قالتها صفية القادمة من المطبخ.
أبدًا يا ماما، دي نيفين كالعادة ما تقدرش تقعد من غير ما تضايق اللي حواليها.
قالت نيفين بانكسار مصطنع:
أبدًا والله يا طنط صفية، ده أنا كنت بهزر مع روفي، وهي كالعادة صدّتني وفهمتني غلط.
ده بجد! تصدّقي ما عرفتكش كده يا بنتي، أداؤك فيكِ أوي والله، ومكشوف.
خلاص يا روفــ,,ـان، ما تتضايقيش من بنت عمّك.
وما إن أنهت صفية جملتها حتّى التفتوا جميعًا لتلك الأصوات الغاضبة القادمة من غرفة المكتب…
*********
لم أعتد يومًا على الانحناء، ولم أكُن يومًا رجلًا يؤمن بالتنازلات. اعتدت على الحُريّة.
لم يأسرني شيء من قبل، وكنت أعتقد سابقًا أنني أملك كل شيء في هذه الحياة، فلا ينقصني غياب أحدهم ولا يُزيدني وجوده. إلى أن علِقت بها، فجاءت بي عيناها من النظرة الأولى، وأتى بي قلبي راكعًا على أعتاب قلبها مردّدًا: “هذا ما كان ينقصني!” فاكتشفت حينها أنني لم أكن أملك من الحياة شيئًا، ولم أرَ فيها من الجمال ما يكفي ليلفت انتباهي… إلى أن طوّقني عشــ,,ـقها، فعرفت معنى الاكتمال الحقيقي.
فبات قلبي يقنعني بأن الانهزام أمام عينيها انتصار، بل وأدركت أنني لم أعرف أن للهزيمة لذّة سوى معها.
فهي من حطّمت أسواري وحصوني، وإليها أعلن استسلامي
نورهان العشري
—
كارما
التفتت كارما إلى ذلك الصوت العميق الذي جعل قلبها يدق كالطبول، ولمَ لا وهو فارسها الذي حاولت انتزاعه من قلبها طوال سنوات طويلة، وظنت أنها نجحت، ليعود من جديد مقتنصًا قلبها مرة ثانية ببراعة صيّاد ماهر، دون أن يكون لها القدرة على المقاومة، فوقعت كفريسة سهلة في براثن عشــ,,ـقه من جديد…
ألقت عليه نظرات معاتبة حزينة، فهو قد جرحها بشدة، ولم يتفهم قلقها ولم يحاول احتوائها، بل قسا عليها.
ولم يكتفِ بذلك، بل ــ,,ـها بسمّ كلمــ,,ـاته، لتشعر أنها شيء لا قيمة له يمكنه الاستغناء عنه متى أراد…
فاقترب منها مازن ببطء مؤنّبًا نفسه على قسوته معها، ولكن آلمه بشدة عدم ثقتها به، كما أن قلقه من تهوّر يوسف أفقده رشده، فكان نصيبها أن يصبّ جام غضــ,,ـبه عليها…
حزن بشدة عندما وجدها تستدير مرة أخرى لتنظر من النافذة متجاهلة وجوده…
اقترب منها حتى أصبحت رائحتها العذبة تغزو أنفه، ثم تحدث بحنو:
هتبقي كويسة يا روحي، متقلقيش.
أما هي فقد سمرها قربه منها في مكانها، فلم تقدر على الحركة قيد أنملة، ولم تستطع الاعتراض، فقد بعثر هذا الرجل كيانها وأضعفها عشــ,,ـقه للحد الذي لم تعد تتحكم حتى في نفسها لتبعده عنها…
يا إلهي، لِمَ كل هذا الضعف أمامه بعد ما عانيته في غيابه؟ وحتى بعد عودته، فهو عند أول خلاف اختار فراقي…
ثم تذكرت حديثه الأخير معها الذي أنهى فيه علاقتهما بتلك الطريقة المهينة لقلبها. فلملمت شتات نفسها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم مسحت تلك الدمعة الهاربة من عينيها واستدارت قائلة بهدوء عكس ما يدور بداخلها:
إن شاء الله.
نظر مازن إلى داخل عينيها بعمق قائلًا:
أنا عارف إنك زعلانة من كلامنا آخر مرة، بس…
قاطعته كارما قائلة بحزم:
الكلام اللي إنت قلته آخر مرة مزعلنيش ولا حاجة، بالعكس دا فوقّني، وإنت عندك حق في كل كلمة قولتها.
حاول أن يتجاهل الغصّة في قلبه، وقال بهدوء:
كارما، أرجوكي بلاش كدا. متعاقبنيش على كلام طلع في لحظة غضــ,,ـب، وإنتِ كنتي غلطانة.
صاحت باندفاع:
غلطانة في إيه إن شاء الله؟
كان المفروض إني أجي أجري عليك وأقولك على سر بنت خالتي اللي جاتلنا هربانة ومُدمّرة، والله أعلم ابن خالتك عمل فيها إيه عشان تهرب منه كدا؟!
مازن محاولًا السيطرة على غضــ,,ـبه:
يوسف معملش أي حاجة في كاميليا. آخر مرة كان معاها كان يوم كتب كتابهم، وبعدين سافر، ورجع يوم الحفلة، وكانوا كويسين. تاني يوم الصبح اكتشفنا إنها هربت. وعلى فكرة، أنا بنفسي كنت شاهد على كتب الكتاب، وشُفتهم كانوا فرحانين إزاي.
صمت لثوانٍ ثم استطرد قائلًا بغضــ,,ـب:
وياريتها هربت وبس، دي سايباله حتة ورقة بتقوله فيها: “آسفة، أنا اتسرعت، وكل واحد مننا يعيش حياته”.
متخيلة لو كنتي مكانه كان هيبقى رد فعلك إيه؟
أوشكت على الحديث، فتابع بتقريع:
وخصوصًا إنه قبل يتنازل عن ورثه وعن كل حاجة عشان خاطرها…
كارما بصدمة:
إيه…؟ يعني إيه اتنازل عن كل حاجة عشان خاطرها؟
أيوه، دا كان شرط جده عشان يمنع جوازه من كاميليا، ويوسف في نفس اللحظة وافق و مضى على التنازل، وأخد كاميليا وراح كتب كتابه عليها. قوليلي بقى في المقابل هي عملت إيه قصاد اللي عمله؟ واللي طول عمره بيعمله عشانها؟
تلعثمت كارما قائلة:
مـ… معرفش، بس… بس هي أكيد عندها وجهة نظر لهروبها دا.
بالظبط.
وعشان كدا اتعصبت عليكِ وخرجت عن شعوري لما عرفت إنك عارفة مكانها ومخبيه عني. كارما، إنتِ مفكراني عيل صغير أول ما هعرف هطلع أجري على يوسف وأقوله على مكانها…؟
لم أُجبه، فتابع بحزن تجلى في نظراته:
لا يا كارما، أنا كنت هقعد مع كاميليا وأعرف منها هي عملت ليه كدا؟ لأني واثق إن في سبب قوي لهروبها دا، ووقتها كنا هنحدد نعمل إيه ونتصرف إزاي…
زفر بقوة قبل أن يضيف بصدق:
يوسف راجل يا كارما، وكبير عيلته، والكبير قبل الصغير بيعمله ألف حساب. لما تيجي مراته تصغّره وتسيبه وتهرب بالشكل دا، متخيلة شكله هيبقى إيه؟
أو حالته هتبقى عاملة إزاي؟
كارما بحزن:
أنا مفكرتش في كل دا، عشان أنا مكنتش أعرف يوسف. أنا خوفت على كاميليا، لإني شفت حالتها لما كنتوا عندنا كانت عاملة إزاي، ورعبها من إن يوسف يعرف مكانها… أنا كنت متلخبطة ومكنتش عارفة أعمل إيه.
لو كنتي جيتي قولتيلي كنا فكرنا سوا واتفقنا هنعمل إيه… بس للأسف يا كارما إنتِ موثقتيش فيا، لا وكمان كنتي بتتهربي مني كإنك عادي ممكن تبعدي عني، وإني مش فارقلك.
