Uncategorized

فرط الحب للكاتبة دينا ابراهيم روكا 4

ابتسم ريان نصف ابتسامه مغيظة ليخبره في رضا: -انا كنت بتأكد بس أنك لسه فاكر. -انا اسفه يا بيجاد انت عندك حق في كل كلمة قولتها، لو مش عايزني انا هتفهم الوضع و…. رفع بيجاد يده يخرسها ليهتف من بين اسنانه في غضــ,,ـب: -مفيش حاجه اسمها مش عايزني،
انتي جيتي عشان تفضلي معايا واكيد ليكي سببك ومش هتطلعي من هنا غير لما السبب ده ينتهي. انقلبت شفتي ليان في حزن واتجهت في خطوات سريعة تحتضنه في قوة معترفة:

-أنا أسفة يا بيجاد، أنا حقيقي أسفة ليك ولريان ولنفسي على الأنانية اللي وصلت ليها.
ضمها بيجاد إلي صـ,,ـدره يربت عليها في حزن متقبلًا اعتذارها الذي اندفع مخترقًا حصون داخله لم يكن يعلم بوجودها من الأساس فانضم اليهما ريان الذي مد أصــ,,ـابعه يجذب خصلاتها في مشاكسة قائلًا: -اللي بيغلط بيتعلم من غلطته، دي مش نهاية العالم وانتي عندك بدل السند اتنين استغليهم صح واتعلمي بسرعة.

رفعت ليان اصــ,,ـابعها تجذب ذراع ريان الممسك بها تقربه منهما هي وبيجاد لتلتف ذراعها الأخرى حوله منغمسة في عناق مزدوج بين شقيقيها التي اشتاقت لوجودهما في حياتها ولن تفكر في السبب الذي منعها منه بعد تلك اللحظة، يكفي عودتها هنا حيث الأمان بينهما وتعجبت كيف وصلت بها الحال لتصديق أوهامها بأن بيجاد سيكون مصـ,,ـدر أذى لها أو أن ريان سيتخلى عن وجودها بعد زواجه.
تابعت وسام الباكية ما يحدث أمام عينيها في حزن وابتعدت للخلف سامحة لزوجها بتلك اللحظة عسى أن تلتئم جروحه التي كانت هي بكل غباء السبب في انشقاقها.

انقــ,,ـبض قلبها وجسدها في ذعر ترفض تفسير ذلك الشعور المرعب المتكتل داخل صـ,,ـدرها بأنه لم يعد يحبها، لا لن تفكر ولن تهلع فحتى وان تولد هذا الإحساس داخله هي أكثر من قادرة على المحاربة وــ,,ـه في مهده مدافعة عن حبهما وبذرته النابتة داخل احشاءها.
تابع ريان المشهد حوله كاتمًا تأثره وهو يرى انهيار شقيقاه تواليه الواحد تلو الأخر أمام عينيه، رفع ذراعه الآخر يلامس في دعم وجه بيجاد الذي ابتعد عن مرماه يناظره في انزعاج مختلط في خجل رجولي رافضًا المواساة ومشاعر الحب المباشرة بينهما رغم انه يضغط بقوة فوق جسد شقيقتهما وكأنها حبل الحياة.

تنهد ريان متسائلًا متى سيأتي عليه الدور للانهيار؟
فهو يعلم ان انهياره سيكون أقسى وأكثر ألمًا لأنه لن يكون داخل بؤر الأمان الاخوية تلك بل سيكون بين ذراعين أصغر وأرق وصاحبتهما كاذبة أفعالها قـ,ـاتلة تســ,,ـرق منه الاستقرار قبل السكون بعيون الريم المخادعة خاصتها. الفصل السابع عشر

دخل ريان إلى المنزل بأكتاف معبأة بالكثير من الإرهاق النفسي وذهنه لايزال مشتت في كل الاتجاهات.
الحياة تضغطه بشكل كامل فمن طرف هناك أخويه المفتقدان للكثير من الحب والرعاية في حياتهما.
ومن طرف أخر هناك ريم وعلاقتها بأحمد المخالفة لكل ما يؤمن به كرجل يعشــ,,ـق زوجته ويغار عليها.
جز على أسنانه يحاول تنظيم أنفاسه ما ان تذكر زيارة أحمد خلسة في الصباح على أمل ترتيب أفكاره كي لا يخرج خاسرًا من معركة يجهلها فتلك العلاقة صارت كشباك العنكبوت تبتلع ضحاياها لتلتهمها بعد أن تتلاعب بحبال اعصــ,,ـابها وثباتها الانفعالي.

جديًا هو غير قادر على تحليل أوفهم المغزى التي تريد زوجته ايصاله اليه بسماحها لرجل مهما كان بالحضور إلى منزلهما خاصة رجل يرغب في الزواج منها فمن يدري ربما ذلك الأحمد يخدعها من البداية ويرغب في كسب ثقتها تحت مسمى العجز والمرض.
والاقبح هو التساؤل حول عدد زياراته السابقة خلال سفره فبالتأكيد حين حضر أحمد لزيارتها اليوم لم يكن يدري بوجود ريان، لقد كانت تلك الزيارة عفوية بل أبشع تلقائية.

يشعر بالنقمة على الظروف التي منعته من الضغط على “ليان”، رغم انه كان قادر على إخراج منها الكثير والكثير مما تخفيه دون سبب واضح له ولكنها في الأغلب تحاول تصحيح أخطاءها بالتستر على خطأ ريم وربما هذا الغموض أو الإخفاء عنه هو الذي يأكله.
انتبه لجسد ريم المستلقية في صمت فوق الاريكة بالردهة دون أن تلتفت لحضوره طالعها بتفحص وكأنها في عالم أخر لا تشعر بأحد من حولها ترى من يجسد ذلك العالم الخاص معها هو أم أحمد؟!

أغمض جفونه يرفض الانسياق خلف منحنى أفكاره ثم ألقى بنظره فوق عمر الغافي في هدوء وسط ألعابه أمام التلفاز ليتجه في صمت نحو غرفته كي يغير ملابسه ومحور أفكاره رافضًا تسليم عقله لتلك الشكوك المحرضة لأنها ستكون المسمار الأخير في نعش زواجهما إذا كرر خطأه السابق بالانسياق ورا أوهامه.
كاد يمزق أزرار قميصه بشده، فأصــ,,ـابعه تعبر عن مشاعره المختنقة في براعة، خلع القميص ودون شعور وجد نفسه يضغط فوق طيات القماش كمجنون يشعر بالبركان داخله يزأر رافضًا الخمود، قذف القميص المسكيــ,,ـن اخيرًا بأنفاس لاهثة تكسر الصمت من حوله ثم اندفع للخارج دون هدف واضح أمام عينيه مغلقًا الباب خلفه.

عاد جسد ريم للحياة على صوت الباب فاعتدلت تطالعه متعجبة متى عاد بالتأكيد، فكر ساخرًا وهو يتابع حركت شفتيها: -لقيت بيجاد؟ -أيوة. -كله تمام يعني؟ ابتسم في غموض ساخر ورأسه يميل لليسار قليلًا رافعًا حاجبه في تساءل: -انتي شايفه ان كله تمام؟ رفضت ريم الإجابة عن السؤال المبطن بالكثير والتي يتكهن به حدسها فسعلت في خفة مغيرة الحديث قائلة بنبرة منهكة: -بعد اذنك دخل عمر على سريره، انا هاخد شور.

اتجهت ريم للداخل حارصة على تخطيه دون ملامسته وعيناها ترفض ملاقاه عيناه المشتعلة بتفسيرات حارقة مهوسة حول تصرفها.
وقفت ريم أمام الخزانة مستكينة كالصنم غير قادرة على أخذ فعل أو التفكير بشكل جيد، كانت تشعر كمن وُضع داخل حلة المغسلة وكل أحبائها يتسارعون للتفرج عليها تدور وتدور على أمل تنظيف روحها بشكل يتناسب مع وجهة نظرهم هم لا هي .

أغمضت جفونها وهي تستشعر خطوات ريان المتقدمة نحوها فاحتلت كلمــ,,ـات أحمد ونظراته المتخاذلة مكنوناتها لتزداد حقدً وغضــ,,ـب على الذات بعد أن فرك فشلها في قسوة لامتناهية بوجهها.
لقد صدق أتهام أحمد لأنها صارت أنانية لا تفكر سوى بأحلامها الوردية، وتلك الأنانية غرسها ذلك الأنسان الأناني الاكبر القابع خلفها.
شعرت بأنفاس ريان الهادئة على غير العادة قبل ان تشعر بأنامله المتصلبة تمسك بطرف خصله هاربة من كحكتها الملتوية في عشوائية بمنتصف رأسها.

حركت ريم رأسها بعيدًا عنه تشعر بالاشمئزاز للقبول والمتعة التي افرزتها لمسة صغيرة منه نحوها بينما غيرها يتألم ويذوب بلا ذنب في مصائب كانت هي بمثابة حبل النجاة لها.
حرك ريان لسانه فوق شفاه السفلى يبلل جفافها بمرارة رفضها للمسته، لكنه لم يبالي واستمر على نفس المنوال يلامس ذراعها بطرف اصــ,,ـابعه متسائلًا بنبرة تخفي الكثير من الصقيع الداخلي الذي يغمر صـ,,ـدره: -مالك، مش طايقه لمستي ليه؟ التفتت ريم تناظره بعيون خاوية وقالت بأنف مرفوع في شموخ واهي:

-وانا من أمتى بطيق لمستك؟ خرجت من صـ,,ـدره ضحكة ساخرة بينما يجلدها بتلك النظرة الصارخة ” لقد فقدت القدرة على عد اللحظات التي تذوبين فيها بين ذراعي”. ابتلعت ريم لعابها في توتر لكنها تمسكت بشجاعتها الزائفة، قائلة بنبرة أرادتها قوية لكنها خرجت مهزوزة غير واثقة: -أنا مش مبسوطة ومش راضية عن اللي بيحصل بينا. -عادي ما أنا كمان مش راضي.

حدقته بنظرة جافة تحمل الكثير من اللوم وكأنها تستحضر كل ذكرياتهم السيئة معًا فلمعت عيناه في غضــ,,ـب قـ,ـاتل لان ما يراه هو روح مسيرة فزوجته بلغت من الضعف بأن تترك لغيرها أن يتحكم بها بكل سذاجة فلم يستطع كبح غضــ,,ـبه أكثر ليردف باتهام من بين أسنانه: -أنتي انسانه ضعيفة. صُدمت ريم من كلمــ,,ـاته التي ضــ,,ـربتها في مــ,,ـ لتبتعد خطوتين عنه تهرب من شعورها كالعصفور السجين بين أقفاص شخصيته القوية الواثقة ثم زمجرت في غضــ,,ـب منصب عليه:

-ضعيفة عشان سمحت لواحد زيك يدخل حياتي من تاني بكل سهولة. رفع يده في وجهها مؤكدًا بنصف ابتسامه تشع منها الجنون والشك الذي يحاول اخفائهما دون جدوى: -لا يا ريم انتي ضعيفة عشان ده مش كلامك، ده كلام أحمد مش كلامك! -لا ده كلامي أنا بس أنت اللي مغرور مش شايف غير نفسك. صرخت تخفي مشاعرها المتخبطة وكلمــ,,ـاته تؤجج اعتقاد داخلها ترفض حتى الاعتراف بوجوده فصرخ في وجهها وهو يحاصرها ويقربها منه ممسكًا بذرعها: -أحمد ده من هنا ورايح تنسيه وتنسي وجوده من حياتك نهائي،
انتي سمعاني!

