Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 3

ولكن تلك المرة خارت كل مقاومتها، وصرخ بها قلبها:

“رِفقًا بنا… فلنترك تلك الحياة البائسة التي كانت التعاسة فيها من نصيبنا، ولنذهب إلى حيث السلام الأبدي الخالي من ظلــ,,ـم البشر وقسوتهم… فإن نلنا العقاب، فسيكون على ما اقترفته أيدينا، وليس على ما نُسب إلينا قهرًا…”
وأخيرًا أشفق جسدها عليها وخارت قواها، فسقطت دون حراك…
لا تلومونا على قسوتنا، بل لوموا أفعالكم التي تُخرج أسوأ ما فينا وتــ,,ـ المشاعر بداخلنا، فتُشعرنا بأن طيبتنا كانت غباءً علينا تحمّل نتائجه…
فما أقسى أن يتحول قلبك إلى مقبــ,,ـرة تُدفــ,,ـن بها جميع مشاعر الحب التي أغدقتها على من لم يستحقها يومًا…
فالخذلان ما إن طال قلب إنسان حتى امتصّ منه جميع

المشاعر الآدمية، مستبدلًا إياها بتلك المرارة التي تجعل من ذلك القلب مسخًا لا يشعر، ينبض فقط ليحيا…
فمرارة الخذلان من أبشع ما قد يتذوقه الإنسان في حياته…
نورهان العشري
–
غرام.. أنا بحبك.
لم تتفاجأ غرام كثيرًا من تصريح أدهم بحبه لها، فها هو منذ أسبوع يتقرّب إليها؛ كان دائم التواجد معهم في المشفى صباحًا، ودائم الحديث معها على الهاتف ليلًا، في ظل غياب مازن الذي كان يبحث عن يوسف وكاميليا في كل مكان. وبالطبع لم تخلُ أحاديثهما من تلميحاته إلى حقيقة مشاعره نحوها.. ولكن، لماذا يخفق قلبها بقوة هكذا؟!

فقد كان على وشك الخروج من بين ضلوعها، أو هكذا شعرت.
لم تكن قادرة على إخفاء سعادتها، فهي منذ شجارهما الأول تشعر بأشياء غريبة لم تداهمها من قبل؛ كانت دائمًا ما تفكر به، دائمًا تحتل عيناه أحلامها، التي غالبًا ما تنتهي بكوابيس، وهذا ما كان يُخيفها. ولكن بعد أن أخبرها بعشــ,,ـقه، تبخرت كل مخاوفها. فها هو بطلها، الذي لطالما حلمت به وتمنته، قد أتى ليختطفها بحبه ويُحلّق بها إلى أعلى السماء.
أخرجها من شرودها كلمــ,,ـاته التي لم تجد لها تفسيرًا، ولكن سعادتها بتلك اللحظات أعمتها عن البشاعة التي تغلفها:
ما تقنعنيش يعني إنك أول مرة حد يقولك كده؟

كان أدهم، منذ أن ألقى بكلمته التي أقسم ألّا تخرج منه مطلقًا، يراقب تعبيرات وجهها؛ بدءًا من اتساع بؤبؤ عينيها، إلى ذلك الاحمرار الذي غزا وجنتيها، فبدت أشهى من ذي قبل، ويديها التي أخذت تعتصرهما في حضـ,,ـنها.
كل تلك الإشارات كانت تدل على عذرية قلبها الذي لم يطله العشــ,,ـق من قبل…
ولكن شبح الخذلان كان يتلبسه في تلك اللحظة، كشيطان يوسوس له بتلك الأفكار المسمومة عن كون جميع النساء كاذبات، وأن ما يراه لا شيء سوى ستار تُخفي به عُهر قلبها. يؤكد له وسواسه هذا بمواقف مماثلة أعماه فيها قلبه، فلم يكن نصيبه سوى الخذلان والسخــ,,ـرية من مشاعره.

أخيرًا تحدثت غرام بصوت مبحوح من فرط الخجل، يكاد يُسمع:
أنا ممكن مش أول مرة أسمعها.. بس أول مرة أحسها كده.
ابتسم أدهم في داخله بسخــ,,ـرية؛ فها هي كلمــ,,ـاتها تؤكد صدق ظنونه نحوها، متجاهلًا المعنى الآخر لحديثها. فهي فتاة جميلة، بل فائقة الجمال، يتلهف الشباب عليها؛ ودائمًا ما كانت تسمع كلمــ,,ـات الغزل والإعجاب، وأحيانًا الحب من الكثير من الرجال، منهم زملاؤها وأقاربها. لكنها كانت دائمًا ما ترفضها بحزم، وتخبئ جميع مشاعرها لذلك الفارس الوسيم الذي سيخطف قلبها كما تقرأ في رواياتها…
كنت متأكد من كده.
قالها أدهم بسخــ,,ـرية، فقــ,,ـبضت جبينها وسألته مستفهمة:
يعني إيه؟ مش فاهمة.

أبدًا يا سِتّي… بس أنا “أدهم الحسيني”، مفيش واحدة تقدر تقاومني.
هكذا تحدث ساخرًا، فابتسمت قائلة بمزاح:
يا سيدي على التواضع! وبعدين كل شوية “أدهم الحسيني.. أدهم الحسيني!” مين “أدهم الحسيني” ده إن شاء الله؟
اقترب يناظرها بقوة قبل أن يُضيف بثقة:
اللي خطف قلبك.
كان ينظر في عينيها بقوة، فقد كان يستخدم جميع أسلحته للإيقاع بفريسته التي لا حول لها ولا قوة أمام سحره ووسامته. فرجل مثله يعرف جيدًا ما عليه فعله للإيقاع بالمرأة وهدم حصونها، محطّمًا بغروره أسوارها وقلاعها.

لقد كان يجيد فنون العشــ,,ـق ويمارسها بغطرسته وعنــ,,ـفوانه، مثل جندي يحارب ببسالة من أجل قضيته… فقد كان يحارب من أجل نظريته التي كانت كصبّار غرسته حقارة امرأة في قلبه لم تعرف للشرف سبيلًا، فبات يراها في جميع النساء، ويتخيل كل النساء مثلها.
أربكتها كلمــ,,ـاته كثيرًا، فقالت معاندةً لدقات قلبها الثائرة:
وده مين قالك كده؟ أنا مش فاكرة خالص إني قلتلك حاجة زي دي.
أخذ ينظر إليها بعشــ,,ـق لا يجرؤ على الإفصاح عنه، ثم قال بنبرة شغوفة مغلفة بالمكر:
عيونك.. وقلبك اللي سامع صوت دقاته من وأنا في مكاني.. هما اللي فتنوا عليكي وقالولي.
إحم..

وقالولك إيه بقى؟
هكذا تحدثت هامسة، فأجابها بخشونة:
قالولي إني متربع على عرش قلبك.
ثم قرّب خصلة شعرها من أنفه قبل أن يقول بمكر:
بس إنتِ عندك حق… والغَلطة دي عندي.
غرام بتيه من كلمــ,,ـاته التي بعثرتها:
هااه؟ غلطة إيه؟
تجاهل استفهامها قائلًا بجفاء:
هعدي عليكي النهارده بالليل الساعة تمانية… تكوني لابسة أحلى فستان عندك.
تنبهت لكلمــ,,ـاته التي انتشلتها من بحر المشاعر التي أغرقها بها، فابتلعت ريقها وقالت مستفهمة:
ليه؟
أجابها بنبرته الخادعة وعينيه التي تُشبهها:

عشان الأمير الوسيم هييجي يخطف الأميرة الجميلة للقلعة بتاعته… ويعترف لها بحبه بالطريقة اللي تليق بيها.
ثم مرّر يده على ذقنه قائلًا بمكر:
ويقنعها إنها بتحبه… ويسمع منها اعترافها بالطريقة اللي تليق بيه وترضيه.
لم يُتح لها المجال للرد، فما إن أنهى كلمــ,,ـاته حتى اعتدل في مقعده وقاد سيارته بسرعة شديدة.
أما هي، فقد كانت مشدوهة صامتة غير قادرة على استيعاب تلك المشاعر التي اجتاحتها. وظلت شاردة لوقت ليس بقليل، تفكر بكلمــ,,ـاته التي جعلتها تُحلّق إلى السماء السابعة. أخرجها من شرودها صوته قائلًا:
وصلنا.
كانت غارقة بأحلامها الوردية، فلم تلحظ وصولهما، فقالت بتشتت:
هااه..

إحنا فين؟
في هدومنا.
قالها بسخــ,,ـرية، فاغتاظت من سخريته التي انتشلتها من عالمها الوردي، فقامت بلكزه في كتفه، مجعدةً ما بين حاجبيها بطريقة طفولية جميلة، قبل أن تقول ببراءة:
على فكرة بقى.. إنت رخيم، وأنا زعلانة منك. هااه، واتفضل صالحني بقى عشان فصلتني.
ثم مطّت شفتيها وشبكت يديها بغضــ,,ـب مصطنع.
صرخ صوت في أعماقه قائلًا: كيف لك أن تغفل عن كل تلك البراءة؟
ولكن أسكته في التوّ ذلك الشيطان المستوطن قلبه، متخذًا من تلك الندبة بداخله مسكنًا له. اندفع مُكممًا صوت قلبه: ما ذلك سوى مكر وخداع.. فهذا ما خُلقت النساء عليه.

حاول أدهم السيطرة على غضــ,,ـبه من تلك التخبطات وذلك الصوت الذي يداهمه ليقضّ مضجعه، معنّفًا إياه بشدة على كذبته الحقيرة وما انتواه لها، ليقول بصوت حاول جاهدًا أن يكون ثابتًا:
مش وقت دلعك ده… يلا عشان ننزل نجيب مامتك. الدكتور كتب لها خروج.
صدمتها كلمــ,,ـاته بشدة، فشعرت وكأن دلوًا من الماء سُكب فوق رأسها، فقالت بصوت ضعيف من فرط الحرج:
تمام.
ثم ترجلت من السيارة دون أن تنظر إلى ذلك الذي يسير خلفها، لاعنًا نفسه ألف مرة على حقارته معها…
يقولون دائمًا: كُلٌّ يرى بعين طبعه، لكني أرى أن تلك المقولة يجب تعديلها لتصبح:

كُلٌّ يرى بعين قلبه.
فها هي تراه بقلبها النقي فارسها الوسيم، الذي يرتدي الأبيض الذي يشبه بياض قلبها، بينما هو يراها بقلبه الأسود المليء بالندبات البشعة، ليست سوى بائعة هوى مثل سابقتها.
فكيف لقلب مليء بهذا السواد أن يُبصر كل ذلك الكم من البراءة؟
*********
كان علي يحزم حقائبه عازمًا على الرجوع إلى الإسكندرية بعدما فشلت كل الطرق في معرفة طريق يوسف وكاميليا.

فزفر حانقًا، فهو يشعر بداخله أنه فشل في حمايتها، وأيضًا لم يستطع تنفيذ وعده لأمه، التي كلما هاتفها للاطمئنان على صحتها بعدما صرح الطبيب باستقرار حالتها ونقلها لغرفة عادية، كان يشعر في نبرة صوتها بأنها تلومه على فشله في معرفة مكانها.
أخرجه من شروده رنين هاتفه، فترك ما بيده والتقط الهاتف فوجد رقمًا غير مسجل، فأجاب:
ألو… ألو.
نبرة صوته الجذابة وتلك البُحّة الرجولية أفقدتها صوابها، فلم تقدر على التفوه بكلمة واحدة، فهي منذ ذلك اليوم الذي أتى فيه إلى منزلهم، وصورته لم تفارق خيالها، خاصةً عندما وقف في وجه جدها كالصخر لا يلين أبدًا ولم يهزه تهديداته.

لكنها كانت تقنع نفسها أنها ستفعل ذلك لحماية إخوتها، ولهذا أخذت رقم هاتفه من مازن، الذي جاء في الحال ما إن هاتفته صفية منهارة تقص عليه ما حدث بين علي وجدها.
اهدي اهدي كده يا روفــ,,ـان، مازن طمّنك وقالك إنه إنسان كويس، وميقصدش حاجة من تهديداته دي، هو بس خايف على بنت خالته ومكنش يعرف طبيعة العلاقة اللي بين يوسف وكاميليا. أكيد لما يعرف هيعذر يوسف ومش هيأذيه أبدًا.
هكذا حدّثت نفسها.
أما عند علي، الذي أغلق الخط وأخذ يتذكر ما حدث بينه وبين رحيم وتلك الجميلة التي كانت تُلاحقه في منامه، صورتها دائمًا…

لا يدري ماذا حصل له، فمنذ أن رآها وصورتها مطبوعة بخياله. مازال يتذكر نغمة صوتها الرائعة، لكنه حدّث نفسه قائلًا:
فالح يا خويا! جيت عشان تاخد بنت خالتك اللي خطفها يوسف الحسيني ورجعت من غير بنت خالتك، لا وكمان شكلهم كده خطفوا قلبك. العيلة دي خطر فعلًا، ومبيجيش من وراها غير التعب.
عودة إلى وقت سابق
رحيم بيه أحب أعرفك بنفسي، أنا الرائد علي ها…
مفيش داعي تكرر اسمك عشان عرفته، ولا في داعي تقول رتبتك مرة تانية، عشان صدقني تبقى غلطان لو فكرت إنك بتهددني بيها.
تحدث علي ساخرًا:

كالعاده رحيم بيه بيتسرع في الحكم عالناس. وصدقني مش رتبتي اللي ههددك بيها يا رحيم بيه… لا.
اغتاظ رحيم من نبرة السخــ,,ـرية في صوته فقال بغضــ,,ـب:
إنت مجنون! إنت مش عارف إنت بتكلم مين؟
علي بنفس لهجته الساخرة:
لا، عارف. إنت اللي متعرفش إنت بتكلم مين ومش مدي نفسك فرصة تعرف. أنا علي هاشم ابن فاطمة عز الدين… بيفكرك بحاجة الاسم ده؟
قطّب رحيم جبينه بتفكير، ثم اتسعت عيناه قائلًا:
سالم هاشم جوز فاطمة عز الدين! إنت…
قاطعه علي قائلًا بغرور:
بالظبط. أنا ابن الدكتور سالم هاشم، ابن اللواء هاشم السباعي صديق عمرك.

وأبقى كمان ابن خالة كاميليا حفيدتك، اللي يوسف بيه حفيدك أخدها وخطفها ومحدش عارف وداها فين ولا عمل فيها إيه؟
قالها علي بترقب لملامح وجهه لمعرفة ما إن كان يعرف أم لا.
شعر رحيم بالمفاجآت تنهال عليه واحدة تلو الأخرى، ولكن مهلًا… هل وصل يوسف لكاميليا؟ كيف؟
إنت بتقول إيه! يوسف عرف مكان كاميليا إمتى؟ وازاي؟
تشّدق علي ساخرًا:
واضح إن رحيم بيه معدش مسيطر زي زمان. بقي معقول متعرفش إن يوسف عرف مكان كاميليا؟ دانت كنت زمان دَبّة النملة مكنتش بتخفي عليك. إيه كبرت ولا إيه؟

ولا ده عقاب ربنا عشان ذنب الإنسانة اللي ظلــ,,ـمتوها وعذبتوها زمان وحرمتوها من أختها الوحيدة؟ أنتو وجدّي المحترم وأمهم اللي مــ,,ـاتت بحسرتها من حزنها على بناتها اللي وقعوا في إيد أكتر اتنين ظلــ,,ـمة في الدنيا.
صاح رحيم بانفعال:
اخرس يا ولد! إنت أمك وخالتك هما اللي غلطوا لما بصّوا لفوق أوي… بصّوا لناس مكنوش يحلموا حتى يشوفوهم من بعيد.
علي برزانة لا تخلو من الحزم:
دي أفكاركوا الرجعية هي اللي كانت بتصوّركوا كده. بس الحمد لله، أبويا مكنش بيفكر زيكوا.

اختار قلبه وأخد أمي ومشي بعيد عنكوا وعن ظلــ,,ـمكوا، وحماها منكوا وأنقذها من مصير بشع زي مصير خالتي زهرة. ويشاء ربنا إن بنتها تيجي بعد كل السنين دي وتهرب منكوا وترجع لأهلها اللي خبيتوها عنهم كل السنين دي. شوفت؟ الدنيا دي طلعت صغيرة أوي، مش كده؟
زفر رحيم قائلًا بتعب، فلم يعد قادرًا على احتمال أثقال قلبه:
إنت جاي عايز إيه يا علي؟
جاي أعرفك وأعرف يوسف وأعرف عيلة الحسيني كلها، إن محدش هيقدر يدوس لكاميليا بنت خالتي على طرف طول ما أنا عايش. وياريت توصل الكلام ده لحفيدك الغالي.

قال جملته الأخيرة بسخــ,,ـرية أيقظت وحوش غضــ,,ـب رحيم، الذي زجره بعنــ,,ـف:
إنت اتجننت! جاي تهددنا في بيتنا؟ أنا لولا إني محترم جدك ومحترم صداقتنا كان زماني…
قاطعه علي بصرامة:
متقدرش تعمل حاجة لا إنت ولا هو. كلامي خلص. ياريت توصل الرسالة دي ليوسف، عشان صدقني لو وقع في إيدي مش هسيبه.
تحدث رحيم ساخرًا برغم غضــ,,ـبه وخوفه على حفيده:
وحتة عيل زيك هيعمل إيه بقى في حفيد رحيم الحسيني؟
علي بغضــ,,ـب مكبوت لسنوات من بطش ذلك العجوز:
هنوّلك شرف إنك تقف تاخد عزاه.

الصندوق اللي فيه جــ,,ـثته هتلاقيه داخل من الباب ده في أي وقت لو بنت خالتي مظهرتش.
قال جملته الأخيرة بوعيد لم يخطئ رحيم في فهمه، ثم غادر بشموخ كما جاء.
تقابلت عيناه بعينيها للحظات، فشعر بوخزة داخله حين رأى تلك النظرة المُرتعبة في عينيها. فهو لم يكن أبدًا ممن يستغلون رتبهم ونفوذهم، وليس بقاتل أيضًا، لكنه كان لابد أن يفعل ذلك حتى يُخيفهم ويمنعهم من إلحاق الأذى بكاميليا، مثلما كانوا يفعلون مع خالته كما أخبرته والدته.
عودة للوقت الحالي
اهتز هاتفه بين يديه فاستفاق من شروده قائلًا بملل:

وبعدين بقى في الرقم اللي كل شوية يرن وميردش ده؟
ألو… ألو؟
كان علي على وشك إلقاء السباب، لكن أوقفه ذلك الصوت العذب الذي كان يغزو أحلامه ويؤرق منامه:
ألو… الرائد علي هاشم؟
ما إن نطقت اسمه بتلك اللهجة المرتبكة حتى شعر بدقّة قوية في قلبه، فصمت لثوانٍ يتخيلها أمامه تنطق اسمه بتلك الطريقة. أيعقل أن يكون هذا حلمًا؟ وإلا كيف وصلت إلى رقم هاتفه؟ فقال بصوت حاول أن يكون ثابتًا:
أيوه، أنا الرائد علي. مين بيتكلم؟
قالت روفــ,,ـان متلعثمة:
أ.. أنا روفــ,,ـان.
أراد مشاكستها قليلًا، فقال بجفاء:
روفــ,,ـان مين؟

اندفعت قائلة بحزن من عدم تذكره لها:
روفــ,,ـان الحسيني! هو إنت نسيتني؟
آه افتكرت… أهلا يا آنسة روفــ,,ـان.
قالها بجفاء، فأجابته برقة:
أهلا يا سيادة الرائد.
خير؟ أقدر أعرف إيه سر اتصالك ده؟
قالها علي ليحثها على الحديث عندما وجدها قد لاذت بالصمت. فقالت بخفوت يشوبه الخجل:
في الحقيقة أنا كنت عايزة أقابلك… يعني، ده لو مكنش يضايقك؟
لا، يضايقني إيه؟ ميضايقنيش ولا حاجة.
قالها علي باندفاع، خشية أن تسحب عرضها. فها هي فرصته جاءت على طبق من فضة، فقد اختطفته تلك الشقية ببراءتها وجمالها وعينيها الناعستين.

فقد كان طوال الأسبوع المنصرم يفكر بها، ويلعن حظه الذي جعله يظهر وكأنه عدو لها ولإخوتها.
تنحنح علي خجلًا من اندفاعه وقال محاولًا أن يبدو جادًا في حديثه:
خير، في حاجة كنتِ عايزاني فيها؟
يعني أكيد لما نتقابل هقولك…
تحدث علي بثبات ينافي ابتهاج قلبه من طلبها:
تمام، زي ما تحبي.
أوك، ممكن نتقابل في (….) النهارده الساعة 7؟ كويس؟
كويس… هتيجي لوحدك؟
كان سؤالًا عابرًا، ولكنه أغضــ,,ـبها فقالت:
إيه هاجي لوحدي دي؟ هو أنا صغيرة ولا إيه؟
لم يستطع منع قهقهاته على غضــ,,ـبها، فتعمد إغضابها أكثر قائلًا:

أبدًا والله ما قصدت. بس فكرت بنت عمك الأمورة دي هتيجي معاكِ.
صدمها حديثه فقالت باستنكار:
نيفين؟ هو إنت عايزها تيجي؟
شعر بأنه خطا إلى أمور حساسة بالنسبة لها، فقال مُصححًا:
لا أبدًا، ده مجرد سؤال.
تحدثت بجفاء أذهله:
مجرد إجابة: لا، مش هتيجي معايا. لأني مش جاية أتفسّح مع حضرتك يا سيادة الرائد. أنا جاية لك بخصوص يوسف وكاميليا، ونيفين آخر واحدة ينفع أتكلم قدامها عن أي حاجة تخصهم.
لم يطل في الحديث، إنما قال بهدوء:
تمام يا آنسة روفــ,,ـان، مستنيكي في المعاد والمكان اللي اتفقنا عليه.

