ردد بنفاذ صبر وكأنه يؤدي مهمة واجبة عليه، فأومأت نوسين برأسها ولم تعلق، ليرمقها بنظرات مستنكرة وفي فحواها استفسار عنها:
-وحضرتك مش ناوية تقولي؟ بابتسامة سمجة منتصرة لأنه وقع في فخها ببساطة، تشدقت بنفس كلماته السابقة:
-حاول تتحكم في فضولك شوية لأني مش مُجبرة أحكيلك حاجات خاصة. أغمض عيناه بنفاذ صبر، ثم نهض وكاد يخرج من الغرفة لولا أن اوقفته بقولها الذي مَنت عليه به:
-اسمي نوسين عبد الرحمن مجاهد، عندي ٢٦ سنة، مكملتش تعليم بعد الثانوية عامة، وكنت شغالة في ورشة.
عقد ما بين حاجبيه متسائلًا:
-ورشة إيه؟ ردت ببساطة:
-ورشة ميكانيكة، صنعة إتعلمتها من أبويا الله يرحمه. ثم نهضت وهي تلوح له بيدها مرددة بمرح:
-يلا سلاموز. شيعها بنظرات حملت إعجابًا ببساطتها تسلل له ليتوهج بظلمة عينيه، متخطيًا حاجز الجمود لأول مرة، ولكنها لم تلحظه قبل أن ينقشع ويسيطر الظلام المتبلد على نظراته من جديد.. قفزت “نوسين” على الفراش الذي تنام عليه خالتها، فشهقت خالتها بفزع وهي تصيح فيها:
-إيه في إيه زلزال ولا إيه.
تمددت جوارها تدس نفسها بأح.ضانها ثم حركت كتفيها معًا وهي تدندن بمرح:
-إديني حنان من اللي أنا مش حاسه بقالي زمان. هدرت فيها بانفعال مغتاظ:
-دا أنا هاديكي قلمين على وشك، في إيه يا بت يا مسخوطة أنتي مش هتعقلي ابدًا. ضيقت نوسين عيناها وهي تغمغم بوداعة تراجيدية:
-أنا مسخوطة؟! دا أنا برقوقة حبيبتك يا خالتي. تأتأت ثريا وراحت تهتف بضيق زاجرة إياها:
-أنا عايزه أنام يا برقوقة روحي لجوزك يديكي الحنان. أصرت بابتسامة شقية:
-لأ ما أنا هنام معاكي النهارده وأنتي هتديني الحنان يا نبع الحنان.
-يابت أنتي هتفضلي خايبة لحد امتى؟ هو دا اللي وصيتك بيه؟ تشبثت نوسين بأحض.انها وهي تهاودها:
-خلينا ننام بس دلوقتي، ومن بكره هركز على اللي وصتيني بيه جامد أوي. وبالفعل غطت خالتها بالنوم الذي كان يسيطر عليها، فيما بقيت نوسين مستيقظة والنوم يجافيها بينما الأفكار تتلاعب بعقلها، وتشرد في التحول الذي أصاب هيكل حياتها لتضحي على النقيض لما كانت عليه تمامًا. نهضت من الفراش، ووقفت جوار الشرفة تطلق بصرها على اللاشيء وتشرد فيه، إلى أن لمحت بعد قليل عدد من الرجال متجمعين سويًا ويبدو أنهم يبحثون عن منزل معين ويشيرون بأصابعهم نحو البناية التي يقطنون بها..
فاستقامت في وقفتها، وإتسعت حدقتاها وعَلت الإنذارات بعقلها وكأنه اصبح يخشى أي تجمع رجالي، هل هم نفس الرجال الذين يبحثون عنهم؟ ظلت تراقبهم لتتأكد من شكوكها، فوجدتهم يدخلون لمدخل البناية بالفعل..
حينها هبت راكضة بفزع نحو الغرفة التي ينام بها عمر و…………. الفصل الرابـع : إنقضت عليه بينما يغط في سبات عميق، تهزه مسرعة بهلع وهي تناديه في إلحاح وكلمات مبعثرة كحالها:
-عمر، عمر قووووم، يخربيتك جايب راحة البال دي منين قووووم.
إنتفض عمر من غفوته بسبب مباغتتها، وبلحظة كان ذهنه فيها مفتقر لوعيه وادراكه؛ جذبها بقوة لتسقط على الفراش، وأحاطها بجسده من الأعلى دون أن يمسها، ولكنه كان قريب بشكلٍ كافٍ لتمتزج أنفاسهما معًا، في لحظة جديدة دونت في خانة الشعور غير المُفسر داخل كلاً منهما وبالأخص هي.. ظل صدرها يعلو وينخفض بينما تلتقط أنفاسها بصوت مسموع، غير قادرة على قطع التواصل البصري غير المشروط بينهما..
وعمر للمرة الاولى تسنح له الفرصة لتأمل ملامحها الأنثوية التي تحمل جمال شرقي هادئ برقة ساحرة، وبشرتها كانت بيضاء تميل للون القمحي، ولكنها كانت صغيرة رقيقة تليق بعينيها البندقية التي تشابه عينا القطط مع رموشها الطويلة التي تهتز فاضحة إنفعالها العاطفي في لحظة قرب مباغتة، ثم شفتاها الصغيرة المرتعشة التي همست بإسمه في تلك الثانية تحديدًا قاطعة وصلة غرقه في المشاعر المتفجرة دون مقدمات:
-عمر! كالعادة ابتعد كالملسوع بعد أن مَنَّ عليه الاستيعاب متأخرًا، ثم زجرها بصوت خشن لا تدري بسبب تأثره ام النوم:
-في حد يصحي حد بالطريقة دي؟!
إتسعت عيناها وقد تذكرت بعد دقائق من التيه السبب الذي جعلها تيقظه، فنهضت مسرعة تصيح بفزع:
-قوم بسرعة، قوم يالهوي. قلب عينيه ببوادر غ.ضب بدأت تهاجمه كعادته مؤخرًا في حضرتها:
-أنتي حافظة مش فاهمة؟! منا متنيل قومت اهوه في إيه؟ -في مصيبة، في كارثة، آآ….
قاطعها هادرًا:
-في إيييييه؟ أخذت تولول بصوت مسموع له فقط:
-لاقونا وزمانهم بيحاولوا يفتحوا الباب دلوقتي. سألها وقد بدأ يتنبه:
-هما مين؟ نهرته في انزعاج ساخر:
-لا مش وقت ذكاء دلوقتي الله يرضى عنك، هيكون مين يعني؟ وزارة التموين عشان خدت ازازة زيت زيادة؟ ما أكيد الناس اللي بيدوروا علينا.
بادلها سخريتها بس.خرية مماثلة ولكن يغلب عليها الدهاء:
-عرفتي منين إنهم هما؟ وماطلعوش لحد دلوقتي ليه، مستنينك تديني خبر؟ هزت كتفاها معًا بحنق:
-وأنا إيش عرفني! هز رأسه موافقًا على مضض وهو يشير لها نحو الخارج:
-اممم طب اتحركي كدا يلا وأنا طالع وراكي اهوه. تجمدت مكانها وهي تشعر بخيالها الوردي الوهمي ومعتقداته، يصبحا مجرد سراب إنجلى ما أن داهمته كلماته الواقعية القاسية، ثم سألته ببلاهه مصدومة:
-إيه دا ثواني، هو مش المفروض تقولي خليكي أنتي هنا وماتتحركيش لحد ما أجيلك، شهامة منك وكدا؟
وكأنه أصر على فصلها تمامًا عن خيالها الواسع، حين استطرد في استهجان:
-شهامة ماتت محروقة، العمر مش بعزقة يا ست برقوقة فوقي. غمغمت بكلمات مكتومة مقهورة:
-منك لله أنت والبرقوق في ساعة واحدة، حتى أحلامي دمرتها. سألها مدققًا النظر لها وحدسه ينبئه أنها تقصده بغمغمتها غير الواضحة:
-بتقولي إيه؟ أجابته بابتسامة لزجة معزولة تمامًا عن المرح، منتمية كل الانتماء للس.خرية المريرة:
-بقول اتأخرنا عليهم مايصحش لازم نروح نعزم عليهم بشوية برقوق ولا حاجة.
خرج كلاهما من الغرفة، وأخذ عمر يتفحص الخارج بدقة، ولكنه لم يجد أي شيء مُريب، لذا نظر لنوسين بطرف عينيه نظرة ذات مغزى، فأشارت له نحو الأثاث هامسة:
-ما تشوف يمكن مستخبيين تحت الكنبة ولا في أي حتة.
-هو أحنا بندور على جوز فيران! دول بني ادمين.
غمغم بهسيس خافت ولكنه حاد حكى لها عن صبره الذي بدأ ينضب.. ورغم ذلك راح يبحث في كل إنش في الشقة، حتى أنه فتح الباب ونظر على السلم عله يرى أي شخص، ولكن الفراغ كان النتيجة الوحيدة لبحثه..
عاد لها بنظرات قاتلة أشعرتها أنه سينقض عليها في أي لحظة، فسارعت تقول وهي تتراجع مبتعدة عنه:
-طبعًا أنا لو حلفتلك إني شوفتهم طالعين السلم مش هتصدقني. -أنتي عرفتي منين إنهم هما اللي بيدوروا علينا؟ شافوكي او شاوروا عليكي؟ ودت لو تجيبه بهزة رأس نافية، ولكن شعرت بالقلق من عيناه المترصدة وكأنها على أتم الاستعداد للهجوم، فبدأت تتلكأ بحروفها التي تحاول ايجاد ثغرة لتنقذها من براثنه:
-هما آآ… شاوروا على العمارة، وطلعوا سوا.