ألجمته حروفها القاتلة حين قالت:
أنا معرفكش عشان أثق فيك يا مازن… ولو هتكلم عن مازن بتاع زمان فأنا وثقت فيه وأنا طفلة عندها عشر سنين، وخذلني وكسر قلبي.
اقترب منها بعينين اختلط بهما العشــ,,ـق والذنب معًا:
ما عاش ولا كان اللي يكسر قلبك يا روح قلبي. والله ما خذلتك، بس غصب عني مكنتش قادر أرجع، وأول ما جتلي الفرصة مترددتش وجيتلك.
عارضته بوجع تبلور في عينيها:
لا يا مازن، إنت مكنش عندك دافع عشان ترجع. وحتى لما رجعت، مرجعتش عشاني، إنت رجعت لما علي كلمك.
لو مكنش كلمك مكنتش فكرت ترجع، زي كل سنة ما كنت بتيجي وتمشي من غير ما تبص وراك حتى.
تفاجأ من جملتها الأخيرة فقال باستفهام:
إنتي عرفتي منين إني كنت باجي كل سنة؟
تعانق الدمع والوجع بعينيها ونبرتها حين قالت:
عشان كل سنة كنت بروحلهم في اليوم دا وبشوف الورد بتاعك هناك… كل سنة كنت بستناك تفتكرني وترجعلي… كل سنة كنت بروح من هناك مكسورة الخاطر وأنا عارفة إني مخطرتش على بالك ولا افتكرتني حتى. عرفت ليه أنا موثقتش فيك؟
هب قلبه النازف مدافعًا عن بقايا روحه المعذبة، ينفي بشاعة ظنها بقلبه:
بس أنا منستكيش ولا لحظة. أنا كنت متدمر، مكنتش عايز أدمرك معايا. كنت إنسان مش عايش أصلًا، مكنتش عايز أرجع أعلقك بيا وأتعلق بيكي، وبعدين تضيعي مني زي اللي ضاعوا…
إنت في كل الحالات دمرتني. دمرتني بغيابك، دمرتني بوعد وعدتهولي وإنت أصلًا مش ناوي تنفذه، وحتى برجوعك ليا دمرتني. بس إنت عارف؟ أنا مش زعلانة، عشان المرة دي أنا هقدر أشيلك من قلبي وأبتدي صح. يمكن رجوعك دا كان في صالحي، عشان يفوقني من الحلم اللي سجــ,,ـنت نفسي فيه طول حياتي.
كفكفت عبراتها وهي تعاند ألم قلبها القاتل لتُكمل:
عارف؟
أنا دلوقتي بس هقدر أعيش حياتي وأبتدي من جديد.
قهقه مازن بغضــ,,ـب، وأخذ يتقدم منها ببطء مرعب، وعيناه كجمرات من النــ,,ـار، وهو يردد كلمــ,,ـاتها كمن فقد عقله:
تبتدي من جديد، أُممم… صح..!
ارتعبت من مظهره، وخاصة حين قال بشراسة:
هو إنتِ عندك حق. إنتِ هتبتدي من جديد فعلًا، بس معايا برضو، عشان إحنا هنردم على كل اللي فات دا ونبتدي بداية صح…
لم يمهلها الوقت للرد إذ تابع بجفاء:
وأوعي عقلك يصورلك إنك ممكن يكون ليكي بداية مع حد غيري، عشان أنا ممكن أطبّق الدنيا على دماغك. فاهمة؟
قال جملته الأخيرة بوعيد أفزعها، فانتفضت نظراته، وانتفض معها قلبه الذي لامه بشدة على خوفها منه، فاقترب منها قائلًا بصوت أجش:
بصي يا كارما، أنا صعب، وعصبي، ومتهور، ويمكن غبي كمان… بس بحبك.
قاومت اقترابه منها، فجاءها صوته المُعذَّب والعاشق حسن قال:
أنا بدايتك، وأنا نهايتك يا كارما. كل ما حطيتي دا في دماغك واقنعتي نفسك بيه، هيكون أحسنلك، لإني فعلًا مش ناوي أسيبك.
التقت عينيه مع نظراتها في نظرة طويلة لم يقطعها سوى صوته الحاني حين قال:
مفيش إنسان عاقل هيسيب الحاجة الوحيدة اللي خلت لحياته طعم، الحاجة الوحيدة اللي نورت عتمته.
ثم اقترب منها قائلًا بنبرة يشوبها التوسل:
ترضيلي أعيش في الضلمة باقي عمري يا كارما؟
تسابقت العبرات تفر من مقلتيها هربًا من عذابه ولوعتها حين رأت تلك النظرة المنكسرة في عينيه، فأوشكت على الحديث، ولكن منعها رنين هاتفه.
لعن مازن بداخله بشدة، وأخرج الهاتف من جيبه ليتفاجأ برحيم الحسيني، فأجاب بحذر:
أهلًا يا رحيم بيه.
حالًا تعرفلي مكان يوسف وكاميليا من تحت الأرض يا مازن.
تفاقم حنق مازن من حديث رحيم ونبرته الغاضبة، ولكنه حاول كظم انفعالاته قائلًا:
حضرتك عرفت منين إن يوسف عرف مكان كاميليا؟
رحيم مصححًا بسخــ,,ـرية قاتمة تشبه غضــ,,ـبه العارم:
قصدك إن يوسف خطف كاميليا! علي ابن خالتها كان هنا، وقال إيه عايز يحمي بنت خالته مننا…
لم يمهله الفرصة للحديث فصاح بصرامة:
في ظرف كام ساعة ألاقيك قدامي يا مازن ومعاك يوسف. فاهم؟
مازن بجفاء:
رحيم بيه، أنا حاليًا في إسكندرية، وفي حد قريبي في العناية المركزة ومش هقدر أسيبه، بس أوعدك إني هعرف مكان يوسف في أقرب وقت.
أوشك أن يلعن، ولكنه تدارك نفسه قائلًا بحزم:
الليلة… الليلة يا مازن تكون عرفت هو فين.
حاضر، متقلقش.
أغلق هاتفه والتفت إلى تلك الواقفة تتابع مكالمته بخوف قائلة:
في إيه يا مازن؟
أجابها مطمئنًا:
مفيش حاجة يا حبيبتي، الجــ,,ـماعة عرفوا إن يوسف عرف مكان كاميليا وبيسألوني، مش أكتر.
مازن، متكذبش عليا، أنا سمعته بيقول “علي”.
زفر مازن وقال بجفاء:
علي راح القصر يدور على يوسف وكاميليا هناك.
انهارت كارما باكية وقالت من بين دموعها:
أرجوك يا مازن متخليهمش يأذوا علي.
اهدي يا كارما، محدش هيقدر يأذي علي. ليه بتقولي الكلام دا؟
تفاجأ مازن من حديثها، فأجابته بانفعال:
الناس دول شريرين ومفتريين، وممكن يأذوه زي ما أذوا خالتو زهرة وكاميليا. أرجوك يا مازن رجعلنا علي ومتخليهمش يؤذوه.
حاول استيعاب كلمــ,,ـاتها قبل أن يقول بلهفة:
يا حبيبتي اهدي، محدش هيأذي علي. الناس دي مش وحشة زي ما إنتي فاكرهم…
عارضته بغضــ,,ـب:
لا، وحشين. أرجوك، إحنا ملناش غير علي. مش كفاية ماما بين الحياة والمــ,,ـوت بسببهم. حرام والله.
مازن برفق:
علي دا أخويا، ومحدش هيقدر أو حتى هيفكر يأذيه، دا أولًا. وثانيًا، أوعي تخافي وأنا جنبك. وعلي أنا ممكن أفديه بروحي على فكرة.
اندفعت كارما قائلة:
بعد الشر عنك…
تراجعت على الفور مصححة كلمــ,,ـاتها:
أقصد بعد الشر عنكوا يعني!
ابتسم مازن على اندفاعها وهمس بنبرة عاشقة:
خايفة عليا؟
تلعثمت قائلة:
يعني… أ… أكيد إنت زي علي ومش هتمنالك حاجة وحشة.
اتسعت ابتسامته، ولكنه لم يُرِد إحراجها أكثر:
طب أنا هروح دلوقتي أشوف موضوع يوسف وكاميليا دا، عشان لو فضلت أكتر من كدا هوريكِ بجد أنا زي علي ولا لأ.
ألقى نظرة سريعة على هاتفه ثم تابع:
هرجعلك تاني، وهكلمك كل شوية أطمن عليكي وعلى طنط فاطمة. إياكي متروديش عليا…
عاندته بدلال:
ولو مردتش هتعمل إيه يعني؟
أجابها بلهجة عابثة:
هاجي أعاقبك عقاب ميخليكيش تعرفي تتكلمي بعديه أصلًا.
تفاجأت بكلمــ,,ـاته وقالت بحنق:
تصدق إنك قليل الأدب؟
طب كويس إنك عارفة، خافي مني بقى.
أرسل لها غمزة عاشقة، ثم انصرف… وانصرف معه قلبها.
***********
سلبتك مني الحياة كما تُسلب الروح من الجسد، دون أن يكون لي القدرة على الاعتراض…
لم تكُن أبدًا عادلة معي، فعندما أعطتني الخيار كان لتكسِرني أكثر، فكلما اعترضت أخبرتني: لقد كان الخيار لك…
نورهان العشري
كانت تتحدث بغضــ,,ـب وفوضوية، دون القدرة على النظر إلى عينيه التي حتمًا ستكشف خدعتها..
أما هو، فكانت كلمــ,,ـاتها كسهام تغرز في قلبه. يدرك في أعماقه أنها تعشــ,,ـقه، ولكن كبرياءه الجريح يأمره بالثأر لما فعلته به.
رفعت كاميليا عينيها إليه لتجد عينين تشعان بنيران الغضــ,,ـب والخيبة معًا، فقاومت دموعها التي تهدد بالهطول، وحدّثت نفسها قائلة:
اهدي يا كاميليا، كدا أحسن له وليكي. انسحبي بكرامة أحسن ما يرميكي هو من حياته.
وأخيرًا تحدث يوسف بعد أن سيطر على غضــ,,ـبه، فهو كان قادرًا على الــ,,ـ في تلك اللحظة، فقال من بين أسنانه:
وياترى لقيتي حد غيري اتشدّيتي له وحسيتي إن مشاعرك صادقة معاه؟
ارتعبت كاميليا من مظهره الذي لا يوحي بالخير، فأسرعت تنفي قائلة بلهفة:
لا لا طبعًا! هو أنا هاعرف حد منين؟ هو أنا بخرج أصلًا عشان أشوف حد أو حد يشوفني؟
شبك يديه خلف ظهره وكأنه يحميها من بطشهما، ثم قال بلهجة غلب عليها الاستنكار:
ليه؟ ما انتي بقالك أربع شهور بتشتغلي. معقول ما شفتيش حد لفت نظرك أو أعجبتي بحد؟
سقط قلبها ذعرًا من أن يعلم بأمر هذا الأخرق مديرها، فخرجت كلمــ,,ـاتها متلعثمة:
هاه.. هو انت تقصد مين؟
ضيق عينيه وأجابها باختصار:
انتي عارفة أنا أقصد مين.
وقعت في فخ الخديعة وصاحت بانفعال:
لو تقصد مستر أحمد، والله يا يوسف أنا ماليش دعوة. هو أول ما قالي إنه بيحبني أنا صديته خالص وقفلت الموضوع.
صدقني أصلًا من الأول وأنا بصده، حتى لما طلب يقابل أهلي. والله مفيش بيني وبينه حاجة.
عند هذا الحد لم يتمالك يوسف نفسه، فهو كان يسايسها ليعرف منها ما كان يحدث في غيابه. فكل تلك التقارير التي كانت تأتيه عن تحركاتها لم تكن تشفي فضول قلبه الذي لا يعترف سوى بوجودها بجانبه.
فاندفع يعنّفها حتى كاد كتفاها أن ينخلعا:
حصل إيه بينك وبين الحيوان ده؟! إزاي تسمحيله يقولك كدا؟
سقطت في دوامة من العبرات، متبوعة بكلمــ,,ـاتها الممزقة:
والله يا يوسف أنا من أول ما حسيت بحاجة من ناحيته ليا وأنا بصده.
وأول ما قالي إنه بيحبني صديته جامد وبهدلته. وبعدها إنت جبتني على هنا، ده اللي حصل والله العظيم.
تركها يوسف بعنــ,,ـف حتى كادت أن تقع، قائلًا بسخــ,,ـرية:
عشان كدا كنتي ناوية تسافري معاه، صح؟
صاحت باندفاع:
لا والله! هو اعتذرلي وقال لي أنسى أي حاجة هو قالها، خصوصًا إني كلمته بحدة ووضحتله إن مشاعره دي مرفوضة بالنسبالي.
كاد أن يخنقها في تلك اللحظة، ولكنه كظم غيظه بصعوبة حين قال:
ودماغك اللي بتخطط وتنفذ دي، مفكرتيش ولو للحظة إنك لما تقولي لواحد كدا وترفضيه بالطريقة دي، مش ممكن يفكر ينتقم لكرامته ويردلك القلم عشرة؟
تراجع خطوتين إلى الخلف خوفًا من أن يطيح بها، ثم زأر بقوة:
انطقي! مفكرتيش؟
تعاظم الذُعر في قلبها، فصرخت بانهيار:
لا والله ما فكرت كدا! أنا قولت هو خلاص شالني من دماغه، خصوصًا إنه اتعامل معايا برسمية بعدها.
ضاق ذرعًا من غبائها فهتف ساخرًا:
عشان غبية، ما بتفكريش غير تحت رجليكي. كل همك تهربي من يوسف وبس. كنتي عايزة تسافري معاه عشان على ما ترجعي من السفر أكون رجعت القاهرة وتخلصي من مقابلتي، صح؟
اندهشت من حديثه. ألهذه الدرجة قد تكون كالكتاب المفتوح بالنسبة له؟
لاحظ اندهاشها، فقال بوجع مكبوت:
أنا جيتلك لحد عندك، قولت يمكن ندمتِ إنها هربت. جيتلك عشان أديكي فرصة تحكيلي. كنت مستنيكي بس تفتحي الباب وتدخلي. ما كنتش طالب منك غير إنك تقفي قدامي وتقوليلي أي حاجة.. كنت هسامحك عليها.
صمت يحاول كبت ذلك الحزن اللعين الذي يضيق به صـ,,ـدره، ثم تابع بسخــ,,ـرية قاتمة:
بس انتي برضو ما فكرتيش غير تحت رجليكي. وكان كل همك تهربي مني وما فرّقش معاكي حاجة.
صدمتها كلمــ,,ـاته، فانفلتت الحروف من بين شفتيها:
إنت كنت عارف إني عند خالتو فاطمة؟ وإنّي كنت هافتح الباب؟ از.. إزاي عرفت؟
لم تعد طاقته تكفي لاحتمال هذا الجدل العقيم، فعشــ,,ـقه لها مقابل عشــ,,ـقها كان كمحيط مقابل بحيرة. لذا أنهى حديثهما قائلًا بسخــ,,ـرية يشوبها الألم:
عارفة يا كاميليا.. إنتِ عندك حق. إحنا اتسرعنا فعلًا بجوازنا. ودي غلطة لازم تتصلح…
يتبع …
الوجه الثامن للعشــ,,ـق
هَا أنت أهملتَ الفؤادَ و خُنتهُ
لله ذنبك أمثلَ قلبي يُهملُ
و تَغيرتْ منكَ الطباعُ و لم تعُد
تَحنْو علي و بي تُحس و تَشعرُ
أنْكرتَ ماَ بيني و بينك في الهوى
أومِثلُ ما بينْي و بينك يُنكَرُ؟؟
أتذکُْرُ العهدَ الّذي لِي قُلتَهُ
“الغدرُ بينَ قُلوبٍنا لا يُقبَلُ”؟
لم تكتفي بعد الذي أجرمتَه
حيٌ أتيتُكَ، و رحلتُ نعشاً يُحملُ
لقائله..
