غزى الإحمرار وجنتيها و ابتلعت ريقها بحرج لا تعرف لما غمرها، وقد اقتنصت عيني رؤوف ما حدث ولكنه لم يُعقب لتلتفت إليه قائلة بلهفة تداري حرجها
ـ بقولك ايه أشجان هتفهمك في الطريق اللي حصل. عيزاك تروح تتكلم مع ماما قبل الزفت امين دا ما يروح لهم و كأن أشجان كانت قيلالك يعني أنك تقولهم بس انت اتشغلت.
طلبت منه هذا الأمر نظرًا لمكانته عند والديها و مدى ثقتهم به، وقد يخفف هذا من أمر كذبهم على الجميع بشأن عمل شقيقتها في الشركة لذا اومأ رؤوف بصمت ولكن عينيه كانت جامدة على عكس صفائها، وقد آلمها هذا الأمر و أغضبها من هذا الوغد لذا و بعد مغادرتهم قامت بالتوجه رأسًا إلى مكتب كمال الذي كان الغضب يتوهج في نظراته و يطمس وسامة ملامحه مما جعلها تُفكِر ألف مرة في الخطأ أمامه وهو في هذه الحالة
ـ مع حضرتك يا مستر كمال. اديني بس خمس دقايق و البلان بتاعت الميتنج هتكون على مكتبك.
كانت تتحدث و كأن شيئًا لم يكُن و على الرغم من أن هذا الشيء لم يُعجبه ولكنه لم يُعلق انما اكتفى بعبارة واحدة مقتضبة و مُختصرة قبل أن يتوجه إلى مكتبه
ـ متتأخريش. بالفعل لم تتأخر فقد كانت بصدد انهاء هذا العمل قبل أن يخبرها بأمر شقيقتها لتنهيه في وقت وجيز و تتوجه إلى مكتبه فوجدته يطالع بعض الأوراق خلف مكتبه ولم يُكلف نفسه عناء النظر إليها حين وضعت الأوراق امامه بل قال بنبرة جافة
ـ اقعدي.
اطاعته فبدأ يُملي عليها بعض الملاحظات وهي تدون بصمت و تتساءل ما به ذلك الرجل من يراه الآن يظن بأنه يريد **وهي التي لم تفعل أي شيء أو هكذا ظنت!
ـ هي أيه حكاية اختك وليه جوزها جه وعمل الفيلم دا؟ هكذا تحدث بعد أن انتهت من تدوين ملاحظاته، فاحتارت بما تُجيبه فلم تكُن تريد أن يعرف كل ماهو سيء عنها لذا اختصرت حديثها قدر الإمكان حين قالت
ـ هو شخص صعب التعامل شويه، و هما بينهم مشاكل أصلًا. المهم حضرتك محتاج مني حاجه قبل الميتنج؟
من حديثها المُختصر ظن أنها لا تُريد أن تتشارك معه أمورها الخاصة و عائلتها فبدأ غضبه يتقد تدريجيًا فجاءت لهجته خشنة حين قال
ـ وراكي حاجه مهمة؟ آسيا بعفوية
ـ لا كمال بصوتًا أجش
ـ يبقى خليكي معايا. للمرة التي لا تعرف عددها يتخلى عنها ثباتها و جمودها لتبقى أمامه كمراهقة خجولة تتبعثر الحروف فوق شفاهها على الرغم من أن هذه ليست طبيعتها.
ـ تمام. قالت كلمتها بعفوية لترتسم ابتسامة عريضة فوق شفتيه مما جعلها تهتف باندفاع
ـ على فكرة انا بقول الكلمة دي على طول مش عشانك ولا عشان ترد عليا بجملتك الشهيرة.
كان مستمتعًا بارتباكها و تلعثُمها كثيرًا لذا عزز منه حين قال
ـ تمام التمام. اغتاظت منه كثيرًا لتهتف بحنق
ـ هو ايه دا؟ كمال بنبرة مُستمتعة
ـ أقصد اني موافق على كلامك و مقتنع بيه. كملي و بعدين ؟ شعرت بأنه يسخر منها لذا رفعت احد حاجبيها بغيظ قبل أن تقول بجمود
ـ ولا قبلين. فاجأتها كلم\اته حين نهض من مقعده ليجلس في الآخر المقابل لها وهو يقول بنبرة خشنة
ـ تعرفي انك بتفقدي نص جمالك لما تتصنعي دور البنت المغرورة اللي مش عاجبها حد!
