قالها بألم واقترب منها ممسكًا بيدها مضيفًا:
أنا بحب كارما أوي يا خالتي، ومنستهاش ولا لحظة. قلبي كان مختوم بحبها ومقفول عليها السنين اللي فاتت. متحرمنيش منها أرجوكِ.
يا حبيبي يا مازن، قد كده بتحبها؟
وأكتر كمان والله. ونفسي تبقى مراتي النهارده قبل بكرة، بس بعد موضوع كاميليا ويوسف ده حصل خلاف بينا أنا وعلي…
طمأنته فاطمة حين قالت:
متقلقش من ناحية علي، سيبه عليا. هو قلبه أبيض وبيصفي بسرعة، وكمان بيحبك وبيعتبرك أخوه. هو اتحمق عشان كاميليا لأنه بيعتبرها أخته. أنا أهم حاجة عندي كارما اللي انت جرحتها ووجعتها بغيابك.
انتوا فاكرني مش عارفة حاجة بس أنا عارفة كل حاجة.
مازن بمزاح:
قربا يا فطوم.
بطل طولت لسان واسمعني. أنا موافقة على جوازك من كارما بس عندي شرطين.
قاطعها مازن قائلًا بمرح:
من أولها بتتشرطوا؟ أمال إيه “ابني وضنايا” والكلام ده كله؟ بتثبتيني عشان تجيبي رجلي؟
ليه يا حبيبي، هي كارما بايرة؟ دي ألف واحد يتمناها.
مازن متصنعًا الغضــ,,ـب:
شاوريلي عالألف دول بقى عشان أروح أفجرهم كلهم! وبعدين يا خالتي، ده أنا عنايا ليكِ مليون شرط مش شرط واحد.
فاطمة بمرح:
أيوه كده اتعدل.
أول شرط إن مفيش حاجة هتتم غير لما كاميليا تظهر وأطمن عليها.
هم أن يقاطعها، فأسكتته بيديها قائلة:
اسمع للآخر… تاني شرط إن في الفترة دي تحاول تصلح اللي انت عملته وتداوي القلب اللي جرحته، ومــ,,ـاتقولش ولا حرف. يا إما هرجع في كلامي وأقولك ما عنديش بنات للجواز.
مازن بلهفة:
لا، ما عندكيش بنات إيه؟ ده أنا أروح فيكوا في داهية! بصي يا خالتي، أنا طلبت نقلي للإسكندرية وهلزقلكوا هنا لحد ما تزهقوا وتجوزوهالي.
فاطمة بمكر:
والله لو عملت أرجوز، ما هجوزهالك غير لما أطمن على كاميليا.
أوعدك يا خالتي، هجيبلك يوسف وكاميليا من تحت الأرض، بس خليها ترضى عني.
لا، دي بتاعتك بقى. أنا هفتحلك المجال وانت عليك تراضيها وتقنعها بمعرفتك.
صاح مازن بفرح قائلًا:
أحلى فاطمة في الدنيا! ربنا يخليكِ لينا يا خالتي. بصي، أنا هخلع يومين هنزل فيهم القاهرة أشوف يوسف ممكن يكون راح فين، وبالمرة أتابع ورق النقل بتاعي، وهرجع أحاول أصالح بنت المجنونة اللي برا دي.
اتلم يا واد، بدل ما أنا اللي هوريك الجنان يبقى إزاي. والاتفاق ده خليه بينا. ويلا عشان ما تتأخرش عالسفر.
لا خلاص خلاص، عيل وغلط. خلي بالك من نفسك ومنها.
أدهم هيفضل هنا عشان لسه قدامه شغل، هيشوف لو محتاجين حاجة طول ما أنا وعلي مسافرين.
باين عليه طيب وابن حلال.
هكذا تحدثت فاطمة بنبرة ذات مغزى وصل على الفور إلى ذهن مازن الذي قال:
آه والله، وسينجل وبيدور على عروسة. وشكله كده وقع على جدور رقبته.
يلا يا واد بطل رغي وامشي، روح شوف وراك إيه.
أوامرك يا فندم. يلا سلام.
وما إن هم بالخروج من الغرفة حتى نادته فاطمة قائلة:
مازن، خلي بالك من كارما يا مازن. أوعي تكسر قلبها، وقتها أنا اللي هقفلك.
كارما دي أغلى حاجة عندي في الدنيا.
عمري ما هقدر أأذيها. أمــ,,ـوت ولا إني أفكر حتى.
بعد الشر عنك يا حبيبي، ربنا يفرحني بيكوا ويطمن قلبي على اللي غايبة دي ومعرفش أراضيها.