طالعته في صدمه واندفعت تعكس عنــ,,ـف حركته تحاول الابتعاد عنه والانفلات من اصــ,,ـابعه المحكمة حول معصمها وهي تخبره دون اهتمام بفلتره الهياج المشتعل داخل صـ,,ـدرها من مشاعر متباينة بين كره ومسامحه: -أنت انسان أناني وعندك جنون السيطرة على كل حاجة حواليك،
أحمد طول الوقت كان بينبهني قد ايه انت انسان اناني وانا كنت بدافع عنك بكل غباء. جذبها ريان نحوه في حركة عنيفة دون تفكير بضعف جسدها الهش يحصرها بينه وبين الخزانة بقوة ضاغطًا فوق كتفها هاتفًا بين أسنانه في اتهام مُخزي:

-عايزة تعيشي دور الضحية عشان تبرري علاقتك بأحمد مش كده؟ -مفيش حاجه غلط في علاقتي بأحمد عشان ابررها. صرخت وهي تهاجمه جسديًا وقد خرجت عن طور تعقلها منفجرة تحاول قطم أصــ,,ـابعه الممسكة بوجهها رافضة شعورها الخانق بانها عروس ماريونيت.
فعكس ريان صخبها بشكل أعنــ,,ـف وهو يكبل ذراعيها في علامة أكس أمام صـ,,ـدرها ضاغطًا على جسدها للخلف وكأن شيطانه يهيأ له الراحة في تحطيمها، ليزمجر بنبرة انتقامية غاضبة: -علاقتك بأحمد كلها غلط، كلها غلط يا ريم مش حاجه فيها،
انت كلك على بعضك انسانه مجنونه وتصرفاتها غلط في غلط.

-انا مش مصدقه اني كنت بحبك في يوم واني مضطرة أتحمل وجودك في ذكرياتي طول العمر. همست كلمــ,,ـاتها بنبرة مرتعشة وجسد مهزوز كم على وشك السقوط بنوبة هلع من نوع ما وهي تشعر كالسجينة بين أصــ,,ـابعه القاسية. -انا عمري ما حبقى ذكرى في حياتك. بصق حروفه في هدوء ينذر بشر انفعالاته أمام وجهها وكل نبضه في صـ,,ـدره تتمزق بفعل الغيرة الحارقة ومشاعرها تلك المبعثرة الرافضة تكوي مشاعره قبل رجولته، هدأت حركتها فقط لتخبره بشفاه جانبية مرفوعة نحوه بتقزز:

-انت واهم نفسك بأيه؟
هاه عايز تثبت أيه باقتحامك لحياتي من تاني ؟ -انا بحارب نفسي ونفسك عشان مخسركيش،
بحارب وبثبت لنفسي ان انتي اللي مصره تدمرينا وتخسرينا. -اخسرنا؟
ريان انت اناني فعلًا للدرجة انك اندمجت في الأنانية دي ومبقتش قادر تميزها عن شخصك. خرجت كلمــ,,ـاتها كالفحيح وهي تنفض ذراعيها منه وتضــ,,ـربه فوق صـ,,ـدره بكل ما تملكه من قوة وغضــ,,ـب مكبوت صارخة بجنون: -انا خسرتك وخسرت نفسي، أنا كنت بتمنى المــ,,ـوت عشان محسش بالوجع اللي انت كنت سبب فيه!

ارتعش قلبه لاعترافها هذا بألم موجع عميق لم يتخيله يومًا، ألم أشد قوة من طلقات الرصاص لكنه همس مدافعًا عن بصيص الأمل داخله: -مهما قولتي من اتهامــ,,ـات فبردو مش هقول غير اني حبيتك وهحبك طول العمر،
اللي بيتكلم ده سموم أحمد اللي انتي بنفسك ادتيه فرصة عشان يغرسها جواكي، فوقي لنفسك قبل فوات الأوان. انهى جملته وهو يبتعد بجسده عنها للخلف فهمست تنفس بقايا غضــ,,ـب كمن انتزعت روحها: -انت كذاب أنت عمرك ما حبتني ربع حبي ليك، أنا مكنش لازم أتمنى لنفسي المــ,,ـوت.

ضاقت عيون ريان وهو يتابع انكماش ملامحها الثائرة بعمق جراحها قبل أن تقذف كلمــ,,ـاتها كالسهام الحادة المغمسة في السموم لتستقر في جوف صـ,,ـدره بقولها: -أنا كان لازم أتمنى مــ,,ـوتك أنت. جزت على أسنانه التي تتخبط في بعضها من شده انفعالاتها المضطربة وهي تشير للأرض أسفلها هاتفة في كره: -حياتي كانت هتبقى أسهل لو اتمنيتلك المــ,,ـوت، لو انت كنت مــ,,ـوت أنا كنت هرتاح وهقدر أعيش. دبدبت بقدميهما كمن تلبسها الجنون تستكمل صراخها بوجه أحمر مفتقد الاكسجين ثم احتضنت رأسها بين أصــ,,ـابعها:

-أنا بتمنى أنك تمــ,,ـوت و و ….. تدرجت حده كلمــ,,ـاته حتى صمتت تمامًا عندما توقفت عيناها فوق وجهه الصارخ بصدمته وعيناه المتألمة اللامعة بدموع العتاب التي يرفض كبريائه ذرفها رغم هول كلمــ,,ـاتها التي ضــ,,ـربته في الصميم وجعلته كطفل صغير طردته والدته من رحمتها للتو.
ألهذه الدرجة وصل كرهها له …لدرجة تتمنى له المــ,,ـوت وترى فيه راحتها… أخفض انظاره عن عيناها الباكية والتي صار غير قادر على تحمل المشاعر داخلهما.
فوقف كالأبله غير قادر على التحرك من مكانه او إبداء رد فعل ولكن انظاره ارتفعت نحوها مع ارتفاع بكاءها الحاد بشكل هستيري وشعر بصـ,,ـدره يضيق أكثر وأكثر لمعاناته وهي تقترب منه:

-يارب .. يارب ..لا.. قالت وسط بكائها الممزق لنياط القلب بينما تخفي وجهها بمعصميها قائلة بحــ,,ـرقة لا تصدق أنها تفوهت بهذا الجنون: -أنا أسفة، أنا أسفة، أنا أسفة مستحيل أتمنى لك الأمنية البشعة دي. رمت جسدها فوق صـ,,ـدره هامسة في حزن بصوت مبحوح وسط شهقاتها العالية: -انا انسانة بشعة، انت عندك ابنك عمر ازاي قدرت انطقها، انت لازم تكرهني. -أنا عمري ما هكرهك. همس وهو يضمها اليه يربت على رأسها وكأنه لم تنفجر به وتحطمه لأشلاء منذ ثوان ولكن ما باليد حيله فهكذا هو الحب معطاء حد الجنون.

ضغطت ريم على كتفيه مفتتة بالذنب، تقربها أكثر منها وتخفي انينها الباكي في صـ,,ـدره ثم همست في صدق: -يارب كنت مــ,,ـوت أنا قبل ما أوجعك بالطريقة دي…
يارب أنا راضيه …. انا راضية … توالت كلمــ,,ـاتها الهستيرية وقد سيطر عليها الذنب والصدمة صافعه رأسها القابع فوق صـ,,ـدره فجذ ريان على أسنانه ممسكًا معصميها قبل أن يضــ,,ـرب احدهما فوق جانب وجهه سارقًا شهقة معترضة من فمها، معترفًا: -عايزة تضــ,,ـربي اضــ,,ـربيني أنا، عايزة توجعي اوجعيني أنا مش همانع.

خبط بمعصمها فوق جانب وجهه وعنقه بقوة ارعبتها فعادت من جنونها الهستيري صارخة في استنكار وخوف: -كفاية كفاية…أرجوك… -لا مش كفاية اضــ,,ـربي وطلعي شحنة الكره والغضــ,,ـب اللي جواكي….
اضــ,,ـربي يا ريم بس اياكي تتمنى المــ,,ـوت لنفسك لانك ساعتها بتــ,,ـيني….
اضــ,,ـربي عشان تطلعي كل المشاعر الوحشة وتنتهي الحكاية….

صرخ بأخر كلمــ,,ـاته وهو يضاعف حركه يدها فوق وجهه كأنه يعاقب ذاته على كل خطيئة وأذى ارتكبه في حقها ولم يتوقف إلا حين ارتمت ريم المرتعشة بين ذراعيه غير قادرة على حمل ثقلها لينشغل بإحكام ذراعيه حول جسدها المتراخي يثبت وجهها الباكي فوق صـ,,ـدره النابض بقوة متجهلًا جانب وجهه النابض من عنــ,,ـف صفعاته.
حملها ليستقر بها فوق ساقيه على أحد المقاعد ويخفي جسدها المنتفض بين ذراعيه هامسًا بقله حيلة لا يبالي لما يدور داخل صـ,,ـدره من مشاعر أشد جنونًا واضطرابًا من مشاعرها:

-بحبك يا ريم وربي المعبود بحبك. اشتدت دموعها المتساقطة في خجل وقهر ثم ضغطت بوجهها فوق صـ,,ـدره تخفي نهنهت بكائها وهي تحارب للالتصاق بجسده كأنها ترغب في الاختفاء داخل جسده وكأنها تختبئ وتشكي منه إليه. -أنا عايز مكاني الطبيعي كزوج في حياتك انا عايز قلبك وثقتك مش جسمك وخلاص،
عايز مشاعرك وتفكيرك اللي بتمنعيه عني ومتعلقة بوجود أحمد بسببه. -ريان انا ماليش حد في الدنيا لا أب ولا أم ولا أهل، أحمد هو أهلي خصوصا لما انت اتخليت عني..

أخبرته ريم بصوت متقطع أثر بكاءها ووجهها يترجم مدى ذعرها ورعبها من وحدتها في الحياة، فرد ريان في نبرة صادقة وهو يمسح عبراتها ويرفع ذقنها نحوه ممسكًا بنظراتها: -انا عمري ما سيبتك يا ريم، اه حصل سوء تفاهم فترة لكن أنا عمري ما سيبتك،
لو اتخليت عنك مش هبقى قاعد قدامك هنا بطالب بحقي في اني أكون أهلك وأنتي اللي رافضة. -أنا مش رافضة، أفهمني أرجوك انا خايفة لدرجة اني مش عارفة انا عايزة ايه ولا المفروض اتصرف ازاي،
انا ضايعة وتايهه في حياتي أوي ومحدش حاسس بيا واللي مريت بيه مقيدني.

أعاد ريان رأسها للاستقرار فوق صـ,,ـدره ثم مرر أصــ,,ـابعه فوق وجنتيها الحمراء سامحًا لعيناه بالانتقال على وجهها المحتقن في حزن وأسى قبل أن يتنهد مؤكدًا لها: -أنا مش هضغط عليكي، انا هديكي مساحتك ووقتك بس من غير ما تبعديني عن حياتك،
صدقيني مش هقدر أستحمل فكرة انك تبعديني عن حياتك.

لمست نبرته الخافتة الصادقة قلبها فأخرجت زفير قوي تلاه شهيق أقوى تتمنى لو تلملم شتات ذاتها كي تستريح من هذا الضغط المقيت الجاثم فوق صـ,,ـدرها.
وبدون تفكير أو وعي أعادت رأسها ليسقط فوق صـ,,ـدره مكتفية بالصمت الذي قابله هو بسكون راضي وقلبه يدق بتفاؤل فعل الأقل هي تتطلب قربه رغم اعترافها برغبتها في مساحة بعيدًا عنه.
ريم لا تزال ريم تلك المرأة المفعمة بروح الطفولة الصافية التي حرمت من عواطف وعلاقات طبيعية، تشعر بالنقص وعدم القدرة على التأقلم في أمور قد نراها أمور عادية في حين ان ذلك الأمر قد يجعلها في أشد لحظاتها تشتتًا.

ريم وقعت ضحية لشخص مستغل مريض نفسيًا يلعب على أوتار مشاعرها وانتمائها ويحركها بما يتناسب مع مصالحه وسيحارب بضراوة ليثبت لها ذلك عاجلًا أم أجلًا. ***** -ادخلي غيري هدومك وتعالي شقتي وهوريكي طريقة أحلى صنيه بسبوسة في الدنيا.. قالت والدة وسام فضحكت ليان لتهز رأسها في موافقة مرحة: -موافقة خمس دقايق وأبقى قدامك. التفتت ليان بابتسامه خفيفة نحو الغرفة لتغيير ملابسها وهي تشعر بخفة حركتها وكأن جبال قد انزاحت من فوق كتفيها، أما والده وسام فنظرت لأبنتها في غيظ متسائلة:

-ممكن أفهم سيباه كل ده لوحده في الاوضة ليه؟
مصيبة لتكوني مستنياه هو اللي يعتذر. زفرت وسام وهي تنظر نحو السماء تدعو الثبات ثم ردت في هدوء: -انا سيباه يهدى شوية يا ماما وهدخل اعتذرله، ممكن تهدي وتسبيني اتصرف انا عارفة انا بعمل ايه! -وربنا ما حد هيجلطني غيرك،
يا بت الواد بيحبك اتلحلحي وجبيه سكه ليطفش من فقرك. -ماما قومي ولديني أحسن عشان خلاص بقيت على أخري.

قالت وسام مستنكره من بين اسنانها تطلب فقط ان تتركها والدتها وشأنها وقفت تتجه نحو الغرفة التي يحبس بها بيجاد نفسه من مغادرة ريان ثم نظرت خلف ظهرها تطالع والدتها المتفحصة المحركة ذراعيها بحركة دفع وهميه تحثها على الدخول.
قلبت وسام عيناها في غيظ طفولي من تصرفات والدتها الغير منصفة وفتحت الغرفة في عزم.
التقت عيناها بعيون “بيجاد” المتعجبة ما ان دخلت فانشغلت بإغلاق الباب خلفها دون تبرير ثم انتقلت عيناها فوق جسد “بيجاد” الذي تجاهلها وعاد لاستكمال استعداداته للخروج فهمست بصوت ضعيف:

-أنت خارج؟ -أيوة. اجابها باقتضاب دون تطويل، فابتلعت شعورها بالأحراج والتطفل فهي زوجته، لتتساءل في اصرار من جديد: -أنت رايح فين؟ رمقها في حده ليجيبها في جمود: -حاجه متخصكيش. اقتربت منه بتروي وتأكدت انه يستشعر قربها عندما تصلبت عضلات جسده المشنج فوقفت على أطراف أصــ,,ـابعها تربت بيدها فوق كتفيه تنفض غبار وهمي وانتهت تلامس ذراعه هامسة في حب وعتاب: -مش هتسامحني؟

أغمض “بيجاد” جفونه يكبح مشاعره الجياشة التي تتلهف في شوق نحوها وركن داخله يخشى فتح أبواب اللوم والعتاب بينهما فهو لا يزال في زاوية مظلــ,,ـمة يحقد على ذاته في كره لأنه صفعها وتسبب في أذاها في لحظة غضــ,,ـبه.
فابتعد عن لمستها كالملسوع يخبرها بقناع من البرود: -انتي معملتيش حاجه اسامحك عليها، اللي حصل حصل وانتهى. -اللي بينا عمره ما هينتهى،
قولي عايز أيه وأنا هعمله وبلاش تمــ,,ـوتني ببرودك ده. أجبر أصــ,,ـابعه على حمل عطره المفضل يرش ملابسه محتفظًا بهالة تجاهله كعقاب له ولها لتهتف في غضــ,,ـب أنثوي:

-أنت رايح تقابل واحدة مش كده؟ اتسعت عيناه في المرآة يرمقها في تعجب قبل ان يلوي وجهه مؤكدًا على حالتها الميؤوسة من الجنون فرد متهكمًا: -متقلقيش الست اللي هقابلها مش هخبيها في اوضة نومي… -حرام عليك يا بيجاد هفضل لحد امتى اقولك أنا اسفة وسامحني،
بلاش تلعب عليا انت عارف ومتأكد اني عملت كده عشان خايفة عليك. لامست وجهه وهي تقترب منه تسعى لتحطيم مقاومته وسيطرته فانتفض بأنفاس متوترة تحولت للغضــ,,ـب عندما تذكر تقربها الأخير منه التي استغلته لتهريب الرجل من براثنه، فوقف يخبرها في وجوم وصدق:

-طالما الخوف مبرر لتصرفاتنا الغلط،
يبقى متزعليش من تصرفي. عقدت حاجبيها في توجس بينما تمنعه بجسدها من تخطيها والخروج من الباب لتسأله في نبرة خافتة متوترة: -قصدك أيه؟ -انا وانتي مش هنكمل مع بعض،
عشان أنا للاسف خايف عليكي انتي وابني من نفسي…! اتسعت عيناها لتهدر في شراسة غير مبالية ببطنها المنتفخ بينهما وهي تقترب محذرة: -خايف علينا تاخد خطوة إيجابية مش تهرب مننا،
بلاش حجج واهية وقولي مين اللي لفت عليك وفكرها انها هتقدر تســ,,ـرقك مني.

لمعت عيناه في تسلية غامضة قبل أن يبتسم ساخرًا: -حيلك حيلك، بلاش العصبية الزايدة دي،
حاولي تسيطري على غضــ,,ـبك عشان منضطرش نعالجك بعد كده. انهى جملته بابتسامه مغيظة ضــ,,ـربتها في مــ,,ـ ليدفعها في كتفها بخفة من امامه مغادرًا فركضت خلفه تحاول اصلاح الوضع خاشية من مغادرته وعدم عودته مرة أخرى: -طيب هتيجي تتعشى معانا؟ عاملها بتجاهل مقصود لا يفهم مبرره لكن جزء كبير داخله مستمتع بتذوقها من نفس سلاح الجفاء التي ــ,,ـته به مرارًا ليخبرها في اعتيادية بدون مبالاة:

-لا أنا هتأخر محدش يستناني. أغلق الباب خلفه لترتسم ابتسامه فوق صدغيه في رضا وهو يستمع لدبدبت قدمها الصغيرة ووصله غمغمتها الغاضبة.
هبط على الدرج وهدأت خطواته في الدور السابق لهم بينما يصله صوت باب المنزل يفتح ويغلق قبل أن تطرق زوجته باب والدتها.
اتسعت ابتسامته أكثر في تشفي وكاد يسقط أرضًا في محاولته لكبح ضحكاته عندما هتفت والدتها في وجهها: -دخلا عليا بالحزن والدموع يا مجاب الغراب لامه، ادخلي يا روح أمك ادخلي.
الفصل الثامن عشر

بعد عدة أيام مرت طويلة للغاية على الجميع، كسر رتابتها الروتينية عمر الراكض في حماسة طفولية إلى الشرف حيث يجلس والده بمفرده سارحًا في أفكاره متأملًا ضوء القمر عسى أن يخفف الحيرة التي تعتمره: -بابي بابي. ألقى ريان سيجاره من فوق سور الشرفة بعيدًا عن طفله قبل ان يلتفت نحوه مجيبًا بنبرة حازمة: -عمر قولت مية مرة متجريش في الشقة. -سوري يا بابي. رد عُمر بنبرة خجلة بينما يميل بوجهه للأعلى كي ينظر إلى والده فارع الطول مستكملًا في توتر:

-عايز اتفرج على الكرتون بتاعي معاك. -أيوة يعني عايز أية دلوقتي؟ سأله ريان في بلاهة غير متوقع مطلبه الغير مسبوق فلما بحق السماء سيشاهد معه الرسوم المتحركة: -الكرتون بتاعي يا بابي! -ما أنت عارف يا عمر أنا مش بحب صوت الكرتون روح اتفرج مع ريم. التفت عمر خلفه في توجس ثم اقترب يجذب سروال والده في غيظ معترفًا من بين أسنانه: -يا بابي ركز ريم هي اللي قالتلي نادي بابي وقوله انك عايز تتفرج معاه على الكرتون.

-وريم عايزاني اتفرج معاك على الكرتون ليه؟ حرك ريان كتفيه وذراعيه مستغربًا مما يخبره إياه طفله ليخرج سؤاله مخلوطًا بنفس البلاهة السابقة، فضــ,,ـرب عمر بكفه فوق رأسه يكاد يجذب خصلاته من غباء والده قائلًا: -عشان أكيد عايزة تقعد معاك هي كمان. اتسعت أعين ريان الذي مال في لهفة نحو صغيره يخبره في نبرة حانقة: -عمر ركز وفهمني من الأول وبهدوء كده أيه اللي قالته بالظبط ؟ هز عمر رأسه بالموافقة ليسترسل في اخبار ريان:

-أنا كنت بتفرج على التلفزيون ولما انت مكنتش راضي تتغدى هي فضلت متضايقة ومأكلتش كويس،
فبعد ما أكلنا بصتلي وقالتلي أعمل ان انت واحشني واقولك تطلع تتفرج معانا، فهمتني يا بابي؟ سأل عمر بعيون متسعة وتنفس بارتياح حين حرك ريان رأسه بالموافقة ليهمس زافرًا: -اوف اخيرًا، يلا بينا؟ ابتسم ريان ومال يخبط مقدمة رأسه بمقدمه رأس صغيرة الذي لا يطاق في خفة مؤكدًا في نبرة تغرقها السعادة والأمل: -يلا بينا.

تركه ريان يمسك بأصــ,,ـابعه يجذبه خلفه في خطوات راكضة وابتسامه خفيفة تحتل وجهه فقد تعمد طوال الأسبوع الماضي الابتعاد عن مرمى مساحتها الشخصية والبقاء في غرفته كي يتركها تعيد ترتيب أفكارها في سلام دون أي ضغوط قد تنسجها في خيالها في حالة وجوده حولها.
وقابلت ريم تصرفاته في رضا ضمني فقد كانت هادئة على غير العادة تميل للصمت حتى انها أغلقت هاتفها بشكل نهائي واكتفت بتقبل مكالمــ,,ـات وسام كل حين والأخر من خلال هاتفه.

شعر برغبتها في الانعزال عن العالم الخارجي فأعطاها مرادها بتجنبها تمامًا إلا وقت تناول الوجبات لكنه لن ينكر انه كان كالمراهق يسمح لنفسه باختلاس نظرات نحوها يتفحصها بشوق في الخفاء أثناء انشغالها بإطعام لعمر.
فقد أصبحه وقته المفضل لمراقبتها هو وقتها مع صغيره لأنه الوقت الوحيد الذي ينبت الأمل داخله ويغذي مشاعره بالصبر، فيشعر خلاله بأن ريم مازالت هي ذاتها التي تزوجها وأحبها.
بحثت عيناه عنها أول شيء ما أن لامست قدمه الردهة فسعل بخفة معلنًا عن وجوده وكأن تشنج جسدها وترقبها غير كافيان لأقناعه بانها تعلم تمامًا بوجوده.

حاول كبح جموح توقعاته وامنياته فحتى وان طلبت ريم وجوده لا يعني هذا بأنها تسامحه أو تعود إليه، فهو لا يريد أن يتحطم قلبه من جديد بتسرعه لأن وقتها سيخرج تمامًا عن طور السيطرة كالحمم البركانية السائلة حين تنساب فتحــ,,ـرق اليابس دون أن يستطيع أحد ايقافها. -مساء الخير. أجابته ريم أسرع من اللازم: -مساء النور.

حاول “ريان” عدم قلب عينيه ساخرًا من الآداب الحديثة لمجرى حياتهما ثم جلس فوق الأريكة التي تحتل ريم طرفها البعيد واتبعه عمر في المنتصف، سيطر على ابتسامه تحاول الارتسام على وجهه متظاهرًا بالانشغال بالتلفاز عندما نظر لها عمر يتفاخر بإتمام مهمته فتكتفي هي بعض شفتيها تخرسه بوجه أحمر. ذلك الطفل اللعين السمج كم يحسده علي علاقته العفوية معها!

فكر ريان ثم تنهد في صمت فجزء منه منزعج لأنه يصر على ــ,,ـ الأمل داخله، لكنه يعاند مبررًا بانها قد ترغب في مجالسته لأنها تشعر بالملل؟
فمتى كانت أخر مرة خرجت بها؟
امم، على ما يتذكر كان ذلك قبل سفره بأيام أي ما يقارب أكثر من أسبوعين، تدخل ذلك الجانب الهائم بها يعرض خدمــ,,ـاته في حماسة فربما عليه عرض الأمر عليها ورؤية أين سينتهي بهما الحال؟

سند مرفقه جواره وابهامه يتنقل فوق شفتيه كعادته عند الغرق في التفكير غير منتبه لصغيره الذي مال يسند برأسه فوق خصره يحتضنه نحوه بتلقائية يتطلب قربه وحنانه.
كانت عيون ريان معلقة بالشاشة أمامه وأصــ,,ـابع يده الأخرى تلاعب رأس صغيره في عفوية، ألقى نظرة خاطفة جواره على ريم فوجدها تحدق به بلمعة كان يخشى تفسيرها لكنها أبعدت نظرها في حرج نحو الشاشة.
تابع الاحمرار الذي ابتلع وجهها واصــ,,ـابعها التي تفرك في توتر فوق ساقها وعاد بتفكيره لتلك اللمعة المشتاقة التي لمحها في عينيها ترى هل يتخيل الأمر لأنه يتمناه ام….

صمتت أفكاره ثم ضاقت عيناه بعد ثوان وقد صدح في عقله اعتراف سابق لها في بداية زواجهما حين وقفت في إحدى المرات تطالب في طفولية بحقها في العناق مثلها مثل عمر لتعترف وقتها أنها كالأطفال تشعر باللهفة لتبادل المشاعر خاصة عندما ترى الاحبة يعبرون عن مشاعرهم.
رمق عمر القابع في أحضانه قبل ان يلقي نظره أخرى نحوها، عض شفتيه في توتر وقلق مما هو قادم عليه لكن الحاجة في عينيها حسمت الأمر فرفع ذراعه نحوها يداعب خصلاتها ملامسًا جانب وجهها.

تسمرت ريم بأعين متسعة لكنها نظرت نحوه نظرة ذهول تحولت إلى توق قبل ان تغمض جفونها في خجل محركة وجهها كالقطط في كفه.
أخرج ريان أنفاسه المحبوسة ثم حرك أصــ,,ـابعه بين خصلاتها يفرك رأسها في حنان وتابع في حب وفخر عنقها يميل نحوه.
بلل شفتيه ثم بكل ثقة جذب ذراعها يقربها منه هو وصغيره الذي انزاح نحو مقدمة الأريكة في صمت، لكن عيناه السوداء فضحت السعادة المتلألئة داخلهما في رضا عن هذا الاجتماع الأسري، انتهى جسدها خلف عمر ورأسها يستند فوق صـ,,ـدره بتوجيه من أصــ,,ـابعه.

كانت اضطراباتها حول طبيعة مشاعرها تتبخر مع كل لحظة تمر بينهما، كانت كمن وضع عقله داخل صندق تغلقه بإحكام رافضة التفكير وترغب فقط بالشعور الأمن الذي يوفره لها قرب زوجها وابنها، ذابت جواره على الاريكة وصـ,,ـدره وذراعه القوي حولها يشعراها بوجودها على قيد الحياة من جديد وبمدى صواب وجودهما سويًا. ***** وقفت ليان تطالع الزينة التي أسرفت في وضعها لإخفاء آثار الكدمــ,,ـات المغطية لوجهها، وتنهدت في أسى لن تنكر بأن مظهرها قد تحسن واقترب من الاختفاء ولكن أثرها المحفورة في صـ,,ـدرها لا يشفى ولا يختفي.

-احنا مش عايزين مشاكل الله يرضى عليكي ساعة بالكتير وتروحي. قطع أفكارها صوت والدة وسام المحذر فحاولت ليان رسم ابتسامه ممتنه على وجهها لتطمئنها بنبرة مؤكدة: -والله مش هتأخر، بيجاد مش هيشك وهو عارف اني بايته معاكي،
والمفروض ان ربنا هينفخ في صورتهم انهارده وهينشغلوا عننا. انهت ليان جملتها بخيبة أمل تتقطر من نبرتها فقد أثبت شقيقها بأنه عنيد كالحجر، يرفض الانحناء أمام جميع محاولات زوجته للصلح، حتى أنها شعرت بالغضــ,,ـب وكادت تخبر وسام بإهماله خاصة وقد بدأ الأمر يؤثر على المسكيــ,,ـنة بشكل جدي.

-من بؤك لباب السما يا بنتي،
ربنا يهديكي يا وسام ويهديلك جوزك يا بنت بطني. -متقلقيش يا طنط ان شاء الله هيتصالحوا قريب، بيجاد عمره ما طول في خصامه لحد. -ان شاء الله يا بنتي، بس الحق يتقال هو كان لازم يخاصمها شوية ويربيها عشان تحرم تخرب على نفسها وبيتها تاني،
عارفة لولا أنها مبقتش تاكل زي الأول وخايفة على اللي في بطنها مكنتش كلمت بيجاد الصبح يخف عليها شوية. ضحكت ليان وهي تقترب لاحتضانها قائلة في مرح:

-والله أنتي زي العسل يا طنط،
ولو كان عندك ولد مكنتش سيبته غير وانا متجوزاه عشان تبقى حمــ,,ـاتي الحلوة بزيادة. -لا يا ستي انا مش عايزة أبقى حمــ,,ـاتك، أنا هبقى حمى حبيب القلب ان شاء الله. اخبرتها والدة وسام بثقه وهي تدلك ساقها المتألمة قليلًا باعتياديه فتمتمت ليان في تهكم: -حبيب القلب مش واخد باله ولا هياخد باله أصلًا. تجاهلت نظراتها المتسائلة واقتربت تقبل وجنتها قائلة: -مع السلامة عشان متأخرش أكتر من كده وأي حاجه تحصل أنا معاكي على التلفون.

-ربنا يصلح حالك وينورلك طريقك يا بنتي. حركت ليان كفها ترمي السلام مرة أخيرة قبل أن تغلق الباب في خفة وتتسلل في سرعة للأسفل، تنهدت في راحة ما أن التقت قدماها بالشارع الرئيسي لتوقف أول سيارة أجرة تقابلها. عضت شفتيها متسائلة للمرة الألف هل تتخذ القرار الصحيح ؟ تذكرت حديثها مع وسام منذ أيام وهي تسأل عن أخر أحوال ريان وريم لتخبرها بتوتر الوضع، متذكرة كلمــ,,ـاتها التي كانت ترمي باللوم في حدة وبغض على شخص “أحمد” لتنهي صدمتها بخبر إصــ,,ـابته بعجز ما، ولكنها وبكل غباء وطفولية ترفض التصديق بأن هناك خطب في حب حياتها.

مالت برأسها على الزجاج تتذكر حياتها ثم ابتسمت في خفة لا تزال تتذكر اليوم الذي انتقلت فيه ريم وخالتها للعيش فوقهم وقتها كان ريان يعمل بالخارج ولم يكن يخطر في بالها ان تكون ريم من نصيب أخيها في يوم من الأيام.
تحسرت على أعوام من الصداقة التي توطدت فدمرتهم ليان بغبائها، وتشعر بالذنب كلما فكرت في الماضي فهي لا تزال تتذكر يوم ايقظتها ريم الباكية لتخبرها بأن خالتها التي سافرت في عطلة قررت الاستقرار بالخارج دون أي إنذار.

ضحكت في سخــ,,ـرية مريرة فقد تساءلت وقتها كيف يمكن لشخص أن يتخلى عن شخص من عائلته خاصة شخص في سن ريم وتعجبت للأنانية التي جعلت خالتها تستحوذ على ما يملكونه من أموال قليلة، متحججة بحاجتها للأموال في غربتها واعدة بأن تعيدها يومًا ما.
عضت شفتيها في شفقة فقد كان ذلك أخر اتصال من خالتها فبل أن تنقطع أخبارها إلى الأبد، لكنها تحسد عزيمتها وحربها الغريزية من أجل البقاء وكيف تقبلت بالأمر الواقع سريعًا لتخرج يوميًا باحثة عن عمل.

لتدخل عليها يومًا تفاجئها بحصولها على عمل بأحد المتاجر الخاصة ببيع الملابس، كما انها تتذكر زيارتها المتطفلة بشكل دوري لريم في عملها خاصة وقد أذهلتها العلاقة القوية التي ربطتها بصاحب العمل التي صورته لها ريم بانه ذو شخصية ملائكية شديد الوسامة.
ارتسمت على شفتيها ابتسامه خفيفة فخيالها متعلق بأول مرة رأت فيها أحمد يوصل ريم في إحدى المرات متذكرة كيف ذابت في عشــ,,ـق صامت خسرت بسببه الكثير. -يا ريتني ما شوفتك يومها.

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى