Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 2

—
في مكانٍ ما مجهول، نجد تلك الفاتنة تبكي وتنتــ,,ـحب على قدرها، الذي هربت منه كي لا تؤذيه، فعاد هو وأجبرها على الرجوع فقط لينتقم منها…
عودة لوقت سابق:
“من أول ما خرجتي من البيت وأنا عارف إنتي فين… أما هعمل فيكي إيه؟ دي بقى مش محتاجة أقولها… عشان هتشوفيها بعينك!”
اندفعت كاميليا بفزع، فقد شاهدت في عينيه نظرة مرعبة لم ترها من قبل:
“إنت تقصد إيه يا يوسف؟ هتعمل فيَّ إيه؟!”
يوسف بسخــ,,ـرية:
“معقول كاميليا الحسيني خايفة وبتترعش!

وما كنتيش خايفة ليه وإنتي بتهربي، وسيبالي ورقة تقولي فيها إنك عايزة تعيشي حياتك… وعايزاني أنا كمان أعيش حياتي؟!”
فلم يجد منها أي رد، سوى أنهار من الدموع تنساب من عينيها الجميلتين، وتنزل على قلبه تحــ,,ـرقه وتفتت خلايا روحه… فهو ما زال يعشــ,,ـقها، وكم كان يكره أن يرى دموعها.
فقال بصوت حاول أن يكون حازمًا:
“ما تعيطيش… ما تفكريش إن دموعك دي ممكن تأثر فيا!”
كاميليا بأسى:
“ما أنا بعيط عشان كده يا يوسف… عشان عارفة إن دموعي مش هتأثر فيك.”
هب يوسف واقفًا، مولّيًا إياها ظهره، محاولًا قدر الإمكان أن يحافظ على ثباته أمامها.

يكفيه تحطم قلبه من الداخل لذلك الألم الذي تنطق به عيناها، ولنبرة الانكسار التي تتحدث بها.
فقال يوسف بسخــ,,ـرية، يختبئ خلفها خوفًا من أن ترى ضعفه:
“قوليلي يا كاميليا… عشتي حياتك زي ما كنتي عايزة؟”
كاميليا بعدم فهم:
“تقصد إيه؟”
يوسف:
“يعني أديكي مشيتي، وخلصتي من حصاري! ها، قوليلي بقى… عملتي إيه اللي أنا كنت بمنعك تعمليه؟!”
ففطنت إلى ما يقصده، فقالت بجفاء:
“هو مش إنت كنت عارف عني كل حاجة من أول ما خرجت من البيت؟ يبقى أكيد عارف أنا عملت إيه.”
سب يوسف بداخله وقال بغضــ,,ـب:

“لما أسألك تجاوبي، وما تختبريش صبري… عشان ما بقاش ليكي رصيد جوايا يشفعلك عندي! والدلع بتاع زمان خلاص انتهى!”
تحركت كاميليا من مكانها واقتربت منه ببطء، ناظرة إلى داخل عينيه بقوة قائلة:
“ولما إنت ما بتحبنيش، وما بقاش ليا جواك رصيد، ولا بقيت أُهِمّك… رجعتني ليه يا يوسف؟!”
فلم تجد منه ردًا، فأكملت مقتربة منه للحد الذي اختلطت أنفاسهما فيه، قائلة:
“أقولك أنا… عشان وحشتك زي ما إنت وحشتني… ومش قادر تتحمل بعدي زي ما أنا بمــ,,ـوت في بعدك.”
صمتت لثوانٍ ثم أكملت:

“وعشان ده (وأشارت إلى قلبه) حسّ بدا (مشيرة إلى قلبها)… وهو كل ليلة بيصرخ ويناديه ويقوله إن الدنيا دي صعبة ومش بتتعيش من غيره…”
تشبثت بقميصه وأطلقت تنهيدة زلزلت كيانه:
“قلبك جابك غصب عنك لحد عندي، عشان عارف إنه مالوش مكان غيري يا يوسف… وإن قلبي مهما لف ودار مالوش غيرك.”
وهطلت دموعها بغزارة تبلل قميصه. فاتقن رسم الجمود على ملامحه، محاولًا ألّا يضعف أمام عشــ,,ـقه لها، الذي سيجبره حتمًا على الخضوع لسحرها.
وأخفض رأسه، فلفحت أنفاسه عنقها، قائلًا بهمسٍ قاتل:

“عشان أعيش حياتي قدام عينيكي يا كاميليا… وتشوفيني بعينك مع غيرك!”
انسحب يوسف سريعًا حتى لا ينظر إلى عينيها، خوفًا من ضعفه أمامها. فقد كانت كلمــ,,ـاتها كسهام تخترق صـ,,ـدره. فبقدر ما ألمته، كان عشــ,,ـقه لها… فذلك القلب الخائن يصارعه الآن ويصرخ مطالبًا بها. لكن رجلًا مثله اعتاد على الانتصار في جميع معاركه، فأبى أن يتحكم به قلبه ويهزمه أمام تلك التي تسلب منه الهواء الذي يتنفسه…

********
في أروقة أحد المستشفيات، كانت كارما تجلس محتضنةً أختها، تبكيان في صمت خوفًا على والدتهما… اقترب علي من أختيه محاولًا تهدئتهما وبثّ الطمأنينة التي لا يمتلكها، فهو بداخله يمــ,,ـوت رعبًا خوفًا من أن يفقد والدته، فهي كل ما تبقّى له في هذه الحياة، لكنه يخفي خوفه بداخله؛ فمثله لا ينبغي له أن يضعف أبدًا، فهو مصـ,,ـدر الأمان لأسرته الصغيرة.
خرج الطبيب من الغرفة فهرولوا ثلاثتهم إليه متلهفين لسماع الأخبار.
صاح علي بلهفة:

ــ “طَمّني يا دكتور، ماما مالها؟”
ــ “مخبيش عليكم يا جــ,,ـماعة، والدتكم قلبها تعبان ولازم تبعدوها عن أي صدمــ,,ـات عشان ما يجلهاش أزمة تاني.”
انتخبت غرام بألم تجلّى في نبرتها حين قالت:
ــ “يعني إيه يا دكتور؟ يعني ماما ممكن تروح مننا في أي وقت؟”
فأجاب الطبيب بعملية:
ــ “كلنا ممكن نروح في أي وقت، كل واحد مكتوب له قدره وساعة مــ,,ـوته متحددة من يوم ولادته. المطلوب منكم دلوقتي إنكم متعرضوهاش لأي صدمــ,,ـات تاني، وتحاولوا تنفذوا كل طلباتها، وربنا هو الشافي.”
قالت كارما برجاء:

ــ “طب ممكن نشوفها يا دكتور؟”
ــ “حاليًا لا، هنستنى لما حالتها تستقر وبعدها ننقلها لأوضة عادية، وقتها تقدروا تشوفوها.”
ألحّ علي قائلًا:
ــ “دكتور أرجوك، خمس دقايق بس. أوعدك مش هرهقها ولا هتعبها.”
فأذعن الطبيب لرجائه:
ــ “تمام، خمس دقايق بس… اتفضل على أوضة التعقيم عشان يجهزوّك.”
اقترب علي من سرير والدته فوجدها نائمة كالملاك، فنظر إلى وجهها الشاحب تحيط به الخراطيم من كل جهة، ففرت دمعة من عينيه حزنًا ووجعًا عليها.

والدته منذ نعومة أظافره كانت صديقته المقرّبة، فلم تكن يومًا أمًا عادية، بل كانت تقوم بدور الأب والأم معًا منذ وفــ,,ـاة والده، ولم تشعره هو وأختيه يومًا بالنقص.
اقترب ووضع قبلة حانية على جبينها قائلاً بحزن:
ــ “أمي، أرجوكي ما تسيبينا، إحنا ملناش غيرك. إنتِ كل حاجة في حياتنا. قومي وأوعدك كل حاجة هتتصلح وهتبقي كويسة. أوعدك محدش هيضايقك ولا هيزعلك أبدًا…”
صمت لثوانٍ ثم تابع بحــ,,ـرقة:

ــ “إنتِ وعدتيني إنك عمرك ما هتسيبيني… نفذي وعدك وارجعيلي تاني.”
ثم أمسك بيدها وقبّلها بلطف، وأسند جبينه على كفّها، فانهمرت دموعه كالفيضان، لم يستطع التحكم بها… وفجأة شعر بيدها تتحرك، فالتفت إليها بلهفة قائلًا:
ــ “ماما، إنتِ سمعاني صح؟”
فحركت يدها نازعةً جهاز الأكسجين، وتحدثت بضعف:
ــ “كاميليا يا علي… أرجوك رجّعها لي وما تسيبهمش يأذوها زي ما أذوا خالتك الله يرحمها.”
قال علي بلهفة:
ــ “فوقي إنتِ بس يا حبيبتي وقومي بالسلامة، وهتلاقي كاميليا مستنياكي… بس إنتِ شدّي حيلك وارجعيلنا من تاني.”
قالت فاطمة بتأكيد:

ــ “وصيتك كاميليا يا علي… احميها يا ابني، وأوعي تخلي حد يأذيها أبدًا.”
قال علي بحزن:
ــ “أرجوكي يا أمي، ما تقوليش كده. كاميليا محدش هيقدر يأذيها، وهترجع وتاخديها في حضـ,,ـنك ونرجع نعيش كلنا مع بعض. ارتاحي دلوقتي، ووعد مني هتصحي تلاقيها موجودة إن شاء الله.”
خرج علي من غرفة والدته فوجد أختيه بانتظاره، فاحتضنهما معًا وقال مطمئنًا:
ــ “ماما كويسة، وهترجع في وسطنا قريب إن شاء الله. مش عايز أشوف واحدة فيكم بتعيط أو حزينة.”
قالت كارما بلهفة:
ــ “بجد يا علي؟”
واندفعت غرام قائلة:
ــ “يعني هي بقت كويسة؟

نقدر نشوفها؟”
فأجاب علي بطمأنة:
ــ “هي كويسة الحمد لله، بس دي مجرد إجراءات عشان يتأكدوا من سلامتها.”
ثم التفت إلى كارما ممازحًا:
ــ “إيه يا ست الدكتورة! أمال إنتِ قاعدة في كلية طب كل دا بتعملي إيه؟”
أطلقت كارما تنهيدة حارة وقالت:
ــ “والله يا علي، أول ما شوفت ماما واقعة كده، نسيت اسمي ونسيت إني دخلت الطب من أساسه.”
تدخلت غرام مازحة:
ــ “يا خويا اسكت… دي فقدت النطق لما شافت ماما واقعة! وبدل ما تلحقها معايا كانت عايزة اللي يلحقها هي!

لولا إن عمرو كلمته جه جري ولحقناها وجبناها المستشفى… وكل دا والهانم لسه تحت تأثير الصدمة! بلا نيلة… دي عيلة هفأ أصلًا ما منهاش فايدة!”
شاطرها علي المزاح قائلًا:
ــ “لا يا شيخة! يعني الواحد لو جراله حاجة في أي وقت، مايعتمدش عليكِ؟ هيلاقيكِ مفيصة قبله! ودم قلبنا اللي صرفناه عليكِ في كلية الطب راح بلح! روحي يا شيخة… وتعالي بسرعة، أحسن تتوهي ويخطفوكي وياخدوا عنيكي اللي شبه عيون القطط دي، وإحنا بصراحة مفناش نفس ندور على حد.”
صاحت كارما بغيظ:
ــ “نعم يا حبيبي منك ليها! إنتوا هتعملوا عليّا حفلة ولا إيه؟

