لكنه تأثر بلهجتها الحزينة ودموعها، فرفع وجهها إليه وقال بلهجة حانية عكس ما سبق:
“إن شاء الله هتبقى كويسة، متقلقيش.”
نظرت إليه باندهاش من ذلك الوسيم الذي خطف قلبها من أول وهلة، ولمَ لا؟ فهو يملك جميع مقومــ,,ـات فارس أحلامها الذي لطالما رسمته في خيالها. يشبه كثيرًا أبطال مصاصي الدماء الذين كانت تعشــ,,ـقهم، تحب هذا النوع من الأفلام… لكنها لم تكن تعلم أنه يشبههم شكلاً وموضوعًا!
أضاف أدهم مستفسرًا:
“هو إيه اللي حصل وصلها للحالة دي؟”
ارتبكت غرام كثيرًا… هل تخبره أن كاميليا زوجة أخيه الهاربة هي ابنة خالتها، وأنها كانت في بيتهم طوال هذه الفترة؟!
أنقذها من مأزقها رنين هاتفها، فكان عمرو يستعجلها ليذهبا إلى المنزل لإحضار بعض المتعلقات لكارما التي ستبقى مع والدتها هذه الليلة.
أغلقت غرام الهاتف قائلة لأدهم بارتباك:
“أنا همشي بقى عشان أجيب حاجات لكارما من البيت عشان هتبات مع ماما النهاردة.”
فاندفع أدهم بلهفة قائلاً:
“طب تعالي أوصلك.”
فقالت غرام دون وعي:
“لأ، خليك… هروح مع أصحابي ومش هتأخر، عن إذنك.”
وخرجت لاهثة، فقد كان كل ما يهمها هو أن تهرب منه قبل أن يسألها عن شيء آخر. كانت خائفة من ردّة فعله عندما يعلم بحقيقة علاقتهم بكاميليا…
لقد أصــ,,ـابها الهلع حين تخيلت أن يكون رد فعل أدهم مثل رد فعل مازن الذي، رغم عشــ,,ـقه لكارما، ثار وأنهى علاقتهما كما أخبرتها شقيقتها. فلم يكن أمامها سوى الهروب خوفًا من تلك المواجهة.
لكنها لم تكن تعلم أنها أثارت شكوكه حولها.
فهو رجل جُرح بشدة وتعرّض للغدر من أقرب الناس إلى قلبه، فبات يشك في الهواء الذي يتنفسه. وقد لاحظ ارتباكها وظن أن له علاقة بتلك المكالمة التي أنهتها ولم تجب عليها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يتبعها، فقد كان الفضول يقرضه من الداخل لمعرفة سبب ارتباكها…
خرجت غرام من المستشفى فوجدت عمرو بانتظارها، ولما رأى هيئتها سألها بلهفة:
“غرام! مالك؟ وشّك أصفر كده ليه؟ وبتنهجي؟! طنط كويسة؟”
فهزت رأسها نافية، وهطلت الدموع من عينيها. جذبها عمرو مهدئًا إياها، فتمسكت به بشدة، تشكوه حزنها بصمت… غافلين عن تلك العيون المشتعلة بنيران الغضــ,,ـب والحزن معًا.
قال أدهم من بين أسنانه:
“ده إنتِ مقضياها بقى! من ده لده… الصبح مع واحد، ومن شوية معايا، ودلوقتي مع واحد تاني!”
زفر أدهم وقال بسخــ,,ـرية مريرة:
“لا! وقلبي الغبي كان مفكرك غيرهم! كلكم زي بعض…
كلكم خيانة وما لكمش تمن.”
ثم لمعت عيناه بنظرات سامة قائلاً بوعيد:
“بس ماشي يا غرام… أنا هوريك.”
ثم انصرف إلى الداخل وهو يتوعد لها.
—
في منتصف الليل، جلست كاميليا في الظلام على ذلك السرير الواسع، تحتضن ركبتيها إلى صـ,,ـدرها، وتهطل دموعها كالأنهار بصمت.
لماذا لا تصبح الحياة عادلة ولو لمرة واحدة معها؟!
حرمتها من أحضان والديها لتتربى يتيمة، تعاني من ذلك الشعور القاتل بالوحدة، لكنها قاومت ولم تضعف.
وحين فتحت لها ذراعيها بحب يوسف، جاء الماضي المرير وذلك السر الدفين ليحرمها أيضًا منه.
لكن هذه المرة لم تعد قادرة على المقاومة… فمن كان الحامي والداعم لها في هذه الحياة القاسية، يراها الآن عدوته!
من كان يرسم لها طريق السعادة ويفرشه بالورود، أصبح يعدها بالحزن والشقاء، مستبدلًا الورود بأشواك تزرعها نظراته المحتقرة في قلبها الحزين الذي حُكم عليه بالألم والعذاب، ودفع ثمن خطأ ليس له ذنب فيه.
دخل يوسف الغرفة بأمر من قلبه الذي لم يطاوعه تركها كل هذا الوقت، خصوصًا عندما رفضت تناول الطعام.
يوسف:
“لسه برضه بتقعدي تعيطي في الضلمة لما بتكوني زعلانة؟”
تابع بتقريع:
“بس يا ترى زعلانة ليه يا كاميليا؟
عشان رجعتك تاني…؟!”
ولما لم يجد منها إجابة، أردف بسخــ,,ـرية:
“أوعي تكوني زعلانة من كلامي إني هعيش حياتي! ده يوسف كالعادة اللي بينفذلك كل طلباتك!”
رفعت كاميليا أنظارها الواهنة إليه، فصُدم يوسف من هيئتها المزرية: عيون منتفخة من كثرة البكاء، أنف محمر، شعر مشعث…
جذب نفسه من غرفتها بكل ما أوتي من قوة. ففي هذه اللحظة بالذات كان قادرًا على غفران كل شيء مقابل ألا يراها بتلك الهيئة. فهي عشــ,,ـقه الذي لا يستطيع مواجهته أو التظاهر بعدم وجوده…
وكأن ما يعتمل بداخله من وجع لم يكن يكفيه، جاءت هي لتنطق اسمه بتلك الطريقة التي جعلته يطبق قــ,,ـبضته بشدة حتى برزت عروق يده. كان يمنع نفسه بصعوبة من الالتفات إليها وسحقها بين ذراعيه، لينسيها وينسى معها كل ذلك الألم الذي يفتت قلوبهما.
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى فاجأته بتلك القنبلة التي اخترقت قلبه وبعثرته إلى أشلاء:
“أنا بحبك يا يوسف.”
يتبع …