لا يدري ما جعله يعترف بتلك الكلمــ,,ـات لها، ربما لأنها شاهدت تسلسل تمرده منذ البداية او ربما هي ساحرة تسحره فتخرج منه أقبح أسراره ولكنه انفعل في غضــ,,ـب ملتفتًا نحوها ليرد على زمجرتها في وجهها: -المشكلة أن عندي مشكلة ارتاحتي، انا عندي مشكلة ومش هعرف اكون الزوج اللي انتي عايزاه. نظرت له ببلاهة تتفحصه من أعلاه لأسفله قبل ان تخبره في سخــ,,ـرية: -انت فاكرني عيلة صغيرة بتاخدها على قد عقلها، ولا أنت ناسي اني كنت متجوزة قبل كده،
يعني انا لما ابقى في حضـ,,ـن راجل صدقني هعرف ان كات بيستجيب ليا ولا عنده مشكلة…
ضغطت على حروفها الاخيرة في سخــ,,ـرية، فشعر باختناق من ضغطها المتواصل عليه لا تدري ان بكلمــ,,ـاتها تلك وضعت فوق اكتافه ضغوط المقارنة التي سيفشل فيها لا محال.
أخذ منه الإرهاق الذهني والنفسي الكثير فلم يجيب وحاول الابتعاد لكنها وقفت أمامه قائلة في تطلب: -أحمد انت استجبت وأنا في حضـ,,ـنك دلوقتي وانا حسيت بيك ليه بتبعد عني؟ -عشان مش دي المشكلة، مش مشكلتي اني استجيب المشكلة اني…
صمت مفكرًا بأن المشكلة تنبع من عجز داخله لا يعرف منبعه، فمشكلته ليست في الاستجابة ولكن في الاهانة التي ستعقبها وسيتعرض لها أمامها ما أن يخذلها..
هو أضعف من أن يكرر تلك التجربة، أضعف من أن يجـ,ـرح رجولته مرارًا وتكرارًا، بل هو أضعف من ان يعترف بأنه يخشى فقدان ما قد يملكه من احترام داخل عينيها المحاربة…
يكفيه إنه سقط من انظاره كرجل ويخشى التعري والسقوط كليًا من أنظارها هي أيضًا، أن فشل في أبسط الأمور بديهية بين زوج وزوجة.
اندفع تاركًا إياها غير قادر على المواجهة يكفيه ما واجهه بالفعل، اغلق باب غرفته في ضعف واتجه كالمُسير نحو فراشه يستلقي فوقه في تعب،
بلل شفتيه الجافة ثم رمش عندما التقى بعلبه دواءه بجوار السرير فمد أصــ,,ـابعه يتحسس ملمسها متسائلًا هل يكفيه الوهن الذي اصــ,,ـاب جسده كي يســ,,ـرقه النوم ام انها سيحتاج “حبة” من الزجاجة كزيادة تأكيد.
انتفض في ذعر عندما فتحت ليان الباب تقتحم خلوته في غيظ، بحثت عنه بعينها لتزداد غضــ,,ـبًا حين رأته ممسك بالدواء فتقدمت منه في اتهام مشيره نحو العلبة البلاستيكية:
-انا بقالي يومين ساكته عن الزفت ده، قولي انت مدمــ,,ـن ولا ايه بالظبط؟ وضع الدواء في مكانه لا يجد داخله القدرة على المشاجرة أو التبرير، فتقلب فوق الفراش يتأوه في ألم غير مبالي بوجودها هامسًا: -تعبان طفي النور. جزت على اسنانها ولكن شفقتها تصاعدت وهي تتابع جفونه تنغلق كأنه غير قادر على البقاء صاحيًا فأخذت أنفاس عميقة تسيطر على انفعالاتها الغاضبة قبل ان تتجه للخارج مغلقة الإنــ,,ـارة والباب خلفها، تاركة عقلها يفكر في تفسير منطقي لما يحدث مع احمد وعدم رغبته في الاقتراب منها لأن جسده بالتأكيد ليس عاجزًا.
الفصل الرابع والعشرون بعد أسبوع من التباعد المتعمد بين ريم وريان الذي انتهت اجازته وبدء في ممارسة عمله من جديد، قررت ريم اتخاذ موقف لإنقاذ علاقتهما فهي تعلم ان ريان رغم غضــ,,ـبه من ليان إلا انه يشعر بقليل من الذنب وداخله هاجس بأن يكون احمد قد اجبر شقيقته على الزواج منه لكن زوجها العنيد المزعج يكابر ويرفض الاعتراف.
فكلما حاولت فتح الحديث معه يغيره أو يندفع للخارج متحججًا بمشاوير العمل وهي تعلم بأنه يغادر ليتجنبها ويعود ليلًا حين تخلد إلى النوم، ولكنها لا تنام بل تبقى مستيقظة في قلق تنتظره ثم تتظاهر بالنوم حتى تشعر بذراعيه يحتضناها في سكون وحذر قبل ان يستسلم إلى نوم مؤرق.
تنهدت فعلى الأقل هو لا ينفر من قربها بل يناشده كل ليلة، وقفت ريم أمام الباب تفكر في توتر هل عليها الطرق واستكمال مهمتها ام عليها الرحيل، نظرت لعمر الذي يقف بين احضانها رافعًا رأسه يرغب في معرفة سر وقوفهما السخيف هذا أمام احد المنازل التي لم يزورها من قبل.
ففركت خصلاته تطمئنه قبل ان تجذب انفاس عميقة عازمة على الاستكمال لتدق جرس الباب، مرت ثوان قليلة قبل ان يأتيها صوته التي صارت تبغضه فانعقدت ملامحها في غضــ,,ـب رغم رغبتها في المحافظة على ملامحها الخاوية.
فتح أحمد الباب ليتفاجأ بها وبعمر الذي يقف امام جسد ريم المتصلبة ترفض النظر نحوه وهي تسأله في حزم: -عايزة أقابل ليان. ابتلع ريقه خجلًا غير مهيأ لسرعة المقابلة بينهما لكنه انزاح من امامها مشيرًا للداخل في هدوء فقالت ريم في حدة:
-نادي ليان لو سمحت. رمش في حرج يعلم انها تخشى الدخول فتبقى وحيده بمفردها معه بعد اتهامــ,,ـاته الحقيرة لها، لتشعل داخله تلك المشاعر التي تؤنب ضميره من جديد لكنه تنفس الصعداء حين أنقذه صوت ليان المتسائل: -مين يا احمد… صمتت ما ان رأت ريم وركضت نحوها بأعين متسعة قائلة: -ريم .. حصل حاجة ولا ايه؟ حركت ريم رأسها في رفض قبل ان تبلل شفتيها تخفي اضطرابها قائلة في جدية: -لا أنا جيت عشان حابه اتكلم معاكي شوية لو سمحتي.
-طبعا طبعا اتفضلي، تعالى يا عمر عامل ايه يا حبيبي؟ مالت بعفوية تقبل رأس أبن شقيقها في حنان ليقابلها بابتسامه مهتزة وعيناه تنتقل بينها وبين ذلك الرجل الذي يكرهه من كل قلبه لأنه السبب الذي استطاع ان يحرمه من والدته عامًا كاملًا.
ضغطت ريم فوق كتفيه بابتسامه في مؤازرة تكبح خيالاته الطفولية واتبع كلاهما ليان التي أشارت لهم باتباعها إلى داخل إحدى الغرف بينما اتجه أحمد سريعًا يختبئ في غرفته يكاد يمــ,,ـوت حرجًا. جلست ريم مشيرة لعمر بالجلوس قريبًا منهما ثم تحدثت في صراحة دون تطويل:
-أنا هدخل في الموضوع على طول،
انتي حقيقي اتجوزتي أحمد بمزاجك ولا هو اللي غصب عليكي؟ انهت جملتها ثم مدت ريم اصــ,,ـابعها تلامس كف ليان المتوترة لتؤكد في ثقة: -صدقيني انا هقدر أساعدك مش عايزاكي تخافي من أي حاجة! ابتسمت ليان في حزن لكنها هزت رأسها في رفض مؤكدة: -ريم يا حبيبتي أنا اتجوزت أحمد بمزاجي، هو مالوش ذنب بالعكس أنا اللي اصريت. ظهرت ملامح الذهول على وجه ريم التي سارعت في السؤال: -ليه؟ -عشان بحبه ده اولًا وعشان ابعده عنك ده ثانيًا.
-أنا. -أيوة كان لازم أعمل كده عشان أحس اني صلحت غلطتي. ازدردت لعابها في ارتباك وحزن مستكملة في خيبة أمل على الذات: -ريم أنتي ممكن متكونيش قادرة تسامحيني من قلبك،
بس تأكدي اني ندمت ندم شديد وان ربنا عاقبني باني ما شوفت يوم سعادة أو رضا بعد اللي عملته فيكي. اوقفتها ريم عن حديثها المرتبك في خجل، فهي ذاتها كادت تمــ,,ـوت من الذنب بعد ان ظهر لها جانب مظلــ,,ـم من شخصية أحمد حتى صارت تخشى من تحوله لوحش بشكل كامل مصدقة احتمالية اجباره لها، مسحت وجهها لتردف في نبرة جدية صادقة وملامحها تعكس تأثرها النابع من القلب:
-ليان يا حبيبتي انا سامحتك من زمان اوي، انتي عارفة انا مش بحب افتكر اي حاجة وحشة اتعرضتلها،
اللي حصل حصل بلاش نفتح في القديم… تساقطت دموع ليان الخجلة فاندفعت تعانق ريم في قوة مستمرة في بكاءها هامسة: -وحشتوني أوي، ريان مش هيسامحني مش كده؟ ربتت ريم على ظهرها وخصلاتها في شفقة هامسة: -أخوكي عنيد انتي عارفة، بس اكيد مع الوقت هيلين. صمتت ثوان لتسألها مرة أخيرة من باب زيادة التأكيد: -يعني احمد بيعاملك كويس؟
-أحمد طيب أوي هو يكاد يكون مش بيعاملني اصلًا، هو مستسلم لوجودي في حياته بس انتي أكيد اكتر حد عارف طبعه… ناظرتها ريم في صمت لأنها كانت تظن بأنها تعرفه حتى اظهر وجهه القبيح، لكنها استمعت في هدوء لليان المستكملة وكأنها تشكوها في الخفاء: -أوقات كتير بحس اني قاعدة لوحدي بفضل اتكلم واتكلم وفي الأخر بسيبني ويدخل ينام. كانت ريم ترغب في اخبارها انها لا ترغب في الحديث عنه فجروحها لم تلتئم بعد لكنها تحاملت على نفسها تساعدها من واقع معرفتها بأحمد الوطيدة:
-متزعليش نفسك، هو طبعه كده بيبان مش مبالي لكن في الحقيقة هو بيسمع كل حرف وبينتبه لكل حركة حواليه. حركت ليان رأسها بعفوية قبل ان تخبرها ريم في نبرة داعمة: -طالما بتحبيه يبقى كل حاجة هتبقى تمام،
رغم كل اللي حصل من أحمد، بس انا معرفش غير أحمد اللي قلبه طيب واتمنى ان اللي صـ,,ـدر منه قبل كده تكون زوبعة وعدت من حياتنا،
ليان لو محتاجة اي مساعدة أي وقت كلميني!
كانت ريم تتحدث لتطيب خاطرها لكنها من داخلها ترغب لو تذهب إلى تلك الغرفة التي يقبع داخلها لتبرحه ضــ,,ـربًا، لمعت عيون ليان في فكرة وامل قبل أن تميل نحوها في حرج تخشى الحديث لكنها طلبت منها على أي حال: -هو انا فعلًا محتاجة مساعدة، في دوا احمد بياخده عمال على بطال، والصراحة الموضوع مخليني على اعصــ,,ـابه وخايفه يكون إدمان،
بس هو بغبقى عصبي مرة واحدة وشوية يبقى في منتهى البرود. -يعني اعمل ايه مش فاهمة؟
سألت ريم في توجس لا تفهم طبيعة طلبها لتجيبها ليان في نبرة خافته خجلة: -انا محتاجه تعدي على دكتوره انا اعرفها بس مش حابه انزل وهو في الحالة دي وتسألي عن الدوا، هينفع؟ فكرت ريم في توتر برد فعل ريان الذي سيحــ,,ـرقها بنيران غضــ,,ـبه لكنها تنهدت قبل ان تعض شفتيها قائلة في استسلام: -ماشي هاتي الاسم…
ابتسمت ليان في امتنان وانطلقت راكضة تحضر العلبة الفارغة التي تخفيها في حجرتها، اعطتها إلي ريم التي وقفت مستأذنه الذهاب واعدة بأن تساعدها في اقرب وقت.
لتوقفها ليان في حرج قبل أن تهمس في أذنها تطلب سؤالها عن موضوع أخر حين تذهب للطبيبة ابتعدت ليان تضغط على اصــ,,ـابعها في توسل، متابعة وجه ريم الذي احتله حمرة الخجل قبل أن تهز رأسها تومأ موافقتها في صمت. *****
بعد ساعات العصر عاد ريان إلى المنزل أخيرًا يشعر بألم حاد في الرأس وفراغ في الصـ,,ـدر فقد مر الأسبوع الماضي عليه غريب كأنه مغيب غارق في هواجسه وغضــ,,ـبه المنصب على جميع من حوله دون سبب.
كان لديه الكثير من الأعمال اليوم عليه تعويضها بسبب إجازته الطويلة ولكنه وجد نفسه مستنزفًا غير قادر على أداء عمله مستوقفه بان قلبه مشتاق ….
غارق في لهفته لزوجته ولطفله عمر…
فالساعات الضئيلة التي يقضيها في البيت هي ساعات نومه، ليستيقظ في الصباح الباكر متعمدًا عدم إيقاظ أيًا منهما مكتفي بتقبل جبينهما في صمت والذهاب للعمل…
ثم يعود لتناول وجبة غداء رتيبة هادئة يشعر فيها ان اسرته الصغيرة تخشى التنفس في وجوده فينفجر كالقنبلة الموقوتة في وجههم ولم يفت عليه تلك النظرات الصامتة بينهما في خضوع.
ابتسم فلا شيء قادر على مضايقته أكثر من شعوره بانه مستثني من انسجاهما.
اتجه للغرفة فوجد ريم سابحه بساقيها فوق الفراش متقمصة دور إحدى الشخصيات في الأفلام القديمة غارقة في حديث ما على هاتفها لدرجة لم تشعر بوصوله للمنزل،
قطع تحديقها بجسدها الصغير صوت ضحكات منبثقة من غرفه عمر الذي كان يحــ,,ـادث لعبته الإلكترونية يتوعدها بالنصر في حماسة، فتركها تكمل مكالمتها واتجه لصغيره يفتح باب غرفته قائلًا: -كفاية لعب بالتابلت بقى هيجيلك توحد! -يا بابي لسه ماسكه من شويه والله. زين وجه ريان ابتسامه مشاكسة وهو يردف في نبرة متهكمة:
-يا راجل وطول النهار كنت قاعد مؤدب مش ماسكه صح؟ -ايوة يا بابي احنا كنا في الشارع طول اليوم اصلًا. انعقد حاجب ريان في تعجب ليسأله: -انتوا خرجتوا؟ -اه روحنا بيت عمتو ليان وبعدين روحنا لدكتورة ريم.