أيعقل أن أهديك كل هذا الحب وتهديني كل هذا الوجع…؟؟
كان هذا السؤال يدور بداخل يوسف، الذي لم يذق طَعم النوم لأسبوع منذ آخر حديث دار بينهما، فقد كان قلبه يهذي كمن أصــ,,ـابته الحُمّى. هل أخطأ حين سمح لقلبه بالوقوع في حبها؟ هل أخطأ حينما أغدقها بكل تلك المشاعر المحمومة؟
هل يمكن للعشــ,,ـق أن يصبح لعنة تُصيب القلب فتودي به إلى الهلاك؟ بماذا أخطأ ليُعاقب بكل هذا الخذلان…؟!
كلمــ,,ـاتها وأعذارها الواهية كانت كأشواك تنغز قلبه دون رحمة. هل كانت تلك النهاية لعشــ,,ـقه لها…؟!
ألا تحمل له بداخلها ما يجعلها تعطيه وداعًا يليق به…؟
لماذا تقذف بوجهه تلك الحجج الواهية؟ فكيف تتركه بلا أسباب واضحة وكأن عذابه لم يكن يكفيه؟! ليندفع عقله صارخًا بذلك الاستفهام الذي شطر قلبه نصفين:
هل لم أكن كافيًا…؟؟!!
لا أحد في هذه الحياة يستحق أن يشعر بمثل هذا الشعور أبدًا، فيا له من شعور مروّع قادر على الفتك بالقلوب بلا رحمة…
فمرارة أن يتركك أحدهم بلا أسباب مقنعة تُشعر القلب بالمهانة وتؤذيه إلى الحد الذي لا يُحتمل معه الغفران…
فرجل مثله يمتلك كل هذا الكبرياء لن يحتمل مرارة ذلك الشعور أبدًا… فلم يعد قلبه قادرًا على الصمود أمام تلك النيران التي تحــ,,ـرق أحشاءه من الداخل وتمزّق خلاياه…
فخرجت من جوفه صرخة فزع، أنقذته من ذبحة قلبية كادت أن تودي بحياته في تلك اللحظة، فقد ضاق صـ,,ـدره بما يعتمل داخله…
فلم يشعر بنفسه سوى وهو يفرغ
تلك النيران في كل ما يقابله، فقد ظل لساعات يحطم كل ما يحيط به من أثاث وهو يلهث كثور هائج…
يوسف!
كان هذا صوت كاميليا، التي لم يكن حالها أفضل من حاله.
فهي منذ آخر حديث دار بينهما لم تكفّ عيناها عن ذرف العَبرات، تبكي حبها الضائع، وحياتها التعيسة التي فرضتها عليها الأقدار. لكن أكثر ما كان يبكيها هي نظرة الخذلان الممزوجة بالازدراء التي ألقتها عليها عيناه، فقد كانت تلك النظرات أكثر ما تخشاه وتهرب منه…
لقد مزقتها إلى أشلاء… فكيف يمكن أن تعتذر لقلب تعمّدت ــ,,ـه بأبشع الطرق؟
لا يعلم أن الخنجر الذي غرزته في قلبه مرّ على قلبها أولًا، وأن الدموع التي هطلت من عينيه هطلت من عينيها قبلَه. لقد ذرفت من الدموع ما يكفيها لأعوام، ولكن ما حيلة قلب إن كان العذاب والحزن قدره…!
استفاقت كاميليا من بحر أحزانها على أصوات التحطيم وصراخ يوسف الذي يصمّ الآذان، فانخلع قلبها خوفًا ووجعًا، ولم تشعر بقدميها وهي تهرول خارج الغرفة لتُصعق عيناها بما رأته…
شَعر مشعّث، ذقن نامية غير مهندمة، عينان حمراوان من ذرف الدموع، صـ,,ـدر يعلو ويهبط من شدة الغضــ,,ـب والحزن أيضًا. أين اختفى أميرها ذلك الوسيم الذي تتصارع أجمل النساء على نيل نظرة منه؟
ماذا حلّ بزُرقة عينيه الصافية كالبحر؟ ما هذه الخطوط الحمراء التي تخترق زرقتها فتصبح كبركة من النيران؟
هل حوله خُذلانها له إلى ذلك المسخ…؟
جف حلقها من هول مظهره، فلم تشعر إلا باندفاعها تجاهه تحتويه بلوعة أمّ جُرح صغيرها…
ولكن لم تبخل عليها الحياة بصفعاتها، التي تلقتها هذه المرة على هيئة رفض مهين لقلبها العاشق…
ابتعدي عني!
صرخ بها يوسف، الذي ما إن رآها تندفع نحوه حتى اندفع عقله صارخًا:
كفااااك…
فالشفقه لم ولن تَلق بنا أبدًا.
ليُفسر لنفسه أن تلك اللهفة والوجع الكامن بعينيها ما هو إلا شعور بالشفقة على حالته التي أوصلها إليها خُذلانها…
أوعي تفكري تقربي مني تاني، فاااهمة؟ أوعي تلمسي حاجة مش ملكك…
توقفت كاميليا في مكانها وهي تراه يرفضها ككيان شيطاني غير مرغوب به، فاعتصر الألم قلبها، ليزيد من إذلالها قائلًا:
وأوعي تفكري إن اللي أنا فيه دا عشانك… لا.
دا أنا بعاقب نفسي عشان في يوم قلبي دق لواحدة زيك…
ثم صمت قليلًا ليتابع وقع كلمــ,,ـاته على ملامح وجهها، فتأكّد أنها أصــ,,ـابت مبتغاها، فقد أعماه الغضــ,,ـب والكبرياء عن رؤية ذبول وجهها ورعشة شفتيها التي تحوّل لونهما إلى الأزرق، فقد كانت كلمــ,,ـاته تسحب الروح منها بلا شفقة على حالها…
ولكن مهلًا، فهل تنتظر العطف من قلب دُهست مشاعره بتلك القسوة؟
فتابع يبثها سموم كلمــ,,ـاته:
لكن هستنى إيه من بنت زهرة!
لم يُمهلها الوقت للاستيعاب، فتابع يغمس سموم ألمه في منتصف قلبها حين قال:
تصدّقي وأنا قاعد كدا افتكرت لقطات من الماضي… افتكرت لما شفت واحدة متجوزة مع أخو جوزها… جوزها اللي كان كل خلافه مع أهله عشان اتجوزها… اللي عمره ما عصى أبوه غير عشانها… اللي كان بيحارب الكل عشان خاطرها… هستنى أنا إيه بقى من بنتها؟
كانت كلمــ,,ـاته كأسهُم مسمومة تخترق قلبها، فانتزعت منه كل معالم الحياة حتى أفقدتها القدرة على النطق، فتابع هجومه الضاري:
عرفتي ليه بقى كانت دايمًا مرات عمي تقولك “يا بنت زهرة” وكأنها بتشتمك؟ عرفتي ليه كانت بتبصلك كإنك وصمة عار في حياتنا؟ عرفتي ليه جدي عمره ما طبطب عليكي ولا قرّب منك زينا؟
كان دايمًا بيتعامل معاكي بتحفظ زي ما يكون قرفان منك…
أعماه الغضــ,,ـب وجشع كبرياؤه للانتقام عن ملاحظة بشاعة كلمــ,,ـاته عليها، فتابع بنبرة مغلولة:
للأسف هما كان عندهم حق في كل حاجة كانوا بيعملوها فيكي وفي أمك… إنتو فعلًا عار علينا…
إن كان المــ,,ـوت فقط من سينتشلها من هذه الحياة الكريهة التي لم ترحم يومًا ضعفها وأدمت براءتها بشراسة، فأهلًا به…
ابتسمت كاميليا بوهن، كمجاهد يعلم أن بعد كل المعارك والألم سوف يُكافأ بدخول الجنة.
فهي جاهدت كثيرًا لتظل صامدة في مواجهة صفعات الحياة منذ أن مــ,,ـات والداها، وهي تتلقى صفعة تلو الأخرى، تُعاقب على أشياء لم تقترفها يومًا، وتضعها الحياة باختبارات ليست لمن في عمرها…