الوجه السابع للعشــ,,ـق
أحتاجك.. أعترف لك مثلما يعترف المحكوم عليه بجريمه
لم يرتكبها و هو في طوق المشنقة، كي يُبرر لنفسه نهاية لا يُريدها
لقائلها ..
همست بوهن:
“يوسف!”
وجدته يعتصر قــ,,ـبضة يده بشدة، فهو يقاوم قلبه عن الالتفات لها، فرقَّ قلبها على حاله وحالها.
فنطق قلبها، وردد لسانها بتلك الكلمة التي كالسهم استقرت في منتصف قلبه:
“بحبك يا يوسف.”
صُدم يوسف الذي كان منذ برهة يعاني مع قلبه المشتاق، وكبرياؤه الجريح، لتحسم هي أمرهما سريعًا بتلك القنبلة الموقوتة.
فالتفت لها وهو غائب كليًا عن الواقع، لا يرى أمامه سوى معشوقته التي يتلظى الفؤاد بنيران عشــ,,ـقها، فتقدَّم منها بقلب قد بلغ به الشوق ذروته، يريد أن يطفئ بها نيران عشــ,,ـقه…
ولكن مهلاً؛ فرجل مثله يمتلك من الكبرياء ما يجعله يتحمَّل أن تأكله النيران حيًّا دون أن يرمش له جفن، على أن ينطفئ بمن طعــ,,ـنت كبرياءه ورجولته بخنجر الغدر، وغادرته دون ذرة ندم.
فحين أوشك على أن يقربها منه، نهره عقله بشدة؛ فحتى إن كان هذا القلب الخائن قد سامحها، فحتماً سيكون عقله له ولها بالمرصاد.
فأمسك معصميها بكلتا يديه بشدة حتى كادا أن ينخلعا بين يديه، وقال بصوت أجش من فرط الوجع والاشتياق في آن واحد، فقد كان يتقدَّم خطوة وتتراجع هي أخرى:
“قولِيلي سبب واحد بس مقنع أضحك بيه على نفسي وعلى كرامتي اللي دوستي عليهم يوم ما هربتي مني… سبب واحد بس يخليكِ تهربي وتسبيني بعد كل اللي كان بينا. للدرجة دي أنا مفرقتش معاكي؟”
كان القهر يقطر من بين كلمــ,,ـاته حين تابع:
“للدرجة دي حبي اللي كنت مغرقك بيه كان ولا حاجة بالنسبالك؟!”
صمت لثوانٍ، وعيناه تحاوطها بألم تجلَّى في نبرته حين قال:
“إيه؟ كنتي بتتسلي؟
وبعد ما لقيتي إن الموضوع دخل في الجد قولتي تهربي تشوفي تسلية جديدة؟ ردي عليّاااا!”
قال جملته الأخيرة صارخًا، مما جعلها ترتجف رعبًا ووجعًا من حالته، فانهارت بين يديه قائلة:
“أرجوك يا يوسف، متقولش كده. أنا عمري ما كنت كده… معقول مش عارفني؟! غصب عني والله…”
طرأ من عمق وجعه استفهام مُلح:
“طب ليه سبتيني بالطريقة دي؟ ردي عليّا، وارحميني من العذاب اللي رميتيني فيه!”
أخذت تبكي بانهيار؛ فهي لن تقدر على إخباره بوجعها، ولن تتحمَّل أن ينظر إليها باحتقار أبدًا، فهي تعشــ,,ـقه حد الجنون، ولا شيء قادر على كسرها سوى كرهه لها وابتعاده عنها.
فهو بمثابة مــ,,ـوت لها، وإن كانت كل الطرق تؤدي إلى المــ,,ـوت، فلتختر المــ,,ـوت بكرامة وبعض من الكبرياء…
تعرف أن بعد كلمــ,,ـاتها التالية سوف تخسره للأبد، ولكن هذا ما عهدته من هذه الحياة: العذاب، والوحدة، واليُتم أيضًا…
فها هي على وشك خسارة حياتها المتمثِّلة فيه.
فقالت بحنان ووجع، أمٍّ على وشك وداع فلذة كبدها:
“أنا مكذبتش عليك أبدًا يا يوسف، أنا فعلاً حبيتك وعشــ,,ـقتك…”
لم يمهلها يوسف الفرصة لتكمل؛
فعندما نطقت تلك الكلمــ,,ـات، وكأنها نفخت الروح بقلبه ليحيا بحبها من جديد، اندفع يقربها منه بقوة، يبثها كل عشــ,,ـقه وشغفه، وكأنما يريد أن يُرمم بها جروح قلبه التي خلفها غيابها…
لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لها، فقد كانت تبادله شغفه وعشــ,,ـقه بجنون… تناسى كلاهما العالم، ولم يبقَ سوى قلبيهما اللذان أذابهم العشــ,,ـق، واتحدا بعد شهور من العذاب.
تركها يوسف على مضض، وكانا كلاهما يلهثان من جراء تلك المعركة، والحقيقة أنه كانت هناك معركة من نوع آخر تدور بداخلهما…
فعقله يؤنبه بشدة لضعفه أمامها، وتركه العنان لمشاعره التي لطالما تحكَّم بها، بمجرد كلمــ,,ـات حب واهية لم تردعها عن هجره… ومن ناحية أخرى، كان قلبه يشعر بصدقها وعمق مشاعرها، ويتوسل له ألا يحكم عليه بالمــ,,ـوت، فالحياة بدونها بمثابة مــ,,ـوت بالنسبة له…
وكان هو بالمنتصف، حائرًا بين تأنيب عقله وتوسلات قلبه، ويا لها من حيرة تقود الإنسان إلى الجنون…
أما عندها، فكانت معركة تُدمي القلوب وتفتتها…
فهي وحيدة ضعيفة، خائفة من شبح ماضٍ بات يحاصرها من جميع
الاتجاهات، فلا هروب منه سوى بمــ,,ـوتها…
فالمــ,,ـوت هو النهاية الحتمية لتلك الحياة البائسة، ولكن المــ,,ـوت بكبرياء أفضل كثيرًا من المــ,,ـوت على قارعة طريق مليء بالإذلال والازدراء…
هكذا أخبرها عقلها، والمثير للدهشة والحزن أيضًا أن يستسلم قلبها لذلك الخيار؛ فلا قدرة له على تحمُّل نظرة احتقار من عينين طالما رأت بهما العشــ,,ـق والحنان…
حسمت أمرها أخيرًا، فلم تكد تتحدث حتى سبقها يوسف قائلًا بصوت أجش:
“إحنا لازم نتكلم.”
دبَّ الرعب في أوصالها، وكأنما جميع قراراتها تبخرت في الهواء؛ فها قد جاءت اللحظة التي تمنَّت كثيرًا ألا تأتي. وحاولت منع دموعها بصعوبة.
نظر يوسف إلى ارتجاف يديها، ورفرفة رموشها كأنها تحارب دموعًا على وشك الهطول، ورعشة شفتيها، فصرخ قلبه قائلًا: ألم أقل لك…
قد كانت كمن يخوض معركة داخلية ترهقه، حتى بات الألم جليًا على ملامح وجهها.
خاطبها يوسف قائلًا بحنان:
“كاميليا…”
فأخفضت رأسها خوفًا من أن يرى ذلك العذاب في عينيها…
فوضع يوسف يده أسفل ذقنها، رافعًا رأسها قائلًا بنفس اللهجة الحانية:
“ياااه! أول مرة تخبّي عيونك مني!”
كاميليا بوهن:
“أرجوك يا يوسف…”
يوسف مقاطعًا:
“قبل ما تقولي أي حاجة خليكي فاكرة إني أمانك وحمايتك، وإني عمري ما هسمح لحد أو لحاجة تأذيكي. أوعي تخافي من حاجة وأنا موجود… أنا ممكن أهد الدنيا وأبنيها عشان خاطرك. وأنا قولتلك الكلام ده قبل كده، وبرغم إني مبعيدش كلامي مرتين، بس هعيده عشان خاطرك…”
لملمت كاميليا شتات نفسها وقالت بثقة واهية:
“إحنا لازم نتكلم زي ما إنت قولت…”
“تمام، نتكلم… تعالي اقعدي.”
أجلسها بجانبه على الأريكة؛
فقد اشتاقها حد الجنون، فكان غير قادر على إبعادها عنه ولو لبعض سنتيمترات…
فسحبت نفسها وجلست على جانب السرير المقابل له، فهي تعلم أن ذلك الماكر أجلسها بقربه كي يؤثِّر عليها بسحره الفتَّاك…
فهم ما فعلته، فأسند ظهره على الأريكة يناظرها بغموض، فوجدها تبتلع ريقها بصعوبة، فلاح شبه ابتسامة على جانب شفتيه، ونظر لها مضيِّقًا عينيه قائلًا:
“سامعك…”
ارتبكت كاميليا قليلًا وابتلعت ريقها بتوتر، فهي لا تعلم كيف تبدأ الحديث، خاصةً وهو ينظر لها بتلك الطريقة التي تجعل قلبها ينتفض، يود لو يخرج من بين ضلوعها من شدة خفقاته.
فلاحظ حالتها فقال بخشونة:
“ساكتة ليه؟
ولا مش عارفة تبتدي منين؟”
زاد ارتباكها، فهو لا يزال يعرفها جيدًا، ويعلم ما يدور برأسها دون الحاجة إلى الحديث. فكيف لها أن تخبره ما انتوت عليه من دون أن يشك بها؟
تحدث بنفاذ صبر، فهو لن يترك لها فرصة للتفكير:
“هربتي ليه يا كاميليا؟”
زادت وتيرة أنفاسها، وتعالت دقات قلبها، وزاد توترها…
اللعنة عليه، فهو لا يمهلها بعض الوقت لتستجمع أفكارها.
فقالت باندفاع وغضــ,,ـب:
“عشان حاسة إني اتسرعت… أقصد إننا غلطنا واتسرعنا. يعني ماشي، أنا حبيتك، بس ده لإني معرفتش غيرك… فتحت عيوني لقيتك قدامي. كنت عايزة أختبر مشاعري ناحيتك.
مش ممكن يكون مجرد إعجاب، أو يكون امتنان عشان طول عمرك واقف جنبي وبتحميني… أنا محبتش أخدعك.”
هل من العدل أن يكون الإنسان مسيَّرًا دائمًا؟ وعندما تعطيه الحياة فرصة الاختيار، يكون الاختيار حول كيفية هلاكه…؟ كمن يُخيَّر أن يُــ,,ـ بالسكيــ,,ـن أم يُــ,,ـ بالسم؟!
هل ينتابه الفرح لحصوله على فرصة أن يكون صاحب القرار مرة يتيمة طوال حياته البائسة؟! أم يحزن لكون تلك الفرصة ستودي به وتلقي به في قاع الجحيم الذي لا نهاية له…؟
نورهان العشري
مازن: “عايز أتكلم معاك.”
أومأ علي برأسه، والتفت إلى كارما التي كانت تتابع حديثهما بخوف، قائلًا:
“هنزل الكافيتريا أنا ومازن، استنّيني هنا شوية وأنا طالع.”
أومأت بصمت، وهي تتحاشى النظر إلى مازن الذي كان يعلم مقدار غبائه معها، ولكنه لم يتحدث، وانصرف مغادرًا مع علي.
نزل كلٌّ من مازن وعلي إلى مقهى المستشفى، وما إن جلسا على الطاولة حتى تكلّم علي بحدّة قائلًا:
“يوسف فين يا مازن؟”
تنهد مازن قائلًا:
“معرفش.”
فردَّ علي بغضــ,,ـب:
“لا، إنت عارف يا مازن. إنت صاحبه الوحيد وابن خالته، وأكيد عارف مكانه.”
مازن بغضــ,,ـب:
“قولتلك معرفش يا علي.”
علي بحدّة قائلًا:
“يعني إيه متعرفش؟! أمال مين اللي يعرف؟”
مازن ببرود:
“بما إني صاحبه الوحيد وابن خالته ومعرفش، يبقى محدش يعرف.”
استشاط علي غضــ,,ـبًا فقال بصياح:
“لآخر مرة هسألك، يوسف أخد كاميليا وراح على فين يا مازن؟”
فجاء صوت أدهم الذي أخبرته كارما بجلوسهما في المقهى، فتبعهم وفوجئ بذلك الشجار، وعلى يتساءل عن مكان كاميليا ويوسف:
“وانت مالك ومال كاميليا؟ وتعرفها منين؟”
زفر مازن بحنق قائلًا:
“كاميليا تبقى بنت خالة علي، وكانت قاعدة عندهم من يوم ما هربت.”
عقد أدهم حاجبيه وقال بدهشة:
“بنت خالته إزاي يعني؟ إنت أكيد بتهزر! إيه اللي لمّ الشامي عالمغربي؟”
وجَّه علي حديثه لأدهم بغضــ,,ـب قائلًا:
“أخوك خطف بنت خالتي وودّاها فين يا أدهم؟”
سخر أدهم من حديثه قائلًا:
“هو في حد برضه يخطف مراته يا حضرة الظابط؟”
أجابه علي بحنق:
“ولما مراته تهرب منه وتروح على المكان الوحيد اللي عمره ما هيلاقاها فيه، ده تسميه إيه؟”
أدهم بحدّة:
“ده أسميه غباء… الست اللي تسيب بيتها وجوزها وتهرب من غير ولا كلمة، دي تبقى غبية… أو تبقى حاجة تانية مش هقدر أقولها، بس الناس بره هتقولها.”
اهتاج علي من طريقة حديثه عن كاميليا، فأمسك أدهم من تلابيبه قائلًا بصياح:
“إياك تتكلم عن بنت خالتي بطريقة مش كويسة، فاهم؟
ولا أفهّمك بطريقتي؟”
أدهم بصياح بعدما أمسك ياقة قميص علي:
“وريني طريقتك دي إزاي بقى إن شاء الله يا علي؟”
تدخل مازن للفصل بينهما عندما وجد تجمهر الناس حولهم، قائلًا من بين أسنانه:
“في إيه انت وهو؟ هتضــ,,ـربوا بعض؟ بطلوا جنان بقى، الناس اتلمّت عليكوا.”
ترك كلٌّ منهما الآخر على مضض، لكن القتال بالنظرات ما زال قائمًا.
نظر علي إليهما قائلًا:
“كاميليا بنت خالتي، وجت عندنا مكسورة وخايفة، ومن يوم ما دخلت بيتنا بقت واحدة من أخواتي. وأنا عمري ما هسيب واحدة من أخواتي يحصل فيها كده وأسكت.
ولإني عارف إن أكيد هروب كاميليا ده وراه حاجة كبيرة أوي، وأكيد يوسف أذاها عشان تهرب بالشكل ده.
ولو انتوا مش هتقولولي يوسف فين، أنا هعرفه وهارجّع كاميليا تاني.”
قال مازن مهدئًا:
“اهدى يا علي. يوسف عمره ما يأذي كاميليا. يوسف بيعشــ,,ـقها، وهي كمان بتحبه جدًا. ياريت تسيبهم، متدخلش بينهم. وبعدين مينفعش تدخل بين راجل ومراته.”
رد علي بحدة:
“لما تبقى كاميليا ماشية معاه بإرادتها يبقى وقتها مش من حقي أتدخل. إنما ده خطفها! عارف يعني إيه خطفها؟ وخدّرها والله أعلم هيعمل فيها إيه!”
أدهم بغضــ,,ـب:
“إنت مجنون يا ابني؟!
دي مراته يعني هيعذبها مثلًا؟”
علي بمرارة:
“ومستغرب ليه؟! ما هي خالتي زهرة فضلت تتعذب عندكوا لحد ما مــ,,ـاتت!”
قالها بغضــ,,ـب.
أدهم بدهشة:
“وده مين ضحك عليك وقالك الكلام ده إن شاء الله؟ عمي أحمد عاش ومــ,,ـات بيحب خالتك، وعمره ما أذاها بكلمة حتى!”
علي بعصبية:
“فعلاً هو ما عذّبهاش بإيديه، بس كان ساكت على اللي بيعذبوها، وكان بيشوفها بتمــ,,ـوت وتدبل كل يوم قدامه ومقدرش يعملها حاجة. تفتكر كده مش مشارك في تعذيبها؟!
خالتي اتدفــ,,ـنت بالحياة من يوم ما دخلت عيلتكوا.”
أدهم بسخــ,,ـرية:
“وانت بقى حامي الحمى اللي هتنقذ بنت خالتك من عيلتها الشريرة؟”
عند هذا الحد تدخل مازن، الذي ما إن رأى علي على وشك الهجوم على أدهم مرة أخرى، قال بصياح:
“مــ,,ـاتبطلوا بقى! في إيه؟! اسكت شوية يا أدهم، بطل أسلوبك المستفز ده. وانت كمان يا علي، ما تهدى بقى يا أخي. قولنالك يوسف عمره ما هيأذيها. كاميليا دي أغلى حد عنده في الدنيا، وأنا واثق إنهم هيتصالحوا في أسرع وقت. أنا معاشرهم وعارف.”