أصابتها كلم\اته بالدهشة و خاصةً حين أضاف بإعجاب لم يحاول إخفاءه
ـ عيونك وهي على طبيعتهم بتبقى أحلى بكتير. حاولت تفادي موجة الخجل التي غمرتها حين قالت بجمود
ـ أنا مبتصنعش اي دور، ولا احب اني اكون مغرورة انا بحب أحط حدود للناس في التعامل مش اكتر. ـ و لو حبينا نشيل الحدود دي نعمل ايه؟ استفهام لم تكن تتوقعه، ولكنها لم تفشل في الرد عليه حين قالت
ـ بتتشال تلقائي لما بطمن للي قدامي، أو لما المواقف تثبتلي أن الشخص دا جدير بالثقة.
خرج من بين شفتيه استفهامًا كان مؤرقًا بالنسبة إليه حتى أنه لم يندم على تسرعه حين قال
ـ زي اللي اسمه رؤوف دا مثلًا؟ اغتاظت من تكراره الحديث عن رؤوف بهذه الطريقة التي فيها تقليل من شأنه لذا قالت بنبرة يشوبها الحدة
ـ معلش يعني ايه حضرتك كل شويه تقول اللي اسمه رؤوف دا ! على فكرة دا ولد مكافح جدًا و كان مجتهد في دراسته ولو البلد دي فيها شيء من العدل كان زمانه معيد لإنه جايب الأربع سنين امتياز. يعني شخص زي ظا يستحق أننا نثني عليه مش نتكلم و اكنه دون المستوى ؟
كل ما حدث منذ الصباح في جهة و في الجهة الأخرى دفاعها المُستميت عنه، والذي جعل الغضب يصل إلى ذروته بداخله فهتف بصوتًا أجش به عنــ,,ـــــف مكبوت
ـ والله دفاعك عنه هو اللي يستحق أننا نثني عليه فعلًا.
شعرت بأنها تمادت قليلًا لذا حاولت ارخاء دفاعاتها قليلًا وهي تقول بنبرة أهدأ
ـ رؤوف ابن عمي، و متربيين سوى فطبيعي اني ادافع عنه. لم تفلح كلم\اتها في ردع غضبه الذي كان يطغى على كل شعور آخر لذا قال بقسوة
ـ مفهوم. اتفضلي على مكتبك.
شعرت بالحرج من حديثه ولكنها حاولت التعامل و كأن شيئًا لم يكن لذا قالت بهدوء
ـ طب والاجتماع؟ كمال بفظاظة وهو يستدير ليجلس خلف مكتبه يطالع بعض الأوراق
ـ لو اجتاجتك هبعتلك. في هذه اللحظة شعرت بأن الأمور ستنقلب ضدها وهذا التقدم الذي وصلت إليه في خطتها ذهب هباء لذا ظلت بمكانها لثوان جعلته يرفع رأسها يناظرها باستفهام
ـ هو . هو حضرتك هتروح عند ياسر امتى؟ هكذا استفهمت بحرج قابله الجمود تجاهه الذي تجلى في نبرته حين قال
ـ ليه؟
لم تساعدها إجابته وملامحه و نبرته لذا قالت بخفوت
ـ عادي مجرد سؤال. كمال بقسوة كان يقصدها
ـ مجرد إجابه ميخصكيش. كان هذه الجفاء شيء جديد لم تتوقعه منه بتاتًا، ولدهشتها لم تشعُر بالحرج قط انما بالألم من معاملته لها لذا تمتمت بخفوت
ـ بعتذر. عن اذنك. ما أن أغلقت الباب خلفها حتى القى بالورقة من يده وهو ينفث النيران من أنفه، فهذه المرأة حتمًا تتلاعب به. تتقصد كل شيئ تفعله حتى تجعله على حافة الجنون كما هو الآن فود لو يذهب إليها و يهزها بعُنف وهو يسألها ماذا تريد منه؟
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا معاشِي، وَأَصْلِحْ لي آخِرَتي الَّتي فِيهَا معادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لي مِن كُلِّ شَرٍّ.♥️ ★★★★★★★★