قال بصوت هادئ ساخر ولكنه لم يخدعها وقد علمت أنه هدوء ما قبل العاصفة:
-فـ يبقوا جايين لينا أحنا، مش ممكن مثلًا يكونوا بيدوروا على أي حد تاني، أصل احنا قاعدين لوحدنا في البيت دا صح؟ هزت كتفاها معًا وهي تردف وكأنه شيء بديهي:
-أصل مفيش ناس عادية هيدوروا على حد الساعة واحدة بليل. أغمض عمر عيناه وهو يتنفس بصوت مسموع، يحاول شد لجام شياطين الغ.ضب التي تتقافز امامه، إلى أن سمعها تهمهم بتوجس:
-إيه إيه مالك هما رجعولك ولا إيه؟!
فتح عيناه ليسألها دون فهم:
-هما مين؟ ردت ببراءة:
-الخبث والخبائث. -استغفر الله العظيم ياارب. فهزت رأسها وهي تتلفظ بلهجة صبيانية مشاكسة:
-على فكرة أنت المفروض تشكرني عشان بخليك تذكر ربنا كل شوية. حائر ما بين الضحكة التي تود أن تشق عبوس شفتيه، وما بين نفاذ الصبر الذي ينتفض داخله، فقال محذرًا:
-ابعدي عني احسنلك عشان فاضلي تكة وهق.تلك. تراجعت خطوة للخلف في توجس مصطنع وهي تردد:
-وتضيع نفسك ومستقبلك برضو عشان واحدة زيي؟ تجاهل مرحها التراجيدي، وتكتل تركيزه عند نقطة أهم حين هتف بمكر:
-صحيح ما أنتي طلعتي جبانة وبتخافي اهوه امال كنتي عاملالي سبع رجالة في بعض ليه؟!
رفعت حاجباها معًا بدهشة زائفة:
-أنا ؟ أنت بتكلمني أنا؟ -لا بكلم اللي جمبك. هزت رأسها وراحت تخبره بمشاكسة لاقت القبول في صدره دون أن ينتبه لها:
-أصل أنا والخوف مانجتمعش في جملة واحدة اطلاقًا.
-يا شيخة؟ تابعت:
-طبعًا امال أنت فاكر إيه، كل الحكاية إني خوفت على خالتي وعليك مش أكتر، اصل أنا داء المسؤولية عندي رهيب. إلتوت شفتاه بس.خرية فظة:
-أنتي عندك داء الجنان، داء العبط، مش داء المسؤولية. أنبته بصوت أجش يشوبه الحنق الطفولي:
-عيب كدا، بقا دا جزاتي عشان أنا نبيهه!!
-نبيهه؟ أنتي نبيهه؟
عدلت خصلة شعرها بزهو أجادت رسمه وهي تسأله بترفع:
-عندك شك في كدا؟ دا أنا أمي كانت على طول بتقولي آآ….
وقبل أن تبدأ في ثرثرتها اللانهائية قاطعها:
-روحي نامي، ارجوكي روحي نامي، دا نوم الظالم عبادة يا شيخة، ورجلك لو عتبت باب الاوضة تاني وأنا نايم هق.تلك. غادر وهي تراقبه بشفاه ملتوية غير راضية، ثم هزت كتفاها وراحت تدندن بنبرة ساخرة شقية:
-بيعاملني بطيبة واحسااااس. بعد عدة أيام…
مرت الأيام بوتيرة سريعة لم يتوقعها “عمر” على الإطلاق، بعكس أيامه السابقة مؤخرًا التي كانت بطيئة تذبحه مع كل ثانية تمر مُحملة بعبق وذكريات الماضي المرير، فقد اعتاد تواجد “نوسين” وشقاوتها ومشاكستها الدائمة، ولكن هذا لا ينفي غ.ضبه اللحظي منها، وخالتها “ثريا” التي تتذكرهم مساءًا وتنساهم صباحًا فيضطروا لتذكيرها بهم في كل مرة. كما أنه بحث ووجد عمل مؤقت كعامل توصيل؛ ليقضي على وقت فراغه ويكون موعده مسائي ليتحجج بعدم المبيت مع نوسين في غرفة واحدة كما اتفقا..
دخل للحارة التي يقطنون بها، فوجد بعض الأناس يجتمعون حول شيء لم يره، تقدم بهدوء حتى فرق بينهم، ليرى ما يجتمعون حوله، والذي لم يكن سوى مصيبته “نوسين” التي كانت منهمكة في تصليح السيارة لشخصٍ ما يقف جوارها متابعًا ما تفعله بإعجاب، بينما باقي الأشخاص يتابعون ما يحدث بدهشة..
وقد عذرهم لأنه ليس من الشائع أن تجد “الميكانيكي” ليس سوى فتاة شابة..! تقدم عمر منها ثم أمسكها من معصمها قائلًا بحروف مغلقة:
-يلا نطلع. فأشارت له بإصرار وتركيز فيما تفعله:
-استنى بس أنا قربت أخلص اهوه.
وكأن البلهاء لا تستوعب أنها تقدم عرض سخي لأهل الحارة ليتحدثوا فيه لأسبوع كامل قادم! ولتتأكد ظنونه سمع احد الواقفين الوقحين يسخر بضحكة قصيرة سخيفة مثله:
-واضح إن المدام إندمجت جدًا. ثم سأله بطريقة أشد سخافة:
-هي الموهبة دي عندها من زمان؟ أعذرني أصل أنا أعرف إن الست بتحب الطبخ، او لا مؤاخذة الرقص، لكن تصليح عربيات جديدة دي!