ده أنا أحسن دكتورة فيكِ يا إسكندرية! هي بس أمك اللي خدتني على خوانة.”
قال علي بتهكم:
ــ “تصدقي غلطانة؟ ملهاش حق عندي! أنا المرة الجاية، إن شاء الله لما تنوي يجي لها أزمة قلبية، هخليها تعرفك قبلها تعملي حسابك.”
فانفجروا ثلاثتهم ضاحكين، فاحتواهم علي بشدة، فهو يعشــ,,ـق أختيه ولا يستطيع أن يرى حزنهما أبدًا.
وكان كل هذا يحدث أمام مازن، الذي كان يودّ لو يقترب من كارما ليحتويها ويمتصّ منها جميع أوجاعها، فهو برغم غضــ,,ـبه الشديد منها مازال يعشــ,,ـقها، ولم يتحمّل عندما حــ,,ـادثته غرام لتخبره بمرض والدتهم وحال كارما.

********
خرجت غرام من المستشفى لتعود إلى المنزل مع عمرو ابن عمها وأخيها في الرضاعة، فاصطدمت بأدهم الذي كان يحــ,,ـادث مازن، فعلم منه ما أصــ,,ـاب فاطمة تلك السيدة الحنونة التي أحبها وكأنها والدته، فجاء ليطمئن عليها… أو هكذا أقنع نفسه.
كادت غرام أن تقع، لكن ذراعيه القويتين منعتها. لم تلحظه غرام التي قالت بغضــ,,ـب:
“مش تفتح يا أخينا انت…!”
لكنها صُدمت عندما رفعت عينيها فوجدت أدهم أمامها، فاحمرت وجنتاها بشدة وقالت بخجل متلعثمة:
“أ.. أ.. أدهم! إيه دا؟

إنت إيه اللي جابك هنا؟”
أما أدهم فكان في عالم آخر، لا يرى شيئًا سوى عينيها التي تربكه وتهدم جميع حصونه بنظراتها القاتلة…
فهو الذي أقسم ألّا يعرف للعشــ,,ـق طريقًا بعد تلك التجربة المريرة التي تركت بداخله ندبة كبيرة جعلته إنسانًا قاسيًا لا يعترف بالمشاعر ولا بوجود النساء إلا لتلبية غريزته فقط.
لكن هذه الفاتنة باتت صورتها لا تفارق مخيلته في أحلامه ويقظته، ضاربة عرض الحائط كل حصونه ودفاعاته وذلك اليمين الذي أقسمه ألا يمس الحب قلبه أبدًا.

رائحتها العذبة أصبحت كمخدر له، وها هو يتطلع إليها وهو شبه مغيب عن الواقع، فهي قريبة منه إلى حدٍّ غير مسموح به، تنظر إليه بتلك الطريقة التي تزلزل كيانه…
أفاق أدهم من شروده على صوتها وهي تنظر إلى يديه قائلة:
“إحم… أدهم، أبعد لو سمحت…”
فسحب أدهم يديه بعنــ,,ـف من حولها حتى كادت أن تسقط، لكنه هذه المرة لم يتجرأ على مساعدتها، يعلم أنه لو اقترب مرة أخرى فلن يستطيع التحكم في نفسه، فتلك المرأة تقوده إلى الجنون.
لم يرها سوى مرات قليلة، لكنها تحتل تفكيره، وتملك عليه سلطة غريبة لا يعرف كنهها…
قال بلهجة جافة:

“طنط فاطمة عاملة إيه؟ أنا جيت أطمن عليها لما عرفت من مازن.”
فرّت غرام بنظراتها متنهدة قائلة:
“علي بيقول إنها بقت أحسن، بس مينفعش نشوفها دلوقتي.”
أخفضت غرام عينيها حتى لا يرى دموعها.

انت في الصفحة 6 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى