Uncategorized

نوسين1

إنتبهت خالتها للفظ “أنسة” الذي خانه وهرب من سجن التحفظ والحذر الذي يُقيمه عقله، فعقدت ما بين حاجبيها وكادت تنطق متساءلة، ولكن نوسين دعست على قدم “عمر” بغل سببه الظاهري خطأه العفوي أمام خالتها ولكنه في الحقيقة بسبب ذلك اللقب الذي تكرهه أكثر من أي شيء، وأردفت من بين أسنانها:
-الله يسلمك يا حبيبي. فسارع عمر باغت.صاب ابتسامة زائفة على شفتيه، وردد بقليلٍ من التوتر وهو ينظر نحو خالتها كاتمًا الألم الطفيف في قدمه:
-بهزر طبعًا.

أنقذه صوت طرقات على الباب، فتوجهت نوسين نحوه لتفتحه، تفاجأت امامها برجل في بداية عقده الثامن، يرتدي بذلة سوداء، وبين يديه باقة ورود حمراء، وعلى وجهه المُجعد ترتسم ابتسامة واسعة سعيدة، وجواره امرأة اصغر منه عمرًا، يتماثل فمها لابتسامة مشابهه للاخر، فهزت نوسين رأسها وهي تستفسر بهدوء:
-نعم؟ انتوا مين؟ تراجعت الابتسامة عن شفتيها قليلًا وهي تخبرها:
-أنا فوزية جارتكم، امال فين ثريا ؟؟ أشارت بيدها للداخل وهي تجيبها بينما عيناه لم تنزاح عن ذلك الرجل بشك:
-جوه، بس مين الاستاذ؟

-دا الاستاذ ممدوح العريس. للحظات لم تستوعب نوسين ما سمعته جيدًا، فرددت ببلاهه تلقائية:
-عريس! هي خالتي كانت لسه بتدورلي على عريس، بس أنا اتجوزت خلاص يا طنط. إنكمشت ملامح الرجل وكأن الحديث الدائر أصابه بالضيق، فيما اعترضت فوزية في حنق من غباء نوسين:
-بتدورلك إيه وأحنا مالنا بيكي، دا عريس ليها هي. إستعلمت من جديد بسذاجة أصابت عقلها فجأة وكأنه توقف عن العمل بسبب المفاجأة:
-هي مين؟ تأففت بنفاذ صبر:
-يوه! خالتك، هي فين ناديها كدا.

ابتعدت نوسين من أمام الباب وهي تشير لهما نحو الداخل، وعقلها عاد من جديد يعمل ببطء في تحليل ما وقع على اذنيها، فاتسعت حدقتيها وفتحت فاهها وهي تغمغم لنفسها بعفوية متذكرة:
-اااه، اتاريها لابسة الحتة اللي على الحبل، وحاطالي روچ أحمر، وأنا اللي قولت دا السن وعمايله، طلعت مش سهلة ثريا دي. إنتفخت اوداج الرجل بغرور ذكوري وداعب بأصابعه خصلاته البيضاء المصففة بعناية، فانتبهت لهما نوسين وقالت بابتسامة مصطنعة مرحبة:
-اتفضلوا، العروسة جوه. دلفا معًا نحو الداخل، فنهضت خالتها “ثريا” ترحب بجارتها وصديقتها بمودة:
-بنت حلال يا فوزية لسه كنت هقول لبرقوقة تناديكي.

-تناديني إيه ما أنتي عارفة إن أحنا جايين.
أعلمتها فوزية متعجبة، لتسألها ثريا بتعجب لا يقل عن تعجبها:
-أنتوا مين، وجايين فين؟! مالت عليها تتشدق بعتاب خفيض أقرب للتوبيخ:
-يوه يخيبك يا ولية أنتي رجعتي تنسي تاني، طب لمي الدور حتى قدام الراجل. همست ثريا بفضول:
-راجل مين؟ لبت سؤالها الفضولي بهمس مماثل من بين أسنانها ضاغطة على حروفها:
-العريييس.

وكأن الادراك ض.رب عقلها كبرق في ليلة مظلمة ليُنيرها بغتةً، فبدأت وجنتاها تتورد شيئًا فشيء وهي تُنزل رأسها ارضًا وتفرك أصابعها بتوتر خجول، متابعة برقة فتاة في العشرين من عمرها وليست امرأة في عقدها السابع:
-اهلًا وسهلًا يا استاذ ممدوح، اتفضلوا. فتقدم ممدوح مبتسمًا وتودد لها:
-يزيد فضلك يا ست الكل. بينما نوسين تهز رأسها مراقبة اياهم بابتسامة بلهاء غير مصدقة وهي تردد بتأثر كاذب:
-يا حبايبي! ثم إنتبهت لعمر الذي كان غارق في الضحك، وكأنها تذكرت وجوده للتو، فاقتربت منه متسائلة بغيظ:
-أنت بتضحك على إيه؟

أجابها بحروف متقطعة من بين ضحكاته التي كان يحاول كتمانها:
-بصراحة أنا كنت مفكر إن أنتي بس اللي لاسعة، بس ماشاء الله طلعت العيلة كلها هوبا. ض.مت ذراعيها لصدرها، وتلفظت بتبرم:
-نعمل إيه بقا في طيش الشباب اللي جايبلنا الكلام دا. استعار انتباههما صوت “ممدوح” الذي قطع همهماتهما الجانبية، بقوله الجاد الهادئ موجهًا حديثه لـ ثريا:
-أنا جيت النهارده عشان أطلب آآ…. قاطعته “ثريا” حين خفضت رأسها ارضًا من جديد، وتفوهت بحرج:
-لا لا ماتتكلمش معايا أنا، أهلي وعزوتي أهم قاعدين، بنت أختي وجوزها، وفوزية زي أختي بالظبط.

نظرت نوسين صوب عمر مُحركة شفتاها بصوت يكاد يسمع وهي تض.رب على صدرها برفق في زهو:
-تربيتي. ثم تنحنحت وتشبثت بقناع الجدية وهي تحثه على المتابعة:
-اتفضل يا استاذ ممدوح سمعاك. كرر ممدوح كلماته متممًا إياها:
-أنا جيت عشان أطلب إيد مدام ثريا. أدت “نوسين” دورها على أكمل وجه حين تكلمت:
-والله يا ولاد انتوا فاجئتوني، بس انتوا عارفين إن مفيش احسن من توفيق راسين في الحلال. ثم هزت رأسها وأكملت بترفع به لمحة شقاوة:
-فـ سيبلنا وقت نفكر ونرد عليك يا استاذ ممدوح، بس طبعًا مش هنلاقي حد أحسن منك لبنتنا.

هنا تدخلت “فوزية” بابتسامة منشكحة:
-وأنا رأيي من رأي برقوقة.

انت في الصفحة 7 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى