودك چاري وفي حضني يا حبيب جلبي وروحيّ.
استندت برأسها فوق الفراش ودموعها لم تجف إلى الآن، رؤيتها له لم تطمئنها كما كانت تظن بل جعلتها تدرك خطورة حالته الصحية، جعلها تشعر بالقلق عليه أكثر والخوف من نيران فراقه التي ستحرق فؤادها وروحها وما تبقى منها بعد رحيله في تلك الليلة المماثلة لكابوس مزعج يدمر عقلها.
أثناء انغماسها في أفكارها ومخاوفها، لا تعلم كيف غفت وهي بجانبه، لكنها كانت تغفو بأمان بعدما نزح عن قلبها شعور الرعب مما ستلاقيه إذا نامت كما كانت في المنزل، بدا التعب والإرهاق فوق ملامح وجهها لكنها ظلت على حالتها حتى حل الصباح بنوره المشرق، ففتحت عينيها بأمل لعل ما حدث لها لم يكن واقع، لكن هناك غصة قوية سيطرت على قلبها عندما علمت أنه واقعها المرير بعدما تطلعت حولها وأدركت أين هي؟
تطلعت نحو عمران برجاء تطلب أن يستيقظ مثلها ويعود إلى وعيه، يستعيد صحته وهي معه وبجانبه، تطلعت نحو الضابط المتواجد معها وجدته كما هو بعد أن أخبره الطبيب بأهمية تركها معه وهو في تلك الحالة فالرعاية الطبية اكتملت على أكمل وجه القادم بيد الخالق الذي يبدئ ويعيد، القادر فقط على تحسين حالته الخطرة، بقيت عهد معه دون أن تشعر بالوقت الذي يمر عليها وهي بجانبه، لكنها فجأة وجدت ما صعق فؤادها وجعل حياتها بالكامل تتوقف عند تلك الموهبة التي لا تريد سواها، شعرت بحركة أنامله ببطء أسفل يدها، مصطحب لهمسه العاشق بشغف:
– عـــهـــد الــجـــلـــب… تطلعت نحوه وتحدثت بلهفة وهي تمرر يدها فوق وجهه لتشعره بوجودها بجانبه وهي تتحدث بعشق جارف: – روح عهد الجلب ونن عيونها التنين من چوة، أني چارك يا حبيب عيوني وجلبــ…
قبل أن تستكمل جملتها تفاجأت بصمته مرة أخرى وتثاقل أنفاسه التي شبه انعدمت كأنه كان ينتظر وجود معهودته ليودعها قبل رحيله، كما دوى الإنذار المتواجد في الأجهزة المتصلة به، فأسرع الأطباء والممرضون يهرعون إليه وهي ابتعدت إلى الخلف وعادت دمعاتها تهبط بغزارة، لكن أقتربت أحد الممرضات وأجبرتها على الخروج كما قال الطبيب، فشعرت أن قدميها لم تعد تتحملها بعدما توقف نبضاتها، سقطت أرضًا وتعالت صرخاتها العويلة بقهر تشق الجدران، لكنها راضية يا الله بقضائك يكفي أنها استطاعت أن تودعه كما كانت تتمنى..لكن الحزن والقهر يستحوذ على ملامح وجهها الشاحبة، التي تقاوم إلى الآن جميع الآمها..
-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈ رواية نيران نجع الهوى بقلم هدير دودو