عودة لوقت سابق …
“يوسف! حبيبي يا ابني، إنت فين؟ طمّني عليك! بقالي أسبوع هتجنن مش عارفة عنك أي حاجة!”
هكذا صرخت صفية بخوف، فأجابها يوسف بنبرة مُطمئنة:
“يا أمي، اهدي … أنا كويس، إديني فرصة أتكلم.”
قالت صفية بعتب:
“كاميليا معاك يا يوسف، صح؟ أوعى تأذيها يا ابني، ورحمة أبوك الغالي.”
فقال يوسف بغلظة:
“مين قالك إن كاميليا معايا؟”
تلعثمت صفية واحتارت ماذا تخبره، لكنها فضّلت أن تخبره الحقيقة، فالصدق دائمًا مُنجي.
“ابن خالة كاميليا جه عندنا القصر وسأل عليها، وقالنا إنك … يعني …”
“يعني إيه يا أمي؟
قولي ما تجننيش!”
قالها بغضــ,,ـب.
“إنك خطفتها … واتخانق مع جدك!”
تجمعت ذرات الغضــ,,ـب فوق جبهته، واسودّت عروقه، وكذلك نبرته حين قال:
“شكل الهانم ما قالتش لابن خالتها إنها مراتي!”
أجابته صفية بلهفة:
“لا يا ابني، هو عارف والله … بس أصل خالتها يا عيني تعبت ودخلت المستشفى لما عرفت إنها اتخطفت، ووصّته إنه يدور على بنت خالته.”
أنهى النقاش قائلًا بجفاء:
“ماشي يا ماما، أنا هتصرف … المهم بكرة تيجوا إنتِ وروفــ,,ـان عشان تشوفوا كاميليا، هي في مستشفى (…).”
اندلعت حرائق الخوف بقلبها جراء حديثه:
“كاميليا مالها يا يوسف؟
مستشفى إيه؟”
قال يوسف بجمود:
“اطمني، هي كويسة … شوية هبوط بس عشان ما كانتش بتاكل كويس.”
استفهمت بجزع:
“يوسف، إنت ما بتكذبش عليّ، صح؟”
“وأنا من إمتى كذبت عليكِ يا صفية؟”
همست بتعب:
“ربنا يريح قلبك يا ابني … طب مش ممكن نيجي نشوف كاميليا دلوقتي؟ دي وحشاني أوي.”
قال يوسف باختصار:
“الوقت اتأخر يا أمي، خليكوا بكرة.”
“ما إحنا كده كده برّه.”
قالتها صفية بلهفة، فقال بخشونة:
“وإنتوا بتعملوا إيه برّه في الوقت دا إنتِ وروفــ,,ـان يا ماما؟”
تلعثمت صفية وفضّلت تأجيل الحديث لحين الاطمئنان على كاميليا، وحتى لا تزيد غضــ,,ـبه من علي الذي شعرت به من نبرة صوته، فقالت كاذبة:
“كنا بنشتري شوية حاجات يا حبيبي، وبعدين قولنا نقعد في أي كافيه نرتاح شوية ونشرب حاجة، وبعدها نروح.”
شعر يوسف باهتزاز نبرة صوتها، لكنه فضّل الصمت على أن يعرف ما أربكها في وقت لاحق.
“ماشي يا ماما، هستناكم بكرة تيجوا تشوفوها، وبعدها نتكلم براحتنا … سلام دلوقتي.”
عودة للوقت الحالي
“وهو دا اللي حصل يا عمي …
وأنا بصراحة ما اتعودتش أخبي على حضرتك حاجة، وكمان ما قدرتش أستنى لحد بكرة الصبح.”
ابتسم رحيم بهدوء قبل أن يقول:
“عارفة يا صفية … إنتِ فيكِ حاجات كتير أوي حلوة، بس أحلى حاجة فيكِ إنك نقية … ما تعرفيش اللوع ولا الخداع. يعني بالرغم من إنك عارفة إني ممكن أعاقب روفــ,,ـان على اللي عملته، بس إنتِ اخترتي تكوني صادقة معايا وتعرفيني إيه اللي بيحصل من ورا ضهري.”
قالت صفية بهدوء:
“يا عمي، أنا شاكرة لذوقك، وشهادتك دي أعتز بيها …
بس روفــ,,ـان لسه صغيرة وخافت على أخوها، ما كانتش تقصد تكذب علينا أو تخبّي.”
أومأ برأسه قائلًا بتفهّم:
“فاهم يا صفية … وعارف كلامك دا من قبل ما تقولي … وعارف اللي حصل من قبل ما تيجي تحكي.”
صُدمت صفية مما تفوّه به، واتّسعت عيناها وهي تقول بذهول:
“تقصد إن حضرتك كنت عارف إن روفــ,,ـان قابلت علي؟”
“تقصدِي بتقابله! أنا عارف من وهي هناك معاه!”
اغتاظت، لكنها كظمت غيظها حين قالت بهدوء:
“وطبعًا أكيد سميرة اللي قالت لحضرتك؟”
“مش مهم مين قالي يا صفية …
المهم اللي حصل، والواد اللي اتجرأ دا وفكّر يهدد روفــ,,ـان عشان تقابله لازم يتعاقب.”
قالت صفية بهدوء:
“يا عمي، صدقني … الولد دا كويس جدًا ومحترم، هو بس قلقان على بنت خالته … كمان والدته دخلت المستشفى من الزعل.”
استنكر دفاعها عنه، فقال باندهاش:
“إنتِ غريبة يا صