-يا بركة دعاكي يامه.
هلل عمر بها وهو يدلف وقد إنتعش صدره بالأمل والفرحة، واخذ ذلك كعلامة على طريق يبدو أنه مُمهد له. جلسا سويًا في الصالون، وبعد إلقاء التحية وما إلى ذلك، سألته ثريا بقليلٍ من الضيق:
-امال فين برقوقة ماجتش معاك ليه؟ تنهد عمر ثم انجلت رياح الحزن والإرهاق بصوته وهو يخبرها:
-ما هو أنا جايلك عشان برقوقة، برقوقة غلبتني معاها.
-ليه عملت إيه؟ قولي وأنا أقرصلك ودانها.
همهمت بتركيز وهي تنظر له، فبدأ يقص عليها كل شيء من البداية منذ أن رأى نوسين، حتى تلك اللحظة التي يجلسان بها، دون أي تزييف للحقائق او اضافات ليست لها وجود كزواجهم. حَلَّق التبرم في سماء ملامحها التي إنكمشت وهي تسأله:
-يعني انتوا كذبتوا عليا؟ هز كتفاه في قلة حيلة وتفوه:
-غصب عننا، لو كنا قولنالك الحقيقة ماكنتيش هترضي واحتمال ماتتقتنعيش لإنك مشوفتيش بعينك ومتعرفيش جدية الوضع. عادت تسأله من جديد بذات اللهجة:
-وأنت بقا جاي تحكيلي دلوقتي ليه؟
-عشان تساعديني، يمكن يكون ليكي تأثير عليها أكتر مني، أنا مش عايز أخسرها، وعايز أتجوزها بجد.
سرد لها مُراده الذي أرق مضجعه وسلب التركيز من عقله في أي شيء سواه. فوازنت “ثريا” الكلمات بعقلها، قبل أن تعلنها لتريح قلب الجالس جوارها متلهف لردها الذي سيُبني فوقه حياة قادمة:
-ماشي، رغم إنكم قللات الأدب وكذبتوا عليا، بس هي لازم يتقرص ودانها فعلًا، ويتعملكم أحلى فرح. صفق عمر بحماس:
-ايوه كدا يا رورو يا قمر. **** بعد فترة…
وصل كلاً من “ثريا” مع “عمر” للبناية التي تسكن بها مُعذبة قلبه “نوسين”، فأوقفته ثريا بابتسامة خفيفة قائلة بشيء من الحكمة:
-كفاية لحد كدا، هطلع أنا بقا وأتكلم معاها، وبعدين أكلمك تيجي أنت وأي حد من أهلك. بادلها ابتسامة مماثلة راضية، وأكد مؤيدًا:
-حاضر، أنا أهم حاجة بالنسبالي إنك تحلي الموضوع دا وتفهميها. اومأت ثريا برأسها:
-إن شاء الله خير يا حبيبي.
وبالفعل غادر عمر وصعدت ثريا صوب شقة “نوسين” التي كانت تتجهز للمغادرة للورشة لتباشر عملها، فتحت الباب بعد أن طرقته ثريا، وتراقصت الفرحة بعدستيها وهي ترتمي بين أحضانها مرددة بود حقيقي:
-خالتي ثريا، وحشتيني، جيتي امتى وجيتي لوحدك ازاي؟؟ بادلتها ثريا العناق تغدقها بحنان وحب لا تدري كم افتقدتهما نوسين في الأيام السابقة حين كانت وكأنها وحيدة في صحراء قاحلة، وباغتها ذلك الذئب البشري المسمى “عمها” بالهجوم غارزًا أنيابه الطامعة فيها دون أن يأبه بجرح اليُتم الذي لم ينضب داخلها بعد.
بعدما جلستا سويًا، قطعت ثريا الصمت الذي عم أرجاء المنزل، بلهجة تحمل مغزى معين:
-أنا جيت مع عمر. استوقف الأسم نوسين التي تجمدت لوهله، فهي لم تتوقعه ابدًا، ولكن ثريا لم تمهلها الفرصة الكافية لاستدراك المفاجأة، بل أضافت بعتاب عَلت أبواقه بنغمة صوتها لتزيد من وقع تلك المفاجأة عليها:
-ايوه عمر المحامي اللي إتفقتوا إنكم تقولولي متجوزين بالكذب.
فسارعت بلهفة تحاول تعديل الوضع لصالحها حتى تتفادى خسارة خالتها هي الاخرى:
-والله العظيم كان غصب عني يا خالتي، ماكنش قدامي غير كدا، يا نكذب عليكي يا نروح هدر قدام الناس دي، لإني لو كنت قولتلك مكنتيش هترضي، لأن مفيش حد عاقل هيعمل كدا. -امال أنتي عملتي كدا ليه؟ عشان أنتي مش عاقلة صح؟ أنزلت نوسين رأسها أرضًا وهي تومئ على مضض بصوت مكتوم:
-أيوه، المهم انتي متزعليش مني.
-أنا مش زعلانة منك، أنا كل اللي يهمني هو مصلحتك اللي أنتي مش بتعملي حسابها في أي حاجة.
أردفت ثريا وهي تربت على يد نوسين بحنو، فأكدت نوسين بابتسامة تشع حبًا:
-أنا عارفة والله، ربنا يخليكي ليا يا حبيبة قلبي. ولكن ثريا أبعدت يدها في اللحظة التالية، واستدعت بيادق العبوس الزائفة لتترأس قمم وجهها، وتشدقت:
-بس دا مش معناه إني سامحتك، لازم تعملي مجهود عشان أسامحك. سألتها مسرعة:
-اعمل إيه قوليلي؟ من إيدك دي لإيدك دي.
أصبحت المفاجأة مكتملة الأركان حين وضعت ثريا أخر ضلع فيها بقولها:
-تبطلي تعذبي الواد الغلبان اللي أسمه عمر، واضح جدًا إنه شاريكي، فـ ماتخسريهوش بهبلك وتفكري إن دي نصاحة. -هو حكالك؟
عادت تستفسر باندهاش حقيقي هذه المرة، فالتحمت حروف ثريا بالاستخفاف:
-أكيد يعني ماقطعش كل المسافة دي عشان يسلم عليا ويمشي، أكيد حكالي كل حاجة طبعًا.
تنهدت نوسين وبدأت تعدد لها ما أوجعها وجعل قلبها متخشبًا صلدًا مهما غرز به محاولات او مبررات لا يتأثر سوى قليلًا جدًا:
-يا خالتي أنا أكيد مش هاوية إني أعذبه وأعذب نفسي، كل الفكرة إني بقيت حاسه إني رخصت نفسي قدامه، خصوصًا لما اعترفتله بمشاعري وهو رفضها بكل قسوة، أنا خايفة من القسوة دي، خايفة حتى لو رضيت دلوقتي، هيبقى حاسس دايمًا وفاكر إن أنا اللي جيت له، وإنه ماتعبش عشاني، واللي بيجي بسهولة بيروح بسهولة.
أيدتها الاخرى بهدوء وخبرة اكتسبتها مع سنوات عمرها التي تخطت الستون عامًا:
-معاكي حق، وجدعة إنك عززتي نفسك ومشاعرك بعدين وخلتيه هو اللي يلف حوالين نفسه عشان يكسبك تاني، بس كل حاجة لما بتزيد عن حدها بتتقلب ضدها. رمقتها نوسين بنظراتٍ متوجسة وقلب عَلت نبضته بالقلق من ذلك الإخطار الذي كان بعيدًا نوعًا ما عن محيط ظنه:
-بس دا أبسط حقوقي يا خالتي، إني أخد فترة زعلي لإن هو اللي بدأ اللعبة المعفنة دي. -هو بدأ وأنتي أخدتي رد فعل، خلاص بقا ماتبالغيش فيه، لإني حسيت إنه بجد خلاص جاب أخره واليأس قرب يسيطر عليه.
-أنتي شايفة كدا يعني ؟
سألتها بقليلٍ من التردد، فأزاحته ثريا عن عقلها بحسم حين تابعت:
-أيوه طبعًا، ولو عملتي غير كدا هتخسري حد ابن حلال وهتندمي، دا غير إنك بتحبيه يعني. اومأت نوسين برأسها وشردت في الضوضاء التي أخذت تعج داخلها؛ وقلبها يتولى مهمة زخم عقلها بحديث خالتها المنطقي لتنطفئ شعلة تمرده. في تلك الاثناء سمعوا صوت طرقات على الباب، نهضت ثريا لتفتح الباب، فوجدت امامها عمر الذي سارع بالقول ما أن لمح الدهشة التي عَلت وجهها:
-اسف ماقدرتش والله.
ضحكت رغمًا عنها، تُقدر حبه وقلقه اللذان يدفعاه نحوها دون تفكير او تريث، وقبل أن تنطق كانت نوسين تأتي من خلفها مستفسرة عن هوية الطارق، ولكن احتجز حلقها السؤال حين رأت “عمر” أمامها.. الذي لم ينتظر ايضًا، وقال بابتسامة مشاغبة:
-مساء التوت يا حلو يا كيوت. ولم يمهلها ولو ثانية للرد بل اندفع نحوها يسألها بعينين شغوفتين متلهفتين:
-خلاص صافي يا لبن؟ زفرت متعمدة وأبعدت ناظريها عنه وكأنها تفكر، ثم هزت رأسها على مضض تتمنع رغم قلبها الذي ينتفض فرحًا وحماسًا كصاحبه:
-حليب يا قشطه.
صفق عمر بيديه ضاحكًا في وله:
-حلاوتك يا قشطه. ثم وزع أنظاره بينهما متسائلًا بصوت لم تقل حماسته بل ازدادت اضعاف:
-هنكتب الكتاب بعد أسبوعين؟ استوقفته نوسين مستنكرة بشدة:
-إيه! أسبوعين إيه هو سلق بيض، في حاجة أسمها خطوبة، ولا دي ماعدتش على قاموسك؟! اصطنع البلاهه والجهل مضيقًا عيناه بمرح:
-خطوبة يعني إيه خطوبة! وقبل أن تضيف نوسين المزيد من الاعتراضات كان يُلجمها بقوله الذي اتخذ من المنطق درعًا له ليقبع في حيز التنفيذ:
-وبعدين الخطوبة دي للناس اللي مايعرفوش بعض يا برقوقة قلبي، لكن أحنا كنا واكلين شاربين قاعدين مع بعض وعرفت كل تاريخك الأسود يا برقوقة.
استرسلت بتعنت:
-قولت لأ يعني لأ! **** بعد أسبوعين… ولأن “برقوقة” تحمل من الثبات على الموقف ما يؤهلها لـ…. لا شيء!
تم عقد القران بالفعل بعد أسبوعين، فـ عمر لم يكن يملك من الصبر ما يجعله يؤجل ما يراه قد تأخر كثيرًا.. كانت “نوسين” ترتدي فستان ذو أكمام نصفه أبيض، ونصفه الآخر مشغول بزهور رقيقة ملونة أعطته طابع الرقة، وزينت ملامحها القمحية بمساحيق تجميل بسيطة جعلت جمالها يتوهج، او ربما السعادة التي ينطق بها كل شبر منها هي مَن تجعلها تتوهج وليس تلك المساحيق!
بينما عمر يشعر أنه أخيرًا أمتلك جوهر الحياة بين يديه، وأخذ منها ما يتمناه، السعادة أخيرًا وجدت مستوطن لها بين ضلوعه بعد أن أشرقت شمس الأيام المبهجة، وإنجلت ظلمة الماضي التي إستقرت بها طويلًا، وصار لا يريد أي شيء اخر سوى أن يبعد بها عن نقمة الزوال، فلا يعود مرة اخرى لعقدة الفقدان التي لا زالت معقودة في منتصف قلبه. كان المدعويين الذين لم يكونوا كثيرين، قد غادروا ولم يتبقَ سوى أقرب الأقربين وهم ثريا خالة نوسين وسلمى عمة عمر وابنائها..
فقطعت ثريا الثرثرة الجانبية بين بعض المتواجدين، قائلة بابتسامة تنضح حلاوة:
-قومي يا نوسين هاتي الرز بلبن اللي عملناه. -حاضر يا خالتي.
رددتها نوسين بطاعة ونهضت بالفعل لتحضره.. بينما عمر كلمة ” الرز باللبن” كانت بمثابة إشعار لعاطفة قديمة زجها لأعمق نقطة داخله ليكتمها، والان طفت على سطح جوارحه فأنعشتها بتواجدها الساطع.. تنحنح وهو ينهض ليذهب للمطبخ خلف نوسين، مختلقًا حجة من العدم بابتسامة هادئة تخفي خلفها الكثير:
-هقوم أساعدها احسن أنتي عارفاها لبخة.
هزت ثريا رأسها موافقة وهي تضحك، فتوجه عمر بالفعل للمطبخ، وجد نوسين تضعه على “الصينية”، فالتفتت نحو عمر الذي شعرت بوجوده، ليغمزها بطرف عينيه متمتمًا بتساؤل يحمل نزعة من الشك:
-أنتي إيه حكايتك مع الرز بلبن؟ عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم:
-حكاية إيه مش فاهمة؟ راح يخبرها وذاكرته لم تبخل عليه بذكرى ذلك اليوم بكل صراعاتها ومشاعرها المهيبة:
-يعني رز بلبن في الحلم ورز بلبن في الواقع، حتى كتب الكتاب فيه رز بلبن! استفسرت والفضول يقطر قطراته فوق حروفها:
-حلم إيه؟
خرج سؤاله ماكر مغموس بالعبث:
-عايزه تعرفي يعني؟ أكدت باستغراب:
-ايوه. هز رأسه موافقًا، والعبث يبرق بأمواج عينيه المهتاجة أكثر:
-طب تمام خليكي فاكرة إني سألتك الأول. وقبل أن تعلن تعجبها من جملته الأخيرة، كانت شفتاه تحكي لشفتيها ذلك الحلم، بكل الشغف واللهفة والعشق المُعتق الذي تخزن داخله وآن الآوان ليتفجر ناثرًا بريقه المُزلزل في نفس كليهما… فهتفت نفسه المتخمة بالعاطفة… نوسين؛ مَن جسدت المستقبل المنير على أرض هجرتها كل معالم الحياة، يا مستقبلي المضيء ونوري بعد العتمة؛ بين أحضانك يتناثر جوى روحي.