أغلق المكالمة وألف سؤال يدور بعقله: لماذا اتصلت به؟ ولماذا تريد أن تحــ,,ـادثه بشأن يوسف وكاميليا؟ هل يمكن أن تخبره بمكانهما؟ ألا تشعر بالخوف منه، مما حدث بمنزلهم وتهديده الصريح لجدها؟ من أين جاءت برقم هاتفه؟ أيعقل أن تأخذه من مازن، وهو الذي تجاهل اتصالاته طوال الأسبوع المنصرم؟
زفر علي حانقًا وقال بملل:
أنا هغلب نفسي ليه! لسه كلها كام ساعة وأعرف كل حاجة.
****************
يلا يا ماما يا حبيبتي أنا جهزت كل حاجة عشان نمشي.

قالتها كارما بسعادة فقد استعادت والدتها عافيتها وطمأنهم الطبيب بأن حالتها أصبحت مستقرة ولكن حذّرهم من أن تتعرض لصدمــ,,ـات أخرى فقلبها لن يحتمل.
قلبي واجعني على بنت خالتك أوي يا كارما، حاسة إن فيها حاجة.
يا ماما يا حبيبتي متقلقيش، انتِ بنفسك شفتي يوسف وقلتي قلبك انشرح له وكنتي مستغربة ليه كاميليا هربت منه؟
معرفش يا كارما، قلبي واجعني النهارده أوي وشفت كابوس وحش. أنا مش هستحمل كاميليا تضيع مني زي أمها.
بعد الشر يا ماما ما تقوليش كده. إن شاء الله كاميليا هترجعلك تاني وكل حاجة هتبقى زي الفل. وبعدين مش يمكن تتصالح مع يوسف؟

انتِ شفتي هي بتحبه قد إيه وكانت بتتعذب في بعدها عنه. أنا معرفش إيه اللي حصل ممكن يخليها تهرب منه وهي بتحبه كده، وخصوصًا إنها أكدت لنا إنه عمره ما عملها حاجة وحشة.
فاطمة بعدم فهم:
والله ما أنا عارفة يا بنتي، ربنا يحنن قلبه عليها ويهديهم لبعض.
أوقفهم عن الحديث ذلك الطرق على الباب ودخول غرام وأدهم خلفها لتقول غرام بمرح كعادتها:
إيه ده إيه ده، إيه الحلاوة دي يا طمطم! وآل عملالنا فيها تعبانة آل؟
يا بت بطلي بكش، انتِ متعرفيش تتكلمي كلمة واحدة جد أبدًا.
متبقاش غرام لو عملت كده.

فاجأهم ذلك الصوت الآتي من خلفهم الذي انتفض له قلب كارما، فالتفت جميعهم مرحبين بمازن الذي كان قد وصل لتوه من القاهرة.
وأنا بقول الجو بقى خنيق ليه كده، اتاري سيادتك وصلت بالسلامة!
هكذا تحدث أدهم ساخرًا، فأجابه مازن:
تصدق أنا مؤدب ومش هرد عليك.
ثم اقترب منه هامسًا في أذنه:
مش حلوة مني أبعزق الهيبة دي قدام المزة برضه..
اختتم كلامه بغمزة، فهو قد رآه عندما كان مع غرام بالسيارة.
ارتبك أدهم قليلًا من حديث مازن ولكنه أجاب بثبات وقال ساخرًا:
مؤدب أوي ياخويا، انت هتقولي!

اقترب مازن من فاطمة قائلًا بمرح:
إيه يا بطوط الحلاوة دي، ده البت غرام عندهم حق! في حد يبقى حلو كده وهو تعبان؟
فاطمة بمزاح:
أيوه، اضحك عليا وكل بعقلي حلاوة يا واد انت.
أنا أقدر برضه.
ثم رفع رأسه موجهًا حديثه لكارما التي كانت تقف خلف والدتها وأكمل بعشــ,,ـق:
ده انتِ حبيبتي وروح قلبي، في حد يضحك على حبيبته برضه؟
خجلت كارما كثيرًا من عدم خجله في إظهار مشاعره أمامهم، فأخفضت رأسها هربًا من عينيه. فلكزته فاطمة في كتفه وقالت متصنعة الغضــ,,ـب:
احترمني يا وله، هتحب فيها وأنا قاعدة؟
مازن بصياح:

إيه يا خالتي، إحنا هننصب؟ ما انتي عارفة اللي في قلبي.
فاطمة بتقريع:
أيوه يا عين خالتك، بس إحنا بينا اتفاق ولا نسيت؟
كارما وغرام بصوت واحد:
اتفاق إيه يا ماما؟
عودة إلى وقت سابق:
إيه يا فطومة كده تقلقينا عليكِ؟
نظرت إليه فاطمة بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
كاميليا يا مازن، يوسف خطفها وأكيد هيأذيها زي ما عملوا في أمها.
مازن بطمأنة:
مفيش الكلام ده يا خالتي، صدقيني يوسف بيعشــ,,ـق كاميليا وعمره ما هيأذيها.

كل الموضوع إنه اتجنن لما هربت منه، خصوصًا بعد كتب كتابهم بأسبوع من غير أي أسباب.
يقوم يخطفها يا مازن! بدل ما ييجي يكلمني ويقول لي وأنا أعرف منها حصل إيه؟ ده دخل بيتنا وكل فيه عيش وملح وشافنا عاملين إزاي!
مازن بتوضيح:
وحضرتك برضه شفتيه عامل إزاي، ما هوش مجرم ولا قتال ــ,,ـة. وأنا واثق إنك ليكِ نظرة في الناس وعرفتي إذا كان يوسف كويس ولا وحش.
فاطمة بتعب:
والله ما أنا عارفة أقولك إيه يا ابني، يارب يطلع كلامك صح.

كاميليا دي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة أختي الله يرحمها، ومش هقدر تضيع مني تاني.
مازن بطمأنة:
وأنا بأكدلك إن مفيش الكلام ده، وإن يوسف بنفسه هو اللي هيجيب كاميليا لحد عندك. بس دول راجل ومراته ومحدش ينفع يتدخل بينهم.
عاندته بقلب يتألم خوفًا من الفقد:
أيوه يا مازن، بس قلبي واكلني عليها غصب عني.
مازن بنفاذ صبر:
يعني هو هيأكلها يعني يا خالتي؟ دي مراته! وبعدين اطمني، كاميليا بنظرة واحدة بتجيب يوسف الأرض.
ابتسمت فاطمة فتابع:
يوسف الحسيني اللي الناس بترتعش منه، كاميليا بنت أختك بتقدر تهديه وتمتص غضــ,,ـبه بكلمة واحدة.

ثم قال بنبرة ماكرة:
طالعة لخالتها، فاكرة يا خالتي عمي سالم الله يرحمه؟ كنا نعمل مصيبة من دول أنا وعلي، كان يهد الدنيا على دماغنا، وبكلمة حلوة منك كان يهدي ويصالحنا كمان. طول عمرك مسيطرة يا فطوم.
لكزته فاطمة وهي تقول بتوبيخ:
بطل قلة أدب يا واد انت، عيب.
ابتسم مازن قائلًا:
بقولك إيه يا فطوم، سيبك من كاميليا ويوسف يولعوا، عايزك في موضوع أهم منهم.
فاطمة متصنعة عدم الفهم:
موضوع إيه يا حبيبي؟
هتصيعي عليا يا فطوم؟ يعني ما خدتِش بالك إني همــ,,ـوت على كارما؟
هتمــ,,ـوت مرة واحدة يا مازن!

ده انت مشوفتهاش غير كام مرة بس.
مازن بنفاذ صبر:
إحنا هنهزر يا خالتي؟ كارما بتاعتي من يوم ما اتولدت، ولولا اللي حصل لبابا وماما ده كان زمانها مراتي.
اختنق صوته عند ذكر والديه، فرق قلب فاطمة وقالت بحنو:
الله يرحمهم يا حبيبي، ادعيلهم يا مازن ومتحملش نفسك ذنب مش ذنبك يا ضنايا.
الله يرحمهم.

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى