Uncategorized

فرط الحب للكاتبة دينا ابراهيم روكا 5

مسحت عبراتها وتسللت في خفة للخارج لكن فضول قلبها القلق دفعها للاطمئنان مرة أخيرة على القابعين في غرفتهم محملين بالآسي، اقتربت تستمع لهم فوصلتها همسات ريم الخافتة: -دماغي بتوجعني أوي يا ريان. -اجبلك برشام صداع؟ سأل ريان في خفوت وسمعت ليان خربشات تعلن عن رغبته في التحرك لكن صوت ريم المعترض اوقفه: -لا عايزة انام في حضـ,,ـنك، متسبنيش. عاد ريان يحتويها بين ذراعيه في حنان هامسًا في حب: -نامي ومتقلقيش عمري ما هسيبك

ارتعشت شفاه ليان وكادت تبكي شاكرة الله بأن الأمور انتهت على خير عكس المتوقع والفتت تتسلل للخارج عازمة على الذهاب للمتوحش المجنون الذي يحاول سلب شقيقها من حياته. *****

جلس أحمد في الظلام داخل مخزن متجره كالصنم لا يزال في حالة من الصدمة والحزن ليس بسبب الخذل الذي سمعه من صوت ريم الغير مصدق لحقارته ولا بسبب انتهاء علاقتهم المتوقع بشكل تام فقط.
بل اكثر ما يمزق أحشاءه انه تحول لأنسان بلا مشاعر ولا قيم، شخص عماه الانتقام فصار ينبش كالمجنون فيمن حول لا يفرق بين عدو وحبيب، هو ذاته يشعر بالخذل وللأسف لم يخذله أحد بل هو من خذل نفسه.

كان انسان سلبي ضعيف ترك نفسه غارقه في الاستسلام والكره والحقد راضيًا بكل الضــ,,ـربات التي تتلاحق في حياته، وحين تأتيه ضــ,,ـربة من نيران صديقه خاطئة يتحول لقنبلة من الحقارة والدناءة.
لقد نشأ حياته يتجرع المرارة والقسوة والخذلان دون أن يشتكي مرة…مرة واحدة حتى… لم يفعل…
كان كشخص أعور مشلول يحركه والده لتلبية رغباته دون التفكير في توابع افعاله والآن شب ذلك الشخص ليصبح كالضباع إذا أتيحت لها الفرصة ستنهش في لحم قطيعها.

علا صوت هاتفه فنظر بكره إلي رقم والده الذي يرفض تسجيله على هاتفه فلا يجد داخله القدرة على كتابة كلمة “أبى” ولو على شاشة افتراضية بل يرفض في اعتراض ان يعطيه قيمة داخل حياته المنكوسة.
امتدت اصــ,,ـابعه في حزم ولأول مرة في حياته يتمرد ويغلق الخط في وجهه.
ألقى الهاتف في الأرض بجوار علبة الدواء التي تداعب عيناه أمامه حيث يتربع في الأرض ويستند بإرهاق على الحائط، يشعر بالوحشية وعدم الانسانية ويشعر بالكره والنقم على الذات.
ماذا يفعل في هذه الحياة وماذا أخذ منها ليبقى فيها؟؟

قطع تفكيره البائس صوت دقات متتالية فوق الباب الصاج الذي يغلف الباب الزجاجي للمتجر وأول ظن جال في تفكيره أن والده بالخارج فارتبكت ضــ,,ـربات قلبه المتسارعة لكنه جلس صامتًا يرفض الإجابة على الطرقات المتلاحقة بإصرار.
سمع صوت محاولات لفتح الباب الحديدي فسب بألفاظ نائية إصرار الطارق الذي لا يبالي بالباب الحديدي الشبة منغلق كما أمر دعاء بأن تغلقه للمنتصف وهو يطرد الجميع من أمامه.
حاول تجاهل الدقات المتعالية ولكنه كان يشعر بها داخل رأسه فجز على أسنانه قبل أن يثبت مستقيمًا متجهًا في غضــ,,ـب نحو الباب.

فتح الباب الزجاجي ومال بنصف جسده يرفع الباب المنغلق نوعًا إلى أعلى وما أن التقت عيناه بوجه ليان الغاضب حتى جز على اسنانه يعكس ضيقها وهو يفتح الباب هاتفًا: -جايه عندي ليه؟
عايزة ايه تاني انتي واخوكي بعد اللي عمله فيا؟ -انت انسان وقح واناني وليك عين تتهم اخويا بعد اللي انت عملته! هتفت ليان وهي تندفع للداخل في اتهام مدافعة عن أخيها، فابتعد أحمد للدخل متجاهلًا دخولها هاتفًا في حقد: -لو جايه تشمتي فيا، فمتشكر يا ستي اقفلي الباب وراكي وانتي ماشية في داهية.

-انت ازاي بقيت كده، انا مش قادرة أصدق اللي عملته في ريم،
انت عارف ريان عمل فيها ايه؟ تصلبت قدميه ثم التفت نحوها بأعين ضيقة خائفة وكانه يخشى نقل السؤال الذي يعذب أعماقه على لسانه فاندفعت ليان تخبره من بين أسنانها وهي تهز رأسها في خيبة أمل: -اللي انت قولتله كان ممكن يدمر حياة ريم، كان ممكن يأذيها لكن حب أخويا أقوى من سمومك!
أبعد عن أخويا ومراته ومتفكرش انك هتقدر تفرق بينهم ابدًا وصدقني وقتها أنا اللي هخلص عليك بإيدي!

خرجت منه ابتسامه ساخرة دون ان يعير كلمــ,,ـاتها أي اهتمام ثم اتجه إلى نهاية المتجر للاختباء بالمخزن المظلــ,,ـم الخالي من الإضاءة سوى من شعلة إضاءة خافته، قائلًا في لا مبالاة: -اقفلي الباب وراكي. -يا خسارة بجد، مش مصدقة اني فكرت فيك في يوم. تصلب جسد أحمد الذي كان ينحني للجلوس ولكنه استكمل جلسته في صمت دون أن يلتفت لحديثها المريب، فاندفعت تجــ,,ـثو جواره هامسة ضاربة كتفه في قوة دون اهتمام برد فعله: -اوعدني على الأقل إنك هتبعد عنهم.

-اطلعي برا وابعدي عن حياتي، وده أخر تحذير ليكي صدقيني. دوى صوت صفعة مدوية كاسرة الصمت المجفل في المكان، شعر أحمد بألم طفيف بجانب وجهه ولم يشعر سوى بأنفاسه العالية قبل أن يمسك تلابيب ملابسها متشدقًا في قسوة تخفي الكثير: -يمين بالله لو مشيتي من قدامي لكون مكسر جسمك! هاجمته ليان العابسة التي قلدت قــ,,ـبضته بإمساك مقدمة قميصه تواجهه في عنــ,,ـف بينما تقذف كلمــ,,ـاته في تحدي: -اضــ,,ـربني مش هتكون أول مرة راجل يمد إيده عليا.

دفعها بعيدًا قبل ان يندلع ضوء هاتفه فيصرخ في غضــ,,ـب هادر مجنون وهو يمد أصــ,,ـابعه يسحب دوائه متغافل عن الهاتف لتسقط ليان للخلف في هلع من حركته المفاجئة وصوته الحاد ليوجه أحمد بعدها وجهه وصراخه نحوها في قوة: -سيبيني في حالي، كلكم سبوني في حالي… اطلعي برا برا…

زحفت للخلف مرتين تتابع جنون انفعاله وهو يفتح الدواء وكأن فيه الخلاص يبتلع حبة منه قبل ان تعتدل وتتجه في رعب للخارج.
وقفت ليان على باب المتجر تلتقط أنفاسها لا تصدق الحالة التي رأت بها أحمد، ولا تصدق انه برغم حقدها وغضــ,,ـبها منه إلا إن قلبها يتألم ويصرخ لآلامه التي تظهر كالشمس في صراخة وداخل عيناه الحزينة.
صدق من قال لها يومًا بأن الحب لعنة وويل لمن تصيبه فهي لن تحله ولن تتركه ابدًا كالثأر.

-عايزة أيه؟
دلوقتي عرفتي تكلميني، سيبني في حالي انتي كمان. انتفضت ليان ولوهلة نظرت خلفها وقد ظنت أن أحمد يختصها بصراخه ولكنه لا يزال في المخزن يحــ,,ـادث أحد ما في الهاتف على ما يبدو، مستكملًا في نبرة حاقدة محترقة: -متقوليش أبوك، متقوليش الكلمة دي تاني ،
روحي قوليله ميتصلش بيا تاني واني مش عايز حاجة منه انا مش هتجوز حد عايز ياخد مني المحل والبيت يجي من بكره ياخد اللي عايزة بس ابعدوا عني وارحموني.

اختلطت جملته الأخيرة مع بكائه الحارق الذي استقر بشكل مباشر في صـ,,ـدرها فملئت الدموع عيناها تشعر بقلة حيلة وعدم فائدة. -ارحموني، أنا تعبت …. تعبت…

كان يهمس في بكاء للا أحد بعد أن أغلق الهاتف فمال يحتضن رأسه بين كفيه في حزن يهز كيانه، تنفست ليان في ألم وتأوه ثم اقتربت ببطء منه تتابع جلوسه على الأرض غارق بين أحزانه ودموعه وآهاته الباكية تخالف خشونة وقسوة صوته الخشن.
كانت تلك التأوهات خارجة في صدق من احشاء قلبه مباشرة إلى قلبها الأحمق المريض بحب ذلك الابله الاكثر مرضًا منها….
انتفض أحمد عندما أحس بوجودها ثم مسح وجهه من عبراته بمعصمه قائلًا في ارهاق نفسي وقد خارت قواه نوعًا ما بفضل المهدئ ناطقًا أسمها التي نست فخامته من على لسانه:

-يا ليان … يا ليان، ارحميني… التقط ملامحها الباكية ونظراتها المشفقة فهز رأسه في رفض معترفًا في ضعف وهو يسند بجسده للحائط: -أنا قذر واحقر بني آدم الدنيا ومستحقش منك دمعه، بتعيطي عشان مين عشاني انا …
أنا مستحقش الشفقة اللي في عنيكي! كانت ليان بقربه في خطوات بسيطة تضع يدها فوق كفيه المشبوكان فوق معدته لتنكمش ملامحه في رغبة صارخة بترك عبراته دون خجل فأنفجر في قهر: -أنا أذيت ريم وخسرتها وخسرت نفسي معاها،
انا حياتي ضايعة ومتدمرة من زمان هي متستحقش اني اعمل فيها كده.

ارتفعت أصــ,,ـابعها المرتعشة تحاوط وجهه رغم رفضه للمستها ورفضه أي نوع من المواساة فهو لا يرى أحقيته فيها، قررت تجاهل رفضه المغيظ لقربها وكلمــ,,ـات شقيقها التي تتهمه بالخلل النفسي تتلاحق في ذهنها ولكنها تتحلى بالكثير من العزيمة ولن تستسلم وستمضي في قرارها.
فهذا حق الجميع عليها وحق حبها لأحمد ايضًا والذي باعت قضيته مع أول عقبة دون أن تحارب من أجل حبها لا بل هو حق نفسها المسكيــ,,ـنة التي كانت ضحية لقرارات خاطئة كثيرة لكنها ولأول مرة تتذوق الصواب في قرارها حتى وان كانت ستخوض متاهات مع اشقائها.

انتبهت لأحمد الذي يميل بجسده وكأنه يرغب في النوم فالنوم لطيف حتى يستيقظ ويدرك إنه لا يزال وحيدً بائسً، ضاقت عيناها في توتر متسائلة: -مالك يا أحمد؟ -أنا تعبان ونفسي أنام ومش قادر انام…
بس أنا استاهل والله العظيم استاهل. ارتعش قلبها في شفقة رغم غضــ,,ـبها عليه وعلى أفعالة البائسة لا تعلم كيف تحمل الشعور ونقيضه بين ضمه إليها وصفعة من جديد، لكنها جزت على اسنانها هامسة في حزم: -تتجوزني؟ التفت نحوها في صدمة ثم أبعد أصــ,,ـابعها عن وجهه في حده وحاول التأني في فحص ملامحها قبل ان يخبرها في غضــ,,ـب:

-اسمه ايه ده كمان؟
ولا دي لعبة منك انتي واخوكي عشان تقعدوا سوا تضحكوا على أحمد المغفل مش كده… -ده اسمه انقاذ، انت عارف ومتأكد ان ريان عمره ما هيسيب ريم وان ريم كانت فرصتك عشان تخلص من موضوع والدك. كان أحمد يتابعها في صمت منذهل من معرفتها بأمر والده ولا يجد في داخله القدرة على الغضــ,,ـب من ريم لإفشائها كل أسراره لكنه سأل في خفوت: -انتي عرفتي منين؟ -مش مهم عرفت منين، المهم اني بديك فرصة تعيد ترتيب حياتك.

ارتبكت عيناه وهو ينظر حوله بعقل بطيء يرفض الاستجابة لكلمــ,,ـاتها لكنه نظر إلى وجهها يتفحصها لأول مرة منذ زمن فهي لا تزال تلك الفتاة الجميلة اليافعة بوجه طفولي وملامح حادة كأخيها، تتمتع بذقن مرفوع وشفاه غليظة وأخيرًا عيون سوداء حادة تتلبس القسوة رغم البراءة القديمة والضعف الجديد المختبئان خلف قناعاتها.
ضحك أحمد بينما يهز رأسه في تساؤل متعجب: -وانتي هتستفادي أيه؟ -حاجتين مهمين أوي بس مش لازم تعرفهم دلوقتي ومتنساش ان كل واحد ولي شياطينه،
قولت أيه تتجوزني وتتخلص من عقدة حياتك ولا تفضل تجري ورا ريم اللي ريان عمره ما هيتخلى عنها؟

نظر لأصــ,,ـابعها الممتدة بينهما ثم عض فمه من الداخل بازدراء على الذات لأنه على يقين من خطأ القبول، ولكنه يبلغ من الضعف والاستسلام الدرجة التي تجعله يمد أصــ,,ـابعه يقابل أصــ,,ـابعها في موافقة…. الفصل الثاني والعشرون

انت في الصفحة 4 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى