قالت بعصبية خفيفة تهرب بها من تأثير كل ذلك على قلبها المسكين:
-بقولك إيه، ماتسبليش بعنيك الزرقا دي وسيبني أقول الكلمتين أنا ملصماهم في عقلي بالعافية. حثها مستمتعًا بذلك الحوار المشاكس:
-اتفضلي؟ عادت للهجتها الباردة الدبلوماسية:
-فلوسك اللي إدتها لعمي هديهالك على أقساط، أنا ماقبلش شفقة من حد. نهرها برفق، وتشبث المكر بأواخر حروفه:
-شفقة إيه يا عبيطة، وبعدين أنا عندي طريقة أحلى للسداد. سألته بفضول:
-طريقة إيه؟ فغمزها بطرف عينيه الشقية مرددًا:
-اتجوزيني. الفصل العاشر ” الأخير ” :
رغم أن الكلمة جعلت الأنثى داخلها تنتشي، وقلبها يصرخ أنه أخيرًا سينل مكافأته على تحمل كافة فصول الحب؛ فصل القسوة، والتجاهل، والرفض، اخيرًا وصل لربيعه؛ الربيع الذي سيزهر فيه ويتنشق رحيق العاطفة متلذذًا بها. ولكنها كانت أقوى من أن ترضخ بهذه السرعة لمطالب قلبها الخانع، إذ قالت بإباء وكمد:
-دا لما تشوف حلمة ودنك. إتسعت عينا عمر وقد فاقت توقعاته برد فعلها، خاصةً حين إستدارت لتغادر بكل هدوء وكأنها لم تضرب بطلبه الحالم عرض الحائط للتو!
فصرخ والغيظ يعتصر حروفه:
-هتتجوزيني برضو في الأخر يا برقوقة. كانت تعطيه ظهرها فلم يرَ الابتسامة التي غزت عبوس وجهها الزائف والمكر الأنثوي يتخذ مكانه في بُندقيتيها؛ ستلقنه درسًا لن ينساه على رفضه المتعجرف الأحمق وتجعله يندم عليه طيلة حياته. **** بعد يومين… كانت “نوسين” طيلة اليومين ما أن يأتي عمر للورشة أو لمنزلها تتظاهر بإنقلاب ملامحها للضيق والنفور، منافية دقات قلبها التي تلحن لحن ترحيبي حار بمالكها. وفي هذا اليوم، قررت أن تتحامل على نفسها وتعمل ولو لذراع واحدة؛ حتى تسدد قسطها لعمر في أقصر وقت رغم أنها تعلم صعوبة ذلك.
دخلت الورشة تلقي التحية على حسن الذي كان وجهه محتقن بضحكة مكتومة:
-صباح الخير يا حسن. رد بتحية مماثلة:
-صباح الفل يا نونا. ضيقت عينيها وسألته بشكٍ:
-مالك كاتم ضحكتك ليه؟ أردف يتهرب مسرعًا وقد بدأ يُحرك أقدامه للمغادرة:
-لا مفيش أنا افتكرت حاجة بتضحك بس، هروح أشتري باتيه أكله عشان مافطرتش وجاي. اومأت رأسها على مضض والتعجب يُلامس قسماتها ولكنها تجاهلته، ثم تحركت صوب العربية التي من المفترض أن تبدأ بتصليحها.
جلست على الكرسي جوار السيارة، واقتربت منها قليلًا، وفجأة في حركة غير متوقعة كان “عمر” يخرج من أسفل السيارة مُدحرجًا على سنادة توضع أسفل السيارة أثناء تصلحيها، فشهقت نوسين بفزع:
-سلام قولًا من رب رحيم، بيطلعوا منين دول! تلاعب بحاجبيه وهو يناغشها:
-مساء الأناناس على اللي تاعبة كل الناس. -والله ما حد تاعبني إلا أنت.
ضربت على فخذيها وهي ترد في نفاذ صبر، فالتجأت حروفه للمسكنة:
-أنا برضو! دا أنا غلبان. لوت شفتاها مُعلقة باستخفاف:
-أنت وغلبان مينفعش تجتمعوا في جملة واحدة ابدًا.
قرر تغيير اتجاه تيار الحديث بجدية واهية:
-على فكرة يا برقوقة أنتي مفتقدة أهم قيمة من القيم الإنسانية. -يا راجل؟
تمتمت بتعجب كاذب، فأكد متقمصًا دوره الدرامي الذي يُقدمه له الحوار بينهما لأول مرة:
-اه والله، التسامح دا قيمة مهمة جدًا لازم تكون فيكي. صاحت فيه بتبرم:
-أطلع هنا وكلمني، وبعدين جو الإذاعة المدرسية دا أنا بكرهه. خرج بالفعل من اسفل تلك السيارة، وأكد دون تردد بعبث:
-وأنا كمان. عقدت ما بين حاجبيها دون فهم:
-وأنت كمان إيه!
كرر وكأنه صار لا يفقه سوى الوقوف جوارها في صف واحد، في أي شيء وكل شيء:
-بكرهه، بس لو أنتي هتحبيه يبقى بحبه. -اطلع برا يا عمر.
أردفت بفظاظة مُنهية ذلك الحوار الذي صار يتلصص على دواخلها مداعبًا إياها خفيةً متعمدًا تليين حائط الصد الذي يحاوطها، ولكن عمر لم يستسلم بل واصل بنبرة صبيانية:
-هو أنتي مش حافظة غير الجملة دي؟ طب غيريها. قالت بسماجة:
-Go. ادعى عدم الفهم والبلاهه فانحنى امامهما المكر ليخفياه:
-مش فاهم، معلش أصل ثقافتي فرنساوي.
جمجت بغل بدأت وتيرته تتصاعد داخلها:
-اذهب للجحيم. توسعت حدقتاه ونسجت الصدمة شبكتها فيهما، ثم أضاف بشجن زائف يخالطه العبث المُحبب:
-للجحيم، وجالك قلب تقوليها، بس لو معاكي يا برقوقة قلبي هروح عادي. ضربت كف فوق كفٍ وهي تنهره متهكمة:
-هو أنا بقولك هنروح دريم بارك، دا الجحيم يابني! هز رأسه موافقًا:
-معاكي حق آآ… ولكنها قاطعته بحزم لطالما كان وسيلته هو للدفاع ضد هجوم شقاوتها العاتي المستمر:
-هو أنت لسه هتناقشني، أمشي. اقترب منها قليلًا، يسألها بعبث ماكر:
-أمشي يعني؟
أكدت وهي تتراجع خطوتين مثليهما:
-اه امشي. -طب فكري تاني. بدأ التوتر المرتبط باقترابه منها، يغوص وسط أعماقها مسببًا اضطراب بدأ ينضح على سطح حروفها:
-فكرت امشي. عاد ليسألها بنفس اللهجة الماكرة الشقية:
-ولو مش عايز أمشي؟ فحذرته بقوة مغشوشة:
-ابعد بدل ما اصوت وألم عليك الدنيا. ولكن تحذيرها عاد لها معكوسًا في صورة اقترابه الذي ازداد وهو يتابع بابتسامة خبيثة:
-صوتي، ارجوكي صوتي ولميهم عشان أصلح غلطتي. تمتمت متأففة علها تؤنب ضميره:
-أول مرة اعرف إنك استغلالي كدا.
أكد بتبجح عابث أصابها بتعجب:
-لا أنا في الحتة دي استغلالي جدًا استغلالي أوي استغلالي خالص. قررت إقتطاف جزء من المكر الذي يختزله كله داخل عقله؛ لتهرب من بين براثنه، فنظرت خلفه صوب اللاشيء وغمغمت بدهشة وخوف مصطنعين:
-إيه دا مين دا يالهوي! نظر عمر خلفه بتلقائية، فركضت نوسين مسرعة لخارج الورشة، هاتفة بانتصار:
-وريني هتقرب مني تاني ازاي يا متحرش. إنطلقت ضحكات عمر على شقاوتها التي لا تقدر على كتمها حتى وهي تتظاهر بتبلد كل خلية احساس داخلها، تبقى الشقاوة داخلها فرع لا يخضع لعقلها العنيد.
****
بعد يومين… وقف عمر أمام باب منزلها، مقررًا بدء محاولة جديدة لاختراق صلابة الجدار الذي تعزل نفسها خلفه، تنحنح ثم طرق الباب بهدوء، ففتحت نوسين وما أن رأته حتى سارعت بوضع قناع الجمود على ملامحها لتخفي شوقًا تسلل لحدود جمودها الواهي مهددًا إياه.. هتف عمر بابتسامة رائقة ماكرة:
-أنا سمعت إن في حاجة بايظة هنا. فرفعت احدى حاجبيها بدهشة مصطنعة:
-ايه دا أنت سبيت المحاماة واشتغلت صنايعي؟! أكد بلامبالاة مغموسة بعبث صار من القوام الأساسي لكلماته مؤخرًا:
-وماله! المحاماة دي مبتأكلش عيش، لكن الصنايعي بيأكل عيش وشهد ولوز وخصوصًا لو واحدة قمر زيك.
اشتدت نظرتها وغاصت نبرتها في تهديد مُبطن لم يُحرك شعرة منه:
-ممكن أعتبرها تحرش وأصوت وألم الناس عليك، والمرادي بقا تبقى كارثة على دماغك بجد. -شوفتي اهو انتي اللي بتتلككي، ما بتصدقي أجي جنبك بس. أطلقت تنهيدة قوية تعبر عن نفاذ صبرها الكاذب:
-يا سيدي متستغنيين عن خدماتك العظيمة. ثم أغلقت الباب في وجهه، وداخلها متيقن أنه لن يغادر بهذه السهولة، وبالفعل اختلطت ظنها اليقين بنثرات الواقع حين سمعته يطرق الباب من جديد، وما أن فتحته حتى قال بمشاكسة:
-أنا سمعت إن في واحدة هنا بتتخانق مع دبان وشها وواقعة في مشاكل، أنا محامي وممكن احل لها مشاكلها.
ابتسمت بسماجة وحروفها تغرق في بحر التعجب الوهمي:
-إيه دا لحقت ترجع للمحاماة بسرعة كدا. ليتابع ممازحًا إياها:
-الثبات على المبدأ عندي صفر وخصوصًا لو قدام واحدة قمر زيك يا برقوقة قلبي. تأففت وقد استحالت نغمة صوتها لعتاب ناشز:
-تاني بتعاكسني مابتحرمش. إنطلقت أهكومة جديدة من بين قبضة شفتيه:
-يعني هو انتي اللي كنتي لميتي الناس عليا. كررت نفس جملتها السابقة بفظاظة مقصودة:
-طيب يا سيدي وفر خدماتك العظيمة لحد تاني سلام.
ثم أغلقت الباب مرة اخرى، وبعد دقيقة واحدة كان يطرق الباب من جديد، مصمم على إخراجها عن طور الصلادة ذاك:
-أنا سمعت إن في واحدة قلبها واجعها هنا وأنا أخدت دكتوراة في علم النفس وأعرف أساعدها. -قلبي حديد وزي الفل.
قالتها بجلافة، لم تثنيه عن المواصلة بلهجة صبيانية:
-طب مايمشيش معاكي قلبي اللي واجعني، ومحتاج مساعدة. تشدقت بحروف قاتمة تقبع أسفلها ضحكات تهز قتامتها منذرة بالإنفجار:
-دور على حد يساعدك غيري، ولو رجعت تخبط تاني هطلبلك البوليس.
لم يخضع لتهديدها المغشوش الذي يعلم أن الأواصر بينه وبين حيز التنفيذ معدومة، لذا طرق على الباب من جديد بإصرار بعد أن أغلقته، وما أن فتحت حتى استرسل:
-مساء الخير سمعت إن هنا بيسجنوا اللي قلبه واجعه ينفع أتسجن هنا وترحموني من العذاب اللي أنا فيه. كادت تصرخ فيه بانفعال ولكنها تمالكت زمام صوتها بصعوبة:
-والله أنا اللي نفسي ترحمني من العذاب دا. أكمل مناغشتها غامزًا إياها بقلب لا يعرف اليأس لملاقاة صاحبه المعزول بعيدًا رغمًا عنه:
-طب ما تيجي نتسجن مع بعض، في عش الزوجية.
ولكنها اعترضت بجفاء وهي تستطرد بنبرة ذات مغزى:
-لا أخرتي مش هتبقى مع حد قلبه حجر. -أحنا نجيب حد يحكم بينا ويشوف مين اللي قلبه حجر ومابيسامحش، ولا نحل مشاكلنا بطريقة ودية مع بعض؟ أنكرت ببرود ثلجي:
-مفيش ود ما بينا. سألها بلمعة درامية حزينة:
-طب والعشرة؟ أجابت بثبات ملتزمة بالوقوف على حد البرود القارص الذي أذاقها إياه سابقًا:
-موتها. -والاعجاب؟
-دفنته. -والعيون الزرقا؟
-كرهتها. أشار لها برأسه معلنًا انتصاره في مناظرة سريعة أثبت بها بمهارة في أي قلب تسكن القسوة:
-شوفتي بقا مين اللي قلبه قاسي.
-أنا.
رددتها بسماجة قبل أن تغلق الباب في حركة لم تباغت عمر الذي تنهد تنهيدة قوية تحمل شيء من اليأس، قبل أن يغادر على مضض. **** اليوم التالي… وصل “عمر” للمنطقة التي تقطن بها خالة نوسين “ثريا” التي أصر على زيارتها ليطلب مساعدتها في تليين “نوسين” تلك التي تمتلك قلب من صوان.. طرق على باب منزلها، وبعد دقيقتين تقريبًا فتحت له، وما أن رأته حتى ابتسمت مُرحبة:
-اهلًا اهلًا. إتسعت عينا عمر ذهولًا وبرقت بالسعادة وهو يسألها بغير تصديق:
-أنتي فكراني؟
أكدت بزهو:
-أيوه طبعًا فكراك، أنت عمر جوز برقوقة.