Uncategorized

نوسين1

أطبق على أسنانه بغيظ دفين، ولكنه تحكم في نفسه حتى لا يلكمه على سخافته وتدخله فيما لا يعنيه، وجذب نوسين من ذراعها ولكن هذه المرة بأقوى من سابقتها، ساحبًا إياها خلفه نحو شقة خالتها، فصاحت فيه بانفعال ما أن اصبحوا بمفردهما:
-في إيه أنت شاددني بالطريقة دي ليه؟ أخبرها بامتعاض وقد تبدد ثباته بسبب رد فعلها كالعادة:
-يمكن عشان حضرتك واقفة في نص الشارع وعاملة عرض للي رايح واللي جاي مثلًا؟ توقفت على كلماته في استنكار:
-عاملة عرض؟! ليه شايفني كنت برقص ولا إيه؟

لأول مرة لم يملك السيطرة على لسانه الذي يبدو أنه اُصيب بعدوى الفظاظة منها فقال بنبرة ذات مغزى جارحة دون عمد:
-ياريتك بترقصي اهي حاجة طبيعية لأي ست بدل دور الراجل اللي أنتي متقمصاه دا. شعرت بكلماته تنغرز كـ وتد قاسٍ في منتصف هيكل انوثتها تمامًا؛ مفتتة إياه لشظايا..
ولكنها لم تستسلم بل صرخت فيه بشراسة:
-وأنت مالك؟ أنت هتصدق إنك جوزي ومن حقك تحاسبني على تصرفاتي ولا إيه! أنا حرة أتقمص دور الراجل أتقمص دور الست، أنا حرة.

قابل صراخها الشرس بعنف رجولي صارخ:
-طالما أنا قدام الناس للأسف جوزك يبقى من حقي، لازم تراعي منظري قدام الناس على الأقل طالما أنتي مش فارق معاكي تعيشي طبيعتك وتكوني انثى، بصي باقي الستات اللي في الحارة عاملين ازاي وأنتي عاملة ازاي، أنتي عايشة حياة مش حياتك، والمصيبة إنها عجباكي. شعرت بأنوثتها وكرامتها ترفرف كطير مذبوح يلفظ أنفاسه الأخيرة، والدموع تتسابق لعينيها في سبق كان الأول من نوعه منذ رآها، ثم تشدقت بصوت مختنق بالبكاء:

-ما أنت لما تصحى في يوم تلاقي أبوك مات وسابك وحيد، وسايب وراه ديون قد كدا أنت ماكنتش تعرف عنها حاجة، ومطلوب منك تسيب المنطقة وتختفي لإن الناس اللي مديناه لو لاقوك هيطالبوك بديونه دي، وتلاقي نفسك في الشارع ملكش حد ولا مكان، وقريبتك الوحيدة القريبة ماينفعش تجيلها لأنها يادوب ممشية نفسها بالعافية بالمعاش، وماقدامكش غير انك تسافر لأي حد قريبك حتى لو متعرفش عنه حاجة غير عنوان، وتشحت منه الشفقة وإنه يعطف عليك ويقعدك معاه، وحتى مش معاك شهادة تخليك تشتغل، ومش قدامك غير الصنعة اللي أبوك علمهالك قبل كدا كأنه كان حاسس، ساعتها هتبقى مُجبر تعجبك حياتك الجديدة وإلا

هتتجنن أو هتنتحر. شعور بالحقارة لنفسه لفح أعماقه، واشتدت قبضة الندم الغليظة على قلبه حتى كادت تُدميه والاختناق يسيطر على كافة خلاياه…
فهي تقريبًا عانت من تقلب قدرها للكرب مثله، ولكنها كانت أقوى وأشجع منه، استبسلت في ح.ربها مع الحياة لتنل منها ما يُبقيها ثابتة دون أن تنهار مثله.. لدقيقة تقريبًا لم يستطع النطق وكأن لسانه ملجوم بلجامٍ من نار، حتى استدارت هي وكادت تغادر دون أن تضيف المزيد، ولكنه أوقفها مسرعًا يمسك بذراعها مرددًا أسمها لأول مرة:
-نوسين.. استني.

استدارت له ببُندقيتاها اللامعتان بالدموع فرأى انعكاس صورته مشوشة فيهما وكأنهما تتهمانه، واستشعر وخز مؤلم بقلبه، فنطق اخيرًا بخفوت لم يدري كيف خرج حاني دافئ:
-أنا ماقصدش. وعجز عن اضافة المزيد، ولكن إصبعاه وكأنهما إنفصلا عن عقله الصلد، فتحركا ببطء ليمسحان الدمعة التي تسربت مؤخرًا من عينيها، فشعرت بلمسته الرقيقة تربت على جرحها رغم أنه لم يعتذر.. ولكنها لم تجيبه ايضًا سوى بهزة رأس بسيطة، وغادرت لغرفة خالتها، بينما هو يتنفس بصوت مسموع، بالتأكيد لن يُحايلها لأجل خطأ غير مقصود.. بالنهاية هي لا تهمه كما لا يهمه أي شيء في الحياة.

اليوم التالي… وكما توقع “عمر” لم يحظَ سوى بالتجاهل التام من “نوسين” التي تعرب بالصمت عن جرحها منه الذي لم يندمل.. كانوا جميعهم متجمعين أمام التلفاز بقانون صارم من قوانين “ثريا” التي أصرت على تشديد أواصر المحبة بينهما رغمًا عن أنفيهما.. لاحظت نوسين التي كانت صامتة كثيرًا بغير عادتها الثرثارة، وعدم توجهيها أي حديث لعمر الذي لم يحاول جذب أطراف الحديث معها من الأساس، فاستنتجت دون عناء أنهما على خلاف.. لذا قطعت الصمت البائس بصوتها الهادئ تهتف في نوسين:
-بقولك يا برقوقة.

نظرت نوسين نحوها متسائلة بهمهمة خافتة:
-نعم يا خالتي؟ -ما تنزلي تجيبيلي شوية حاجات من السوق.
طلبت بهدوء وبراءة ظاهرية بينما المكر الأنثوي يلمع بحدقتيها، فأومأت نوسين برأسها موافقة في طاعة:
-حاضر هقوم ألبس. وبالفعل نهضت لترتدي ملابسها، فاقتربت ثريا من عمر الذي كان جالس يشاهد التلفاز بملل ويحمل بين يديه طبق “الفشار” يلتقط حباته دون اهتمام ظاهريًا بما يُدار من حديث بينهما.. ثم سألته بنبرة حملت شيء طفيف من الاستنكار:
-هو أنت مش هروح مع مراتك؟

سألها متظاهرًا بعدم الفهم:
-اروح معاها فين؟ -السوق، هتسيبها تروح لوحدها وهي حلوة كدا، أحسن حد يعاكسها يا ولا.
حثته بنبرة كاد مغزاها يُضحكه؛ إن علمت أنه بالأمس فقط كان يشكك في أنوثتها ستق.تله حتمًا !
ثم… مَن تلك التي يتعرض لها احدهم؟ نوسين اخر فتاة يتخيلها تتعرض لمضايقات ولا تق.تل صاحبها. ولكنه على عكس كل ما يدور بخلده كان يهز رأسه مؤكدًا بابتسامة كاذبة:
-هروح معاها طبعًا. وبالفعل، نزلا معًا من المنزل، فقالت نوسين ببرود ما أن اصبحا بالشارع:
-خلاص روح أنت بقا أي حتة.

انت في الصفحة 12 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى