جاء الصباح هادئًا تغزوه نسمات عليلة ساعدتها على الهدوء وهي تتوجه إلى مقر عملها، و على الرغم من أنها تمقت العمل مع ذلك المتعجرف ولكنها ستفعل مثلما أخبرها شقيقه، ولن تجعل اي شيء يقف عائق أمام تحقيق مُبتغاها
_ صباح الخير يا سلمى. هكذا هتفت أسيا بهدوء قابلته سلمى بابتسامة متوترة وهي تقول بتهكُم
_ يارب يسمع منك و يكون خير يا أسيا. آسيا باستفهام
_ مالك ؟ ليه بتقولي كدا؟
سلمى بخفوت
_ مستر كمال طلب مننا نجمع ميزانيات الشركة الخمس سنين اللي فاتوا و نعمل مقارنات ما بينهم و نعمله جدول بالمميزات و المساويء لكل ميزانية و ازاي دا انعكس على الشركة. اه و طلب مننا كمان نعالج مساويء كل ميزانية و في الآخر هنطلع بأكتر واحدة مضبوطة و نقدمهاله. ودت لو تُطلق ضحكة مُجلجلة سخرية من ذلك الرجُل المُتعجرف الفظ الذي لا يهتم لأي أحد، فقط يُريد تكدير صفو يومهم لا أكثر، ولكنها لم تُفصِح عن شيء مما يدور بداخلها إنما قالت بعملية
_ تمام. هنبدأ امتى؟
تفاجئت سلمى من هدوئها و عدم اعتراضها على الأمر ولكنها قالت بجمود
_ في اجتماع معاه كمان ربع ساعة، وهو اللي هيقول نبدأ امتى . اومأت برأسها قبل أن يخترق سمعها صوتًا جاف تعرفه جيدًا
_ جهزتي اللي قولتلك عليه يا سلمى؟ سلمى بلهفة
_ جهزته يا فندم، و لسه كنت بقول لآسيا على معاد الاجتماع. لم تلتفت إليه أو تُعيره أي اهتمام بل على العكس ظلت تنظر في ملف أحد الميزانيات في يدها، وقد اغضبه ذلك كثيرًا لذا قال بجفاء
_ هاتيلي قهوتي و ملفات الميزانيات على مكتبي عشان اراجعها قبل الاجتماع.
سلمى باحترام
_ تمام يا فندم. توجه إلى غرفة مكتبه، فهتفت سلمى بلهفة
_ بصي انا هروح اعمله قهوته، وانتِ خديله الملفات دي عشان يراجعها. قال يعني هيلحق يبص فيها أصلًا. دا الاجتماع خلاص كمان عشر دقايق.
اغتاظت أسيا منه ومن أوامره، ولكنها لم تُعلق فقط إيماءة بسيطة من رأسها قبل أن تحمل الملفات و تتوجه بها إلى مكتبه لتقوم بدق باب الغرفة فاجأها صوته الجاف يأمرها بالدخول فأطاعته وهي تتقدم برأس مرفوع و عينين جامدتين كالزُجاج لا تعكسان شيء، فأخذ يُطالعها بصمت يتنافى مع ذلك المكر الذي تعج به نظراته، فقد توقع أن ترسلها سلمى بالملفات بينما تقوم هي بعمل القهوة، و قد صح تخمينه فها هي أمامه الآن بتلك الهيئة الخاطفة للأنفاس بذلك الرداء الذي يُحيط بجسدها بلونه القُرمزي الذي يتنافى مع بشرتها الخمرية التي تُظهِرها تلك الفتحة الدائرية والتي تُظهِر عنقها بسخاء و تنتهي عند
مقدمة صدرها بينما يصل الفستان إلى ركبتيها كاشفًا عن سيقانها الطويلة الملفوفة بأغواء ضاعفه ذلك الحذاء العالي الكعب يطرق بقوة حين تتقدم و كأنه يُعلِن عن قدوم تلك الفاتنة التي لم تكُن تُسرِف في استخدام زينة الوجه، ولكنها كانت تتقِن استخدامها، فيبدو جمالها مُشعًا دون ابتذال إضافة إلى تلك الخصلات الناعمة التي كانت تُطلِق لها العِنان في الاسترسال حولها لتُضفي هالة من النعومة و الأنوثة على مظهرها. خرجت تنهيدة حارقة من جوفه تأثرًا بجمالها و رائحة عطرها الذي اخترق أنفه ليُعزز من انتباهه لوجودها.
_ الملفات اللي حضرتك طلبتها.
هكذا تحدثت آسيا وهي تضع الملفات أمامه ليناظرها شذرًا قبل أن ترتفع نظراته مرة أخرى إليها قائلًا باختصار
_ سلمى فين؟ لم تندهش من استفهامه انما توقعته لهذا أجابته بهدوء
_ بتعمل لحضرتك القهوة. كمال بجفاء
_ سلمى بلغتك المطلوب ايه؟ آسيا باختصار
_ بلغتني. اغتاظ من اختصارها في الحديث فقال بجفاء
_ و هتقدري تنفذي المطلوب منك؟ أرادت التعزيز من غضبه أكثر حين قالت
_ أن شاء الله. لسوء حظه كان سريع الغضب لذا هتف بحدة
_ لو مش هتقدري عرفيني. أحسن نبقى بنتعبك و تروحي تشتكينا لخالد بيه ولا حاجه؟
فطنت لما يرمي إليه لذا أرادت إغضابه أكثر حين قالت بجمود
_ لا اطمن حضرتك. هقدر اعمله عند هذا الحد لم يتمالك نفسه إذ هب من مقعده ليستدير واقفًا في مواجهتها ليقول بنبرة حادة
_ انتِ ليه روحتي اشتكيتي لخالد؟ اجفلها اقترابه منها و أغضبها في آن واحد ولكنها حافظت على هدوئها حين قالت
_ انا مشتكتش لخالد بيه. هو قابلني تحت وأصر يعرف في أي؟ و حكيتله. كمال بجفاء
_ و ليه مش حكتيلي؟
_ يمكن عشان مسألتنيش. زفر بحنق قبل أن يقول بحدة
_ أو يمكن عشان كنتِ مشغولة بأنك تهيني مريهان اكتر من انك تقوليلي اللي حصل. بكل مرة تتقابل معه يتزايد شعورها بالنفور منه و الحقد عليه و من هم على شاكلته لذا قالت بتهكُم
_ الدفاع عن النفس دا حق كل إنسان على فكرة، و دا اللي كنت بعمله بس طبعًا دا مينفعش بالنسبة لحضرتك، ازاي ادافع عن نفسي قدام مريهان هانم الوتيدي. انا كدا اجرمت طبعًا.
شعر بما يحمله حديثها من استخفاف و تصويره بأنه شخص يقبل بأن يُهان الناس من شقيقته بغير وجه حق لذا هتف مُدافعًا
_ انا مقصدتش كدا، و لو كنتِ قولتيلي اللي حصل كنت بنفسي حاسبت ميرهان. آسيا بحدة
_ مفروض كنت وسط ما حضرتك بتهيني اقولك لا معلش استنى افهمك! لا ميرسي مش محتجاك تجبلي حقي. عشان الحمد لله طلع في شخص في عيلتكوا بيحترم أن في بشر معاكوا على الكوكب و من حقهم يعيشوا بكرامتهم. عن اذنك.
اختتمت جملتها بنبرة مُتحشرجة يغلب عليها البُكاء ثم استدارت تنوي الخروج لتوقفها يده التي أمسكت برسغها و صوته المُتلهف حين قال
_ أسيا استني. تفاجئت من فعلته وتخطيه حدود المسموح به معها لتنزع ذراعها من بين يده وهي تقول بحدة
_ مستر كمال لو سمحت. انا ليا حدود و مش مسموح لحد ايًا كان مين هو يتخطاها. برقت عينيه من حديثها ولهجتها و خاصةً بأنها وضعته في خانة لا يُمكن فيها الجدال ليقول باستنكار
_ حدود!
آسيا بقوة
_ ايوا حدود، و أولها و أهمها ممنوع اللي حصل دا يتكرر تاني. انا ممتي بتخدم في بيتكوا أة. بس عرفت تربيني صح. عن اذنك.
لأول مرة في حياته يوضع في هذا الموقف المُحرج. تلك المرأة وضعته في خانة اليك، فهو لا يستطِع لومها، ولا تعنيفها على طريقتها الفظة معه، فهو من تخطى حدوده معها، و سمح لها بالتطاول معه، و كل هذا بسبب شعور غبي بالذنب تجاه ما فعلته شقيقته معها، فقد قام باستجواب سلمى و معرفة ما حدث ذلك اليوم، و ياليته ما علم فقد وضع نفسه في موقف لا يُحسد عليه جعل الدماء تغلي في عروقه، ولا يدري شيئًا عن تلك الابتسامة الماكرة التي تلون شفاهها الآن لنجاح مُخططها معه.
اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ من زَوالِ نعمتِكَ، وتحويلِ عافَيتِكَ، وفُجاءةِ نقمتِكَ، وجميعِ سُخْطِكَ). – اللهم إني توكلت عليك فأعنّي، ووفقني، واجبر خاطري، جبرا أنت وليّه. – يا رب، أدعوك بعزتك وجلالك، أن لا تصعّب لي حاجة، ولا تعظم علي أمراً، ولا تحنِ لي قامة، ولا تفضح لي سراً، ولا تكسر لي ظهراً.♥️ ★★★★★★★★★ _ ايه رأيك يا غنى يا بنتي في المكان؟
هكذا تحدث سمير ذلك الحارس الذي يعمل على حراسة هذا المبنى المكون من طابقين يصلحان ليكونا مكان لتعليم الأطفال ” حضانة” فهتفت غنى بانشراح
_ المكان حلو يا عم سمير، و هينفع يكون حضانة حلوة اوي، و خصوصًا أن الحوش كبير عشان الولاد تلعب براحتها. _ طب كويس أنه عجبك. أنا بصراحة مكنتش ناوي أأجره بس لما الحاج مرزوق كلمني مردتش ازعله، وقولت أنتِ زي وفاء بنتي .. غنى بامتنان
_ ربنا يخليهالك يارب. المهم عايزة نمضي العقد عشان ابتدي اشتغل فيه في اقرب وقت. و بإذن الله على آخر الشهر اعمل الافتتاح
_ على خيرة الله. انا هجهز العقد و بعد صلاة العشا اجيلكوا البيت نمضيه. بس قوليلي أنتِ هتبتدي لوحدك؟ يعني مش مفروض تشوفي حد يشتغل معاكِ و يساعدك؟ زمت شفتيها بتفكير فهي لم تتطرق إلى هذا الأمر بعد لذا قالت بخفوت
_ خلينا طيب نبتدي وانا هسأل كدا وأشوف حد يشتغل معايا. انا محتاجه ناس كتير اوي، و مش اي ناس . انا عايزة ناس متخصصة. _ بقولك ايه يا دكتور يزيد ما تكتبلي حاجه للقاولون احسن تاعبني اوي مش عارفة اكل منه.
هكذا تحدثت أحد النساء إلى يزيد الذي كان يسير و بجانبه روضة التي ألحت عليه لكي يأخذها في جولة في المكان، فهي تكون ابنة اخ جابر
_ قوليلي يا خالة اعتماد ايه الأعراض اللي عندك ؟