عودة للوقت الحالي:
ده موضوع كده بيني وبين مازن، مش لازم كل حاجة تعرفوها.
قالتها فاطمة بغموض، فقال أدهم:
تمام يا ست الكل. أهم حاجة إننا اطمننا عليكِ. يلا بقى عشان أروّحكوا البيت، عشان عندي معاد مهم أوي بالليل وعايز أجهز له.
ارتبكت غرام كثيرًا عندما سمعت حديثه، وغزا الاحمرار وجنتيها. فلاحظت كارما حالتها، فهمّت بالحديث قائلة:
طب معلش يا أدهم، وصل ماما وغرام.
أنا لسه هعدي عالجامعة هجيب المحاضرات اللي فاتتني من سُهى صاحبتي، وهاجي على طول.
فهب مازن قائلًا:
طب تمام، أنا هودي كارما تجيب محاضرتها وهنحصلكوا.
فوافق جميعهم وانطلق كلٌ منهم إلى وجهته.
***********
وحشتيني أوي
قالها مازن بعدما استقلا سيارته.
إنت ليه ماقولتليش إنك جاي النهارده؟
قالتها كارما بخجل.
كنت عايز أعملهالك مفاجأة.
قالها مازن بحب.
أنا اتفاجئت فعلًا، خصوصًا إنك كنت لسه بتكلمني من شوية وماقولتش حاجة.
ماقولتلك كنت عايز أعملهالك مفاجأة.. بس يا ترى عجبتك مفاجأتي؟
غزا الخجل وجنتيها ولهجتها فتبعثرت الحروف على شفتيها.
هاه..
اقترب منها مازن مستنشقًا رائحة شعرها الخلابة وأردف قائلًا:
أنا بعشــ,,ـق الفراولة اللي في خدودك دي.. بحبك يا كارمتي.
أما عند كارما فشعرت بالفراشات تطير في معدتها، ودقات قلبها تقرع كالطبول، وكادت تذوب من فرط الخجل.
فقهقه مازن عندما وجدها تتكور في مقعدها مطأطئة رأسها.
فقال من بين ضحكاته:
خلاص هتروحي فين؟ إنتِ لزقتي في الباب يا روحي.
ثم رفع رأسها قائلًا بعشــ,,ـق:
أوعي توطي راسك تاني طول ما أنا عايش.. راسك دي دايمًا مرفوعة. يلا عشان هنتغدى سوا.
ابتسمت كارما بخجل وهزت رأسها دليلًا على الموافقة.
فابتسم هو الآخر على خجلها الذي يروق له، وانطلق بسيارته.
—
على جانب آخر كان أدهم يقود السيارة وعينيه مُعلقة بتلك الجميلة التي سلبت قلبه، ولكن عقله يأبى الاعتراف بالهزيمة. ولم يكن يغفل عن السيدة فاطمة التي كانت كلما همت بالحديث تصمت في آخر لحظة، فوجه أدهم حديثه إليها قائلًا برزانة:
سامعك يا حاجة فاطمة.. قولي الكلام اللي كل ما ييجي يطلع تمنعيه على آخر لحظة. اسألي عن اللي إنتِ عايزاه وأنا هريحك.
ابتسمت فاطمة على ذكائه وقالت:
كنت عارفة إنك ذكي أوي يا أدهم بيه.. ذكاؤك باين في عينيك.
اسمي أدهم بس يا طنط..
ده أنا زي علي.
قالها أدهم بابتسامة صادقة ثم أردف:
ده من ذوق حضرتك، بس ده مش ذكاء ولا حاجة، إنتِ بس اللي باين عليكِ إنك متوترة وفي جواكي أسئلة كتير عايزة تعرفي إجاباتها.
مقصدش على كده.. أقصد على أسلوبك، بتعرف توصل للي قدامك صح.. معرفش دي موهبة ولا جت بالممارسة.
قالتها فاطمة وألقت عليه نبرة ذات مغزى، فتحمحم أدهم وتَصنّع عدم الفهم للمعنى المستتر لحديثها فقال مستفهمًا:
حضرتك تقصدي إيه؟ مش فاهم.
أقصد إن زي ما أنا شايفة الذكاء في عينيك.. شايفة برضو المكر. مــ,,ـاتزعلش مني أنا ست صريحة.
ابتسم أدهم وقال بحرج:
لا والله مش مكر.. دي شوية شقاوة كده يعني.
يعني مقلقش من شويتين الشقاوة بتوعك دول؟
كان الاستفهام يبدو عفويًا، ولكنه كان يخفي خلفه الكثير.
لا متقلقيش.. ده أنا غلبان أوي والله.
قالها أدهم بضحك، فشاركته فاطمة ضحكاتها. أما عند غرام فقد كانت تستمع إلى حديثهم بصمت تام، وكانت تُكمم ذلك الصوت في أعماق قلبها الذي يحذرها مما هي مقبلة عليه.
طب مادام إنت ملاحظ بقى فأنا عايزة أطمن على كاميليا.. قلبي وجعني عليها يا ابني.
أدهم بصدق:
بصي أنا مش هكذب عليكِ..
أنا معرفش يوسف وكاميليا فين، بس أقدر أضمنلك إن يوسف عمره ما هيأذي كاميليا أبدًا، عشان هي باختصار أغلى حد عنده في الدنيا.
همت فاطمة بالحديث، فأوقفها أدهم قائلًا:
اطمني يا حاجة فاطمة.. كاميليا في أمان مع يوسف، وعمرها ما هتكون في أمان غير معاه.
وأخيرًا وصلوا إلى وجهتهم، فهمّ أدهم بالانصراف بعد أن ساعدهم في الوصول إلى باب الشقة، فأصرت عليه فاطمة بالدخول.
هو ينفع يا أدهم يا ابني تيجي لحد هنا وما تدخلش تشرب فنجان قهوة؟ ده إنت بتشتمنا بقى.
خليها مرة تانية عشان حضرتك تعبانة.
ولا تعبانة ولا حاجة..
اتفضل ادخل، إنت طلّع عينك معانا طول الأسبوع وكفاية وقفتك مع البنات في غياب علي.
دخل أدهم وسط إلحاح من فاطمة التي استأذنت لتغيير ملابسها.
أنا هدخل أغير هدومي وهاجي نشرب القهوة سوا.. دي غرام عليها فنجان قهوة مالوش حل.
ثم أخفضت صوتها قليلًا قائلة:
أصل دي الحاجة الوحيدة اللي هي فالحه فيها.
فصدح صوت من المطبخ قائلًا:
سامعاكي يا ست ماما.
فضحك كل من أدهم وفــ,,ـاطمة على غرام، واتجهت فاطمة لغرفتها، في حين أن أدهم الذي ما إن وجدها تتوارى خلف باب الغرفة حتى أخذته قدماه لتلك التي احتلت قلبه، فتسمر في مكانه مما سمعه.
إيه يا حبيبي عامل إيه؟.. أنا بخير وماما كمان بخير.. آه والله زعلت لما معرفتش تيجي عشان تروحنا، بس الحمد لله اتحلت، صاحب علي جه وصلنا.. تمام يا قلبي خلي بالك من نفسك.. وإنت كمان هتوحشني.
انسحب أدهم بهدوء بدون أن تشعر به وهو يغلي من الغضــ,,ـب، فكلما يتجاهل عقله ورأيه في النساء ويقول إنها مختلفة، تصفعه حقيقتها التي صوّرها له شيطان خذلانه، ليتوعد لها بأقسى أنواع العقاب.
خرجت غرام حاملة القهوة لتقول بمرحها المعهود:
فنان قهوة بقى إنما إيه.. هتدعيلي عليها أصل دي تقريبًا أحسن حاجة بعرف أعملها زي ما ماما قالتلك.
نظر أدهم إلى ضحكاتها الجميلة، ملامحها البريئة، عفويتها الملحوظة، فقال محدثًا نفسه:
(هو في حد ممكن يمثل البراءة بالإتقان ده؟ ده حتى مرام بكل وساختها مــ,,ـاتجيش فيكِ حاجة.. وحياة أمي لاندمنك على اليوم اللي اتولدتي فيه..
ده إنتي خسارة فيكِ أمك وأخوكي.. صبرك عليا).
اقترب منها قائلًا بصرامـة:
اعتذري لمامتك، مش هقدر أشرب معاها القهوة عشان جالي تليفون مهم.
ثم توقف بجانبها وقال لها بحدة أخافتها:
أوعي تتأخري عن معادنا.. هبعتلك العربية تاخدك الساعة تمانية بالظبط.
ثم تركها وانصرف وسط دهشتها وذهولها.
********
-إيه يا حبيبي، هتاكلي إيه بقى؟
قالها مازن بحب، فأجابته بخجل:
أي حاجة، أنا مش جعانة أوي أصلًا.
غازلها قائلًا:
إن جيتي للحق أنا كمان مكنتش جعان، بس لما شفت عيونك الحلوين دول نفسي اتفتحت..
زجرته بوعيد:
مازن بطل نصب، عشان أصلًا لسه مسامحتكش، ومفتكرش إنك ممكن تضحك عليا بالكلمتين دول.
طب أضحك عليكِ بكام كلمة؟
قالها مازن بتسلية.
ولا بمليون كلمة يا مازن، عشان أنا مش زعلانة، أنا خايفة. قلبي مرعوب منك لتجرحه مرة تانية أو نقول تالتة.
هكذا تحدثت بحزن، فأجابها بصدق:
أرجوكِ يا كارما سامحيني، وخليكِ واثقة إنك أغلى حد عندي في الدنيا. أنا بحبك أوي، وعمري ما نسيتك لحظة. إنتِ كنتِ ساكنة قلبي ومحوطاه بحبك اللي عماه عن كل ستات الدنيا دي. إديني فرصة واحدة أثبتلك إنتِ عندي إيه؟
اعتبريها آخر فرصة.
قالها مازن برجاء.
ولو ضيعتها يا مازن؟
مش هضيعها، صدقيني، عمري ما هفرط فيكِ، ولا هضيعك من إيدي تاني يا سكرتي.
قالها بعشــ,,ـق، فخجلت كارما كثيرًا من حديثه الذي دغدغ مشاعرها، ونظراته التي كانت تربكها. فهي تعشــ,,ـقه، ولا حيلة لها سوى مسامحته وإعطائه تلك الفرصة التي يتلهف إليها قلبها.
كان مازن يراقب ملامحها بعشــ,,ـق شديد وخوف من أن ترفض مسامحته، فهي كالماء والهواء بالنسبة له…
وأخيرًا، أشرقت الشمس على عالمه المظلــ,,ـم بتلك الإيماءة البسيطة من رأسها، ليشعر بالراحة، وأخذ يناظرها بحب، وتخبرها عيناه بأنها عشــ,,ـقه وحبيبته وملكته فقط بلا منازع.
قطعت تواصلهما البصري قائلة بحرج:
إحم..
أنا هروح التواليت على ما تكون طلبتلنا الأكل.
طب ما قلتيليش عايزة تاكلي إيه؟
إنت نفسك تاكل إيه؟
قالتها كارما بحب، فأعطاها غمزة رائعة قبل أن يقول:
أقول ولا هتتكسفي زي عادتك؟
مازن اتلم، عشان والله هزعل منك.
قالتها كارما بحدة، ثم أضافت بدلال:
وبعدين يكون في علمك، من هنا لحد اليوم اللي هتنازل وأتجوزك فيه، إياك تفكر تقول أو تعمل حاجة كدا ولا كدا.
نعم يا أختي؟
قالها مازن بصدمة.
أيوة طبعًا، وخليك فاكر إنك وعدتني إنك عمرك ما هتزعلني تاني.
يعني أنا وعدتك إني عمري ما هزعلك، تقومي إنتِ تقهريني يا كارما؟
أنا لو غالية في نظرك، هتعمل كده من نفسك.
هكذا قالت بثبات.
إنتِ إزاي تفكري كدا؟ إنتِ أغلى وأحلى وأنقى حاجة في حياتي. أنا غصب عني مبكونش قادر أتحكم في مشاعري وأنا جنبك، لكن خلاص يا عمري، مادام دي حاجة بتزعلك، أوعدك مش هكررها تاني، وهحاول أتحكم في مشاعري أكتر من كدا.
ربنا يخليك ليا.
قالتها كارما بخجل، وذهبت لتترك ذلك الذي يكاد يطير من فرط السعادة. فها هي محبوبته يتجلى عشــ,,ـقها بداخل عينيها، حتى ولو لم تفصح به شفتيها.
أخرجه من شروده ذلك الصوت الذي كان يتمنى ألا يسمعه طوال حياته. فالتفت خلفه ليتفاجأ بتلك الفتاة تقترب منه مرددة:
مازن، وحشتني أوي أوي.
من فرط دهشته لم يكن قادرًا على إبعادها عنه، لتتوالى عليه الصدمــ,,ـات، ويرى حبيبته تنظر إليه وهو مع تلك الفتاة التي تتعلق به كما لو أنه مكانها الطبيعي.
اقتربت منهم ببطء شديد، ونطقت بتلك الحروف التي لا تعرف كيف خرجت منها قائلة:
م.. مين دي يا مازن؟
التفتت إليها الفتاة، ومن ثم تنقلت نظراتها بينها وبين مازن المصدوم، لتتولى هي مهمة الرد بينما مازن ما زال واقعًا تحت تأثير الصدمة.
لتقول بغنج:
أنا خطيبته، إنتِ مين يا حلوة؟