تحدث أدهم معنّفًا:
“بقولك إيه، بلاش تحط نفسك في موقف وحش. لإن كاميليا استحالة تسيب يوسف بعد ما رجّعها.
حتى لو هربت منه قبل كده، فأكيد يوسف هيفهم دوافعها ويطمنها. صدقني أنا أكتر واحد عارفه.”
قال علي بنبرة حاسمة:
“لما أسمع كاميليا بتقول كده بلسانها، وقتها بس مش هتدخل بينهم وهسيبهم يحلوا خلافتهم سوا. ولو انتوا مش هتقولولي مكانهم فين، أنا هعرف.”
لوى أدهم شفتيه بسخــ,,ـرية قائلًا:
“ده لو يوسف سمحلك تقرّب منها أصلا.”
علي باستهزاء:
“ده لما أكون هاخد الإذن منه.”
ثم رمقهم بازدراء قائلًا:
“أنا دخلتكوا بيتي، وقعدتكوا مع أهلي، وكلنا عيش وملح مع بعض، بس الظاهر إن اللي زيكوا ميفهموش يعني إيه عيش وملح.
وثقة الناس فيكوا مالهاش أي قيمة عندكوا. عشان كده أنا مش عايز أعرف حد فيكوا تاني.”
ثم اندفع إلى داخل المستشفى.
******
كنتُ أظنّ سابقًا أنّي ضائع، ولكن الآن عرفتُ معنى الضياع الحقيقي عندما نظرتُ إلى غابات عينيها، فلم أعُد أدري أين أنا وماذا أُريد؟! فقد شعرتُ بذلك الساكن على يساري يرتجف بشدّة، كمن ضــ,,ـربته صاعقة مُباغتة لا يدري من أين جاءت…
نورهان العشري
قرّر عليّ النزول إلى القاهرة بعد أن أخبر كارما أنّه استُدعي لمهمّة طارئة قد تستغرق يومين أو أكثر، ولم يُخبرها عمّا دار بينه وبين والدته، ولا عن مهمّته الحقيقيّة كي لا تخاف أو تحاول منعه.
وأخيرًا، بعد وقت ليس بقليل، وصل عليّ إلى ذلك القصر الكبير بعد أن أجرى اتصالاته لمعرفة معلومــ,,ـات عن يوسف الحسيني، فقرّر الذهاب إلى قصرهم وهو يعلم تمام المعرفة بعدم وجود يوسف هناك، لكنّه أراد أن يُعلم جميع من في القصر أنّ مصير كاميليا لن يكون كمصير أمّها، وأنّها تمتلك من يقدر على حمايتها منهم، وأنّها ليست وحيدة ولن يستطيع أحد إبعادها عن أهلها.
ومن ناحية أخرى أراد أن يُعلم يوسف أنّه في حال أذاها، فهو حتمًا سيجد من يقف له بالمرصاد…
دخل عليّ إلى بهو القصر بعدما أخبر الحرس بهويّته، فأوصلوه إلى الداخل، وبينما كان يقف بشموخ وجد تلك الجميلة تنزل من على الدّرج تتدلّل وكأنّها أميرة مُتوَّجة. فاتّسع بؤبؤ عينيه وتسارعت أنفاسه، وشعر بدقّات قلبه تقرع كالطبول ولسان حاله يقول:
“يا إلهي، ما هذا الجمال؟! وما تلك الهالة من البراءة المُحيطة بها؟!
هل هبطت الملائكة من السماء لتستقرّ معهم على الأرض؟”
اقتربت روفــ,,ـان بخجل من ذلك الفارس الوسيم الذي يقف بشموخ في بهو قصرهم، وقد خطف أنفاسها بوسامته الممزوجة بتلك الهيبة التي تحيط به.
حدّق الاثنان ببعضهما البعض لثوانٍ بسيطة، ثم بصعوبة تخلّص عليّ من سحر عينيها الناعستين نافضًا جميع الأفكار التي غزت قلبه وعقله معًا، فهو قد جاء لمهمّة محدّدة فلا ينبغي أن يحيد عنها، فقال بصوت رزين:
عايز أقابل رحيم بيه الحسيني، هو موجود؟
وأخيرًا خرج صوتها، أشبه بسيمفونيّة ناعمة عزفت على أوتار قلبه، قائلة:
جدو فوق في أوضته بيرتاح شوية، ممكن أعرف حضرتك مين؟
أجاب عليّ بلهجة يشوبها الغرور:
أنا الرائد علي هاشم، وكنت عايزه في موضوع مهم. ممكن تنادِيلي حد أقدر أتكلم معاه؟
اغتاظت روفــ,,ـان من حديثه معها، هل يسخر منها أم ماذا؟ فقالت بغضــ,,ـب طفولي:
وهو أنا مش ماليه عين حضرتك ولا حاجة؟
نظر إليها عليّ نظرة تفحّصية من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ثم رفع حاجبه باستهزاء كي يستفزّها أكثر، فقد راقه غضــ,,ـبها، وقال بسخــ,,ـرية:
روحي يا شاطرة اندهيلي حد طويل أكلّمه… أقصد حد كبير أكلّمه.
وكأنّ نظرات السخــ,,ـرية خاصّته لم تكن تكفيها، ليأتي حديثه أيضًا ليزيد من غضــ,,ـبها:
تصدّق إنّك حد قليل الذوق!
فلم يكد يجيبها حتّى أتاهم ذلك الصوت الماكر من أعلى السلالم يردّد:
لا، ملكيش حق يا روفــ,,ـان. عيب كده، حضرة الظابط في بيتنا.
نزلت نيفين تتدلّل من أعلى السلالم أمام أنظار عليّ المتفحّصة، واقتربت منه قائلة بدلال مصطنع:
أهلاً يا سيادة الرائد، أنا نيفين الحسيني، ودي روفــ,,ـان بنت عمي، زي ما انت شايف، خدوا من طولها وحطّوه في لسانها. ها، أقدر أخدم حضرتك بإيه؟
ألقى عليّ نظرة خاطفة على روفــ,,ـان التي تجمّعت الدموع في عينيها من سخــ,,ـرية نيفين منها أمامه، فشعر بالغضــ,,ـب لرؤيتها هكذا، فوجه حديثه لنيفين بلهجة جافة، متجاهلًا يدها الممدودة ليصافحه، قائلاً:
حضرتك، أنا مش جاي هنا أتعرف. أنا جاي عايز أقابل رحيم بيه الحسيني.
انفلتت ضحكة خافتة من روفــ,,ـان لطريقة عليّ المهينة مع نيفين، فابتسم عليّ داخليًا وأيقن أنّه خلف تلك البراءة مكر أنثوي خطــ,,ـير راق له.
انت مين يا ولد؟ وإزاي تعلي صوتك في بيتي بالشكل ده؟
التفت عليّ لمصـ,,ـدر الصوت ثم ارتفع حاجبه بسخــ,,ـرية قائلاً:
حضرتك بقى رحيم بيه الحسيني… أنا الرائد علي هاشم، وكنت عايزك في موضوع مهم.
طب اتفضّل قدّامي على أوضة المكتب.
اتّجه عليّ إلى غرفة المكتب، وعند مروره بروفــ,,ـان أخفض رأسه قائلًا بهمس:
هو الطول حلو في الستات وكل حاجة، بس القصر في حالتك انتِ… قمر أوي.
أردف كلامه بغمزة مشاكسة، ثم توجّه إلى حيث مكتب جدّها، فابتسمت روفــ,,ـان من إطرائه، وغزا الاحمرار وجنتيها، وعلت دقّات قلبها…
فلاحظت نيفين حالتها فاغتاظت وقالت بغلّ:
هو قالك إيه خلي وشّك يحمر كده؟
ملكيش دعوة يا باردة انتِ، قالي إيه ولا عشان مرداش يسلم عليكِ وأحرجك متغاظة!
اشتعل غضــ,,ـب نيفين من حديثها وقالت:
على أساس إنّه ماكنش عمال يتريق عليكِ من شوية!
ليه ناقصني إيد ولا ناقصني رجل عشان يتريق عليا؟
في إيه يا بنات؟ إنتوا بتتخانقوا ليه؟