فقد أصبحت “نوسين” شبه ملتصقة بصدره وذراعه يحيط بها، ارتعشت في استجابة فطرية، واحتكاكهما البسيط أجج بقلبها شعور لحظي غريب لم يباغتها سابقًا رغم سنوات عمرها الستة والعشرون، شعور لاهب كألسنة النيران، إن استمر ستذوب فيه كـ شمعة رقيقة.. ببنما عمر ما أن استشعر ملمس جسدها الغض حتى أحس وكأن ماس كهربائي سار أسفل جلده حارقًا إياه بقسوة الادراك… فانتفض مبتعدًا عنها على الفور وهو يتمتم بخشونة:
-مش تاخدي بالك من اللي وراكي! هزت نوسين رأسها، ورغم أن الكلمات كانت حاضرة داخل عقلها إلا أنها كانت مترنحة إثر اللحظات السابقة فلم تخرج للنور..
فاستدار عمر عنها وكاد يخرج، ليجد أمامه خالتها، تنقل نظراتها بينهما، ثم سألت:
-في إيه؟ هزت نوسين رأسها نافية وردت بصوت به بحة خفيفة:
-مفيش يا خالتي. نظرت “ثريا” نحو الصورة التي لا زال عمر ممسكًا بها، فإلتقطتها من بين أصابعه بخفة ودون اذن، وتفحصتها وهي تسأله بفضول بزغ بحدقتيها:
-مين دي؟ كادت نوسين تصفق لها بحماس على جرأتها التي لم تتحل هي بها لتسأله عمَن تكون، ولكن التهليل الداخلي تحول لطنين قاسي سببه رده التالي الجاف:
-مراتي.
ثم انتشل الصورة من بين يديها بهدوء وغادر وكأنه لم يفجر قنبلة مدوية للتو !
نظرت “ثريا” نحو نوسين والسؤال يبرق بعينيها بقوة، ولكن قبل أن يتولى لسانها مهمة تجسيده كانت نوسين توضح بربكة خفية:
-يقصد اللي كانت مراته يعني. لم تهدأ ثريا بل تابعت استجوابها:
-أنتي اتجوزتي واحد كان متجوز قبل كدا؟ اومأت برأسها مؤكدة بلامبالاة:
-اه عادي يعني يا خالتي، ماهو أنا كبيرة برضو مش صغيرة، مش دا رأي كل الناس؟!
ابتلعت صدمتها السابقة على مضض، ولكنها بدأت تلومها على غباءها البَيّن:
-طب هنعديها دي، ازاي بقا جوزك يبقى لسه شايل صورة مراته القديمة معاه؟ طالما لسه معاه يبقى أكيد لسه جواه حاجة ناحيتها يا غبية. ألا تعلم؟ فما رأوه لا يحتاج للكثير من التفكير لإدراك ذلك، ولكنها الان في مهمة أصعب تشغل بالها.. مهمة تفسير ذلك الوخز الرقيق بالضيق داخلها ! أضافت خالتها بصوت خفيض وكأنها تخبرها بمكان كنز ثمين:
-يا عبيطة عشان تحافظي على جوزك وتخلقي مكان ليكي في قلبه لازم تعملي اللي هقولك عليه.
سألتها نوسين دون فهم:
-اللي هو إيه؟ اقتربت اكثر من اذنها وبدأت تهمس لها بنصائح جعلت وجنتا نوسين تتخضب وعيناها تتوسعان ببطء مصدوم..! بعد فترة… توجهت “نوسين” للغرفة التي خصصتها خالتها لهما باعتبارهما زوج و زوجة، وكان عمر بها، ولكنها لم تطرق الباب عمدًا، بل دلفت ببطء وبرود، ثم جلست على الفراش تضع قدم فوق الاخرى وهي تخبره بصلافة:
-كرمًا مني بس هسيبك تنام هنا النهارده عشان خالتي ماتشكش وهروح أنام أنا معاها، لكن من بكره هتطلع تنام في الاوضة اللي في السطوح وتتحجج بإنك لاقيت هنا شغل جديد مؤقت والشيفت بتاعك بليل.
لم يتكلم عمر ولكن عيناه تعلقت بحركة قدميها، واهتاجت امواجه الزرقاء بغ.ضب بسبب حركتها، ولكنها كانت تملك نصيبًا لا بأس به من العناد الذي جعلها تتجاهل نظرته.. فتحرك ليجلس جوارها، ثم قال بس.خرية تخفي بين طياتها حفيف الغ.ضب:
-اي اوامر تانية سيادتك؟ هزت رأسها نافية بنفس البرود:
-لأ، لما يبقى في هقولك. اقترب بوجهه من وجهها قليلًا، حتى أحست بهدير أنفاسه الغاضبة كحاله وهو يستطرد بخشونة:
-لما تقعدي قصاد حد أكبر منك اتعلمي تحترميه وماتحطيش رجل على رجل كدا.
سألته بشيء من الاستهزاء:
-وأنت عرفت منين إنك أكبر مني؟ مش يمكن أنا الأكبر؟ وقبل أن يرد قاطعته بنفس النبرة المستفزة التي بدأت تتفجر قشورها الظاهرية لتبرز ما أسفلها من غيظ مغلول:
-أنا أصلًا ماعرفش عنك حاجة ولا أنت تعرف عني، وهنتكشف بسببك على فكره، بسبب إن حضرتك عاملي فيها صندوق أسرار. ثم اعتدلت بجلستها واستأنفت عاقدة ما بين حاجبيها:
-وازاي ماتقوليش إنك متجوز، وفين أساسًا مراتك دي؟!
زرقاوتاه بدت في اللحظات التالية كبحر شديد الظلمة لم تشرق الشمس فوقه يومًا، فأحست نوسين أن السؤال لامس وترًا حساسًا داخله، خاصةً حين لبى استفسارها بنبرة خشنة عميقة وفارغة:
-دي حاجة ماتخصكيش، ياريت ماتتقمصيش دور الزوجة وتكدبي الكدبة وتصدقيها، حاولي تتحكمي في فضولك شوية، لأني مش مُجبر أحكيلك حاجات خاصة. تنهدت نوسين بضيق ثم ماطلته بملل:
-على الأقل لازم نكون عارفين عن بعض المعلومات السطحية العادية عشان الموقف اللي حصل من شوية مايتكررش. -اسمي عمر محمد عبد الحميد، عندي ٣٢ سنة، كنت شغال محامي، اتخرجت من جامعة حلوان.