عضت ليان على شفتيها محركة رأسها للأعلى والاسفل في موافقة ولكنها رغمًا عنها تشعر بتوجس وطاقة سلبية تسيطر على صـ,,ـدرها وكأنها لن تنجو وهذا الهاجس بالعقاب يحوم داخلها دون هوادة.
اتجه احمد في صمت يساند ليان مع الممرضة حتى جلست في الكرسي المتحرك وعندما تحركت الممرضة هتفت ليان في ذعر وهي تمد أصــ,,ـابعها في هلع كي تقــ,,ـبض على ذراع احمد وتتعلق به به: -لا أحمد خليك معايا، خليكوا معايا كلكم، محدش يمشي وادعولي بالله عليكم.
تدخلت ريم اخيرًا قائلة في نبرة قوية مشجعة: -متخافيش يا ليان احنا كلنا حواليكي وهنقف على الباب نستناكي.
تعلقت نظرات ليان المرتعبة بها وأصبحت ريم تائهة لا تفهم متى انتقلت ليان من التمثيل إلى الواقعية، فهذه الدرجة التي وصلت لها ليان من الذعر هي ادرى الناس معرفة بها لأنها أيضًا كان لديها هاجس راسخ بأنها ستفقد حياتها وهي تلد عز وانها ستفقد عمر وريان إلى الأبد ولو كانت ليان الغبية قد افصحت لها عن مخاوفها الحمقاء لأخبرتها كما أخبرها غيرها من قبل بأن تلك الأفكار والهواجس تمر بها جميع الأمهات في لحظة الولادة.
وصلت ليان على باب طابق العمليات رافضة ترك ذراع احمد الذي يحاول بث الطمأنينة في قلبها ثم أخبرها:
-لو غيرتي رأيك وعايزاني أدخل معاكي قولي للدكتور وهو هيدخلني! حركت ليان راسها في رفض تخشى أن تضع أحمد في موقف قد يؤثر على نفسه مدى الحياة أن حدث لها مكروه.
بدئت ليان في تلاوة بضع الآيات القرآنية تحت انفاسها وحين كادت تختفي وراء الباب اوقفت الممرضة من جديد وهي تُمسك الباب هاتفة: -ريان. -نعم؟ اتتها اجابته الملهوفة فقالت بفم مرتعش من خضم مشاعرها المضطربة:
-أمانه عليك لو حصلي حاجه تاخد بالك من بنتي …. ومن احمد هو مالوش حد في الدنيا،
أحمد مش وحش زي ما أنت فاكر، هو غلط غلطة كبيرة بس مين فينا مش بيغلط وهو معترف بغلطه وحسن من نفسه. طالعها ريان معقود اللسان لا يدري بماذا عليه أن يجيبها فكرههُ لأحمد خارج إرادته ويستوطنه من راسه إلى قدمه لكنه اخفى دواخله مخبرًا إياها: -متقلقيش مش هيجرالك حاجه وهتقومي تاخدي بالك منه هو وبنتك. -اوعدني يا ريان عشان خاطري.
اصرت ليان في حــ,,ـرقة وتوسل، جف حلق ريان لكنه استسلم للحزن والخوف المنبثق من عينيها هامسًا في رضوخ: -حاضر أوعدك. انتقلت عيونها إلى عيون أحمد التائهة والمتعجبة من عظمة شجاعتها ومشاعرها نحوه وفي نفس الوقت كان يمنع ذاته بأعجوبة من الانهيار تحت انظارها فقد قطع سابقًا وعد لها بانه لن يضعف ومن حقها عليه أن يلتزم بكل حرف وامنية طلبتها منه.
أنغلق الباب اخيرًا ليتسمر أحمد في مكانه بعيون معلقة بالباب بينما ينبض قلبه في عنــ,,ـفوان يكاد يخرج من فمه، عاد للوراء ببطء دون أن ينظر لمن حوله، لم يهتم بوجود مقاعد أو بوجود أحد وجلس على الأرض ساندًا جسده للحائط المواجه للباب غير مبالي برأي من حوله بأفعاله.
فهناك قطعة ثمينة منه خلف تلك الأبواب تقف بين يدي الله منتظرة رحمته، اغمض عيونه وبدء في الدعاء دون توقف.
هبطت دموع ريم وهي تشاهد حالة أحمد وتلك المرة لم تخفي مشاعرها وقد دب الخوف في قلبها.
اقتربت من جسد ريان المتصلب الذي كان ينظر برأسه للأعلى في مناجاة صامته قبل ان تمسك بيده تشد عليها، في تبادل صريح للقوة والعزم ممره يدها بخفه فوق ذراعه تطمئنه وتطمئن نفسها في صمت بأن الأمور ستكون بخير، ولم يتذمر ريان من استعراضها للعاطفة تلك المرة بل احتضن نظراتها الخائفة بنظراته القلقة يشد فوق يدها اكثر في مؤازرة لذاته قبلها. -ان شاء هتقوم بالسلامة. نسيت رين الخطة ورغبتها في إشعال ضميره نحو ليان واستسلمت للاضطراب المنبثق من مقلتيه كارهة رؤيته بتلك الحالة، حرك رأسه متقبلًا محاولاتها في مواساته.
أما بيجاد فكاد يجن وهو يتحرك في الممر دون توقف وعيونه تتابع الفراغ وتارة تتابع عمر الجالس حاملًا شقيقه النائم في احضانه بمسئولية وحب ذكرته بمواقفه الماضية مع ريان وليان في الصغر،
انتقل ببصره نحو وسام التي وصلت متأخرة وها هي تجاور عمر أثناء محاولتها في السيطرة على ابنهما “تيم” الشقي. انفتح الباب المطل على غرف العمليات اكثر من مرة وكل مرة يظن الجميع انها ليان لتخرج امرأة غيرها مُخدرة سبقتها في عملية الوضع وبعد مرور خمسة وأربعين دقيقة تملك الذعر كيان أحمد الذي وقف يخبط على الباب في حدة وما أن فتحت الممرضة شق صغير تختفي خلفه حتى سأل:
-لو سمحتي ممكن اعرف مراتي اتأخرت ليه؟ -مراتك مع دكتور مين؟ -مع دكتور حاتم. هزت الممرضة رأسها قبل ان تخبره في هدوء استفز مشاعره المتوترة: -حاضر هدخل أشوف وهرد عليك، مفيش داعي للقلق. -مفيش داعي للقلق ازاي دي بقالها ساعه جوا، دكتور حاتم قال ان الولادة مش بتاخد تلاتين دقيقة! -حضرتك ده وقت تقريبي وممكن تكون الحالة احتاجت وقت عشان المخدر يشتغل أو انها لسه ما فاقتش من البنج. كاد يتشدق أحمد بكلمــ,,ـاته المعبرة عن استنكاره عندما تدخل بيجاد ممسكًا بذراعه يحاول تهدئة الوضع، طالبًا من الممرضة في أدب:
-خلاص يا أنسة، لو سمحتي ادخلي طمنينا عليها وهنستنى هنا. -حاضر. قالت في وجوم ثم اغلقت الباب في وجههما فتمتم احمد بشكره إلي بيجاد قبل ان يعود للوقوف في مكانه من جديد، مرت دقائق طويلة قبل أن يُفتح الباب فتحرك بيجاد وأحمد نحوه معتقدين ظهور الممرضة لكنهم وجدوا ليان تخرج فوق سرير متنقل مع ممرضتين.
ركض الجميع نحوها وقبل أن تنهمر تساؤلاتهم جاء صوت الطبيب مبشرًا لهم: -حمد الله على سلامة المدام يا أستاذ أحمد، البنوته طلعت قسم الأطفال فوق تقدر تروح تشوفها.
لم يستمع أحمد لأبعد من جملة “حمدالله على سلامة المدام” وتعلق بكف ليان التي تغمغم بكلمــ,,ـات غير مفهومة لا توال تحت تأثير المخدر الكلي، مسح بكفه العرق المنصب على وجهها لكنه ابتعد حين تذمرت الممرضة بسبب تعطيله لهم. -ألف حمدالله على سلامتك يا حبيبتي. همس بجملته قرب وجنتها ثم مال يقبلها قبل ان يبتعد سامحًا لهم بالمرور.
تحرك ريان وريم خلفها في سرعة وقد استعاد ريان انفاسه اخيرًا ما أن خرجت سالمة وظهرت ابتسامته المعبرة عن سعادته ما ان اطمئن عليها فأخبرته ريم المرافقة له في نبرة صادقة:
-مفيش اغلى من الأخت ومفيش اقوى من سند الأخ، أنتوا مالكوش غير بعض، اوعى يا ريان تبعد ليان عننا تاني وكفاية خصام لحد كده ونحمد ربنا أنها جيت سليمة. وقفا على الباب يتابعان الممرضات ينقلن جسدها المرهق فوق الفراش في الحجرة قبل ان يرمقها ريان بنظرة صادقة مؤكدًا: -مش هبعدها عني تاني ابدًا يا ريم. توقف احمد عند باب الحجرة خلفهم يستمع لحديثهم في رضا ثم التفت نحو بيجاد مطالبًا في نبرة خجلة: -بيجاد ممكن تتابع في قسم الأطفال وتطلع تشوف البيبي وتطمني عليها لحد ما اطمن على ليان.
-اكيد طبعا. ربت بيجاد على كتفه يؤازره ثم قال في نبرة بشوشة: -ربنا يباركلكم فيها، متقلقش على ليان أختي قوية. ابتسم أحمد في خفة فمن غيره أدرى بقوتها وقوة حبها؟ انتبه أحمد لدخول ريان الذي سبقه وكان يمسك بكف ليان التي بدئت تستشعر وجودهم من حولها وصارت تنادي أسمائهم.
أقترب أحمد في لهفة ما أن استوعب حروف أسمه من فمها ليمسك كفها الممتد له من الجهة المقابلة للمكان الذي يقف فيه ريان يرفض ترك يد شقيقته المُحكمة فوق أصــ,,ـابعه:
-أنا بحبكم … انتوا حلوين أوي… خرجت جملة ليان ضعيفة مختلطة بتأثير المخدر فسادت البسمة على وجوه الجميع ثم انفجرت ريم والممرضات ضحكًا حتى ريان الجامد الملامح ظهرت ابتسامته على وجهة عندما اخبرتهم في ثقة: -وأحمد طيب والله يا ريان وطعمه حلو أوي. ضـ,ـرب أحمد كفه فوق رأسه مبتسمًا ثم مال يهمس في أذنها ممازحًا: -مش احلى من طعمك طبعًا.
خرجت ضحكة بلهاء منها لكنه حمد الله في سره بأنها توقفت عن الحديث عنه وبدئت تذكر مواقف من طفولتها خاصة التي تجمعها مع ريان وبعد وقت ليس طويلًا استعادت رشدها بشكل كامل.
انتقل أحمد بعدها تحت أمر منها للذهاب ورؤية ابنتهم لكنه توقف في ادراجه عندما سمع صوتها الواثق وهي تخبره تحت مسامع ريان وريم برغبتها الصادمة لهم جميعًا: -أحمد أنا هسميها ريم. انفلتت الابتسامة تدريجيًا من على وجه ريان وللحظة ظن أن أحمد متعلق بريم حتى الآن للدرجة التي تدفعه لتسميه ابنته بحروف أسمها.
تجاهلت ليان الوجوم الظاهر على وجه شقيقها ونظرت في عيون ريم مؤكدة:
-دي محاولة مني اني أعبرلك عن امتناني يا ريم. -ليان مفيش داعي…. قاطعتها ليان سريعًا: -هكون مبسوطة كده أتمنى ميكونش الموضوع في مضايقه ليكي. التفتت ريم نحو ريان تجس رد فعله وتطلب مساعدته لكنها قوبلت بالجمود على ملامحه فهمست في حرج: -لا أكيد مش هتضايق. -انا بحبك يا ريان وبحبك ريم اوي وهفرح لو بنتي على اسمها يمكن تاخد صفات كتيرة منها كنت اتمنى تبقى عندي. تنفس أحمد الواقف كالصنم الصعداء اخيرًا عندما سمع اجابة ريان المقتضبة:
-دي حريتك، أنا مش هعترض دي بنتك أنتي. ابتسمت ليان في امتنان فتحرك أحمد مغادرًا تاركًا ليان تتمازح مع ريان بضرورة صراخة في طاقم العمل كي يرهبهم ويجبرهم على احضار طفلتها إلى أحضانها في الحال…. الخاتمة…جزء ثالث وأخير… في نهاية اليوم بعد ان حرص بيجاد وريان على توصيل ليان إلى المنزل، جلس بيجاد داخل بيته يحــ,,ـادث ريان على الهاتف يتشاوران فيما يخص وضع ليان ومولودتها: – يعني انت شايف لازم نعمل معاها أيه؟ – مش عارف يا بيجاد انت بتسألني أنا ليه؟
ما تشوف عايز تعمل أيه واعمله ولا أسأل مراتك!
تحدث ريان في ملل وكل ما يرغب به هو الراحة بعد يوم مليء بالضغط الذهني والجسدي لكن بيجاد سأله مستنكرًا: – انت بتتكلم بقرف ليه كده، أنا غلطان اني بكبرك؟ -بيجاد، انا كبير غصب عنك يا بابا، وبعدين انا تعبان ومش شايف قدامي لاني طول النهار واقف على رجلي مع أختك ومحتاج أنام زي الخلق. رد ريان في نبرة انفعاليه صادقة فزفر بيجاد الذي كان رده ساخرًا : – يا ساتر عليك، ما أنا كنت واقف زيي زييك ولا أنا كنت على الشازلونج !
– انا أسف يا بيجاد، ممكن أنام طيب وبكرا نقرر هنعمل أيه مع ليان وبنتها؟ قال ريان في تهكم صريح، فتمتم بيجاد اعتراضاته مغلقًا الهاتف مع شقيقه، ثم قال لزوجته المنشغلة بالسيطرة على “تيم” الباكي: – بقولك ايه أنا داخل أنام عايزه حاجة؟ رمقته وسام شزرًا دون مبرر مقنع له لكنها تمتمت باعتيادية يكمُن خلفها الكثير: – براحتك… تفحص بيجاد وجومها المريب وكاد يسألها عن سبب انزعاجها لكنها وقفت في حده تحمل “تيم” متجهة إلى المرحاض متمتمه للصغير:
– تعالى استحمى يمكن ربنا يهديك وتنام وتسيبني في حالي انت وأبوك! ارتفع حاجب بيجاد لكنه انسحب في هدوء متعمدًا عدم التعرض لها في هذه الحالة تاركًا إياها حتى تهدأ في الصباح. استلقى على فراشه متسائلًا عن سبب غضــ,,ـبها، يسترجع أحداث اليوم ولكن كل ما يتذكره هو تجوله في المشفى بين الصعود والهبوط طوال اليوم حتى سمح الطبيب بخروج ليان أخر الليل، مرت دقائق قليلة عليه لكنها كانت كافية لأن يغلبه النعاس من شدة إرهاقه ليدخل في ثبات عميق.
***** في خارج الغرفة حيث ينام بيجاد، أغلقت وسام الضوء في كل الشقة متحركة حول المكان داخل الردهة تهز صغيرها بين ذراعيها المتهالكة من رعايته بمفردها طوال اليوم. – باااد باااد …. – نايم يا تيم وانت كمان مينفعش تلعب بليل ولازم تنام وترحمني.
قالت وسام في حده وسرعان ما تحولت ملامحها إلى آسى غاضبة على بيجاد الذي لم يفكر حتى في السؤال عن حالها أو يعرض عليه المساعدة طوال اليوم، صــ,,ـابً كل تركيزه على ليان وطفلتها دون أدنى مراعاه لوجودها هي أو “تيم” الشقي.
مشاعرها تلك لم تكن نابعة من الأنانية، لأنها واعية لصعوبة الحدث الذي مر به الجميع به، لكنها رأت بوضوح كيف تعامل ريان وأحمد مع نسائهم فكلًا منهما وضع أمرأته في بداية أولوياته.
زادت تشنجات تيم في أحضانها فوضعته على الأرض غير قادرة على تحمل وزنه أكثر طالبة في خفوت:
– طيب تعالى اتمشي حوالين العفش مع ماما. كالعادة رفض تيم الاعتماد على نفسه للوقوف والمشي متمسكًا في عناد بعادة حمل الجميع له.
زفرت وسام تزداد تعبًا وغيظًا لكنها قالت في هدوء مُتكلف أثناء محاولتها في اقناعه بالوقوف على قدميه: – تيم عشان خاطري قوم بلاش دلع، ماما تعبت.
رفض في تعنت وزاد في بكاءه متمتمًا رفضه بشكل متواصل، انتصر الحزن عليها أخيرًا، تشفق على نفسها خاصة وقد تراكمت ذكريات اليوم عليها وكيف كانت كالغارقة تتجول بطفلها الذي يرفض الهدوء.
تتابعت دموعها وشهقات بكاءها فتوقف الصغير عن الحركة قبل أن يشاركها في البكاء بشكل أقوى غير قادر على فهم ملامح الحزن والإرهاق داخل عيون والدته. – كفاية عياط كفاية، أنا مش قادرة استحمل وتعبت.
قالت في نبرة عالية حادة للفراغ من حولها قبل ان ترفع ابنها في قهر متخذة خطوات عنيفة مبعثرة حيث ينام زوجها، اشعلت الاضاءة تضئ الغرفة دون ادنى اكتراث بذلك النائم قرير الأعين بينما هي لم تذق طعم النوم أو الراحة منذ أسبوع حين رحلت والدتها إلى بيت الخالة للعناية بها بعد أن كُسِر ذراعها الأيمن.
اندفعت للفراش واضعة “تيم” فوق بيجاد النائم بشيء من العنــ,,ـف دون تبرير، وتابعت بيجاد ينتفض ولكنه سرعان ما لف ذراعه حول صغيره متسائلًا في نبرة مهتزة:
– في ايه؟ – في ايه؟؟ .. في ايه؟؟
انت بجد بتسأل فيه ايه يا بيجاد! حرك رأسه يومأ في غباء يحاول استجــ,,ـماع استيعابه من النعاس بينما يربت على “تيم” الباكي كي يصمت.
صرخت وسام محركة ذراعيها حولها من الغيظ بسبب لا مبالاته وغباءه الجلي مُصرحة بما يؤرق مكنوناتها:
– فيه أني مش بنام… فيه اني تعبانه منك ومن شغل البيت ومن ابنك اللي مش بيسكت طول النهار…
فيه ان أنا واحدة ليها طاقة وليها حدود أنا مش ببطارية وانتوا بتضغطوا عليا وبتجهدوا فيا من غير ما حد يكلف خاطره يساعدني، ده حتى في المستشفى ما فكرتش تاخد ابنك وتريحني منه شويه يا مؤمن! – ممكن توطي صوتك شوية وتهدي، وبعدين هو انتِ طلبتي مساعدة مني وأنا قولت لا!
برر بيجاد يرمي باللوم عليها محاولًا التدخل وتهدئة انفجارها لكنه زاد من اشتعاله ما أن فتح فمه، ضغطت على أسنانها تتنفس من أنفها، تحاول كبح حمم من التوبيخ والتي ترغب بشدة في نفثها فوق رأسه لكنها قالت في بطءٍ ونبرة خافتة تخفي خلفها اطنان من التوعد: – انا هدخل أنام، وخليك انت قاعد بأبنك،
وإياك ثم إياك تدخل تقولي خُديه!
أغمضت جفونها لا تصدق وقاحته بأن يلقي باللوم عليها بدلًا من اعترافه بخطئه، استدارت “وسام” مغادرة من الغرفة نهائيًا متجه إلى غرفة الاطفال التي تستوطنها وقت غضــ,,ـبها دون أن تكترث بزوجها الشبه مستقلي فوق الفراش، حاملًا “تيم” أثناء متابعته لها تغادر في ذهول.
نظر إلى “تيم” الذي بدء يتفحص أصــ,,ـابع قدمه أثناء تحريكها بتركيز عالي وفم مفتوح مُتعجِب وكأنه يشاهد فيلمًا عن الفضاء الخارجي. – عجبك كده، جننت أمك وبتجنن نفسك دلوقتي. هبط “تيم” بفمه يحاول إقحام كل قدمه الصغيرة داخل فمه فهتف بيجاد محاولًا إبعادها عن مرماه:
– يا ابني انت مش كبرت على الكلام ده ولا هو مص صباع رجلك إدمان!
قولنا مية مرة الرِجل للمشي اللي انت مش عايز تمشيه ده،
مش مكسوف من نفسك وانت مبهدل أمك معاك. قضب تيم حاجبيه الصغيرين وقد استوعب نبرة التوبيخ ونظرات والده المعاتبة، زم شفتيه في غضــ,,ـب واضح وهو يرفع كفه نحو والده يحاول تقليده دون أن يدرى مدى صدق اتهامه: – لا…ات…. – مش واخدين منك غير اللماضة، لكن تيجي عند المشي والكلام الصح تقلب بطة بلدي،
تصدق بالله، أنا مستنيك تكبر شوية بس وهمرمطك معايا وخخليك تفتح الجيم كل يوم من تمانية الصبح لحد ما تسترجل.
وضعه بيجاد على الفراش جواره والضيق يتملكه لأنه مُتعب كذلك ويرغب في النوم لكن عيون ذلك المشاكس المنفرجة لا تفصح عن نوم قريب: – تعالى نتفرج على الكرتون يا غلباوي. – سيلني! – تصدق وتآمن بالله أنا فعلًا معرفتش أربي، قوم ياض حرك رجلك
أنت فاكرني أمك ده أنا أقطعك هنا. – سيلني…سيلني…سيلني….
تعالت نبرة تيم المتذمرة حتى استسلم بيجاد ومال يحمله لمشاهدة التلفاز.
مرت الساعة التالية عليهما بطيئة وكأنها عشر سنوات طويلة، أمن فيها بيجاد بإن “تيم” ليس مجرد طفل عادي وإنما هو حفيد للشياطين يعيش على امتصاص طاقة البشر.
تحرك بتروٍ يرفعه من فوق جسده إلى الوسادات المرصوفة ارضًا أمام الشاشة بجوار بعضها البعض، تنفس الصعداء عندما أستمر في نومه دون أن يستيقظ ثم توجه للداخل يحضر غطاء صغير يرميه فوقه.