كزت نوسين على أسنانها بغ.ضب داخلي، ثم جمجمت لنفسها بحروف ملكومة بالكيد:
-والله لولا إنك ست كبيرة بس، الله يسامحك يا خالتي. في تلك الاثناء كان حديث داخلي من نوع اخر يدور بعقل “عمر” الذي كان يتابعهم بصمت والابتسامة تُصر على التعلق بثغره رغم المرارة التي لازالت عالقة بجوفه، فمَن كان يصدق أنه سيتحول وضعه من شخص على حافة الانت.حار، لشخص يقبع وسط جلسة عائلية بنكهة كوميدية مرحة تجبر شفتاك على الخضوع لابتسامة حقيقية. بعد فترة…
خرجت “نوسين” من المطبخ، وكان المرحاض يقع في الردهة التي تسبقه، وكانت يداها مُبللة، فتوجهت نحو عَلّاقة المناشف الموضوعة امام المرحاض، وبدأت تجفف يداها، وقميص “عمر” الذي تركه حتى يُنهي اغتساله يقبع جوار المنشفة، اصطدمت يداها بالقميص بطريقة عارضة وهي تضع المنشفة، فسقط القميص على الأرض، وسقطت منه محفظة نقود عمر، كاشفة عن جزء من محتواها.. إنحنت نوسين لترفع القميص من جديد، ثم أمسكت بالمحفظة والصورة التي سقطت منها، لتجدها صورة لشابة جميلة في مقتبل عمرها، لم تمنع نفسها من تفحصها بشرود وهي تتساءل عن ماهيتها، وعن مدى أهميتها ليحتفظ عمر بصورتها معه دائمًا ؟!
فتح عمر الباب دون مقدمات فوقع بصره على “نوسين” التي تمسك بمحفظة نقوده في يد، والصورة في اليد الاخرى، فتوسعت عيناه بصدمة، ثم انتشلهما من بين يديها بعنف مزمجرًا فيها بنبرة متوحشة:
-أنتي بتعملي إيه؟! اربكتها المفاجأة ونجحت في سد بؤرة الردود داخلها، فبدأت تحاول تجميع شتات حروفها لتكوين اجابة مُقنعة:
-أنا آآ كنت آآ… ولكنه لم يمهلها الفرصة التي كانت فاشلة من الأساس، بل تابع بزئير شرس وكأنها أخرجت الوحش الساكن داخله من مكمنه:
-أنتي مين سمحلك إنك تفتشي في حاجة تخصني؟
هزت رأسها نافية بسرعة تحاول نفي تلك التهمة عنها:
-لا طبعًا أنا مافتشتش في حاجة. فهز عمر رأسه باستهانة مشيرًا بعينيه نحو يدها ساخرًا منها:
-اه ماهو واضح، وإيدك تشهد عليكي. توقد احشائها بلظى الظلم دفع حروفها المتلكئة دفعًا، فإندفعت بحدة:
-مش من حقك تتهمني لمجرد إنك شوفتها في إيدي، ما يمكن وقعت من غير قصد وأنا كنت بجيبها من الأرض. وبالطبع لم يصدقها بل واصل شن هجومه المتهكم عليها:
-اوووه، إيه الصدفة الجريحة دي؟ يعني مش فضولك مثلًا اللي خلاكي تفتحيها وتشوفي.
فسر لها عقلها حديثه باحتمالية ظنه أنها تهتم به شخصيًا، لذا تكلمت بغلاظة:
-أنت أخر واحد في الدنيا ممكن فضولي ياخدني إني أعرف عنه حاجة. ولم تعطه حقه الرد بل انتقلت دفة الهجوم إليها وهي تهدر فيه بحنق:
-وبعدين أنا اللي مفروض أشك فيك مش العكس خالص! -فعلًا؟! دا على أساس إن أنا اللي اقتحمت حياتك زي اعصار الستة ريختر؟ وصحيتي لاقيتي نفسك في بيتي؟ إنكمشت ملامحها وإرتفعت امارات الغ.ضب عليها وهي تردف بندم واهتياج:
-منا لو أعرف إنك هترد جميلي بالطريقة دي كنت سيبتك يك.سروا مخك المضلم دا مش مناخيرك بس.
اقترب منها عدة خطوات وعيناه تتواصل بصريًا مع فاهها، بنظرة أشعرتها أنه يود ق.تلها وتمزيق لسانها، بينما يواصل من بين أسنانه:
-أنتي إيه، أنتي إيه بجد لسانك دا إيه مبرد! مابيقفش خالص. رغم تراجعها التلقائي إلا أنها انبأته بشجاعة تُحسب لها:
-وقف كتير وسكت على ظلم كتير بس خلاص بقا كفاية. رفع حاجباه معًا غير مصدقًا يتلفظ بس.خرية تجلت بين حروفه كعين الشمس:
-سكت على ظلم؟ استحلفك بالله لتقولي مين الجاحد اللي قدر يظلمك دا، عايز أعبرله عن شكري وامتناني.
اجابتها التالية كانت مقتضبة، ولكن المشاعر المكبوتة بين خلاياها كانت جمة؛ بعد أن حشدهم الأسى في كلمة واحدة:
-الزمن. لوهله لم ينطق وهو يستشعر مدى صدق الاجابة الباهتة التي توحي بماضي كريه، ولكنه لم يتراجع عن تهديدها علنًا بصوت أجش:
-صدقيني لو تعديتي حدودك معايا واقتحمتي خصوصيتي مرة تانية كدا، هتشوفي الظلم اللي بجد. ناطحته بعناد صلب:
-مابجيش بالتهديد على فكره. -امال بتيجي بإيه؟ ها ؟
سألها بخفوت شبه حاد، وهذه المرة اقترب اكثر من سابقتها، بل اكثر من اللازم حتى أوشك على محو مسافة الأمان بينهما، فأطبق قربه على دقات قلبها المس.كينة يخنقها حتى فقدت اتزانها، وتثاقلت أنفاسها بينما تتراجع للخلف كلما اقترب اكثر.. حتى أوشكت على الاصطدام بعَلّاقة المناشف خلفها، والتي كانت مربوطة أطرافها بسلك رفيع حاد بارز، ودون تركيز منها كادت تلتصق به وينغرز في ظهرها.. ولكن قبل أن يحدث وضع عمر يده خلف ظهرها، تحديدًا بينها وبين العَلّاقة ليمنع اصطدامها بها بحركة تلقائية لم يفكر فيها، فأصبح الوضع كارثي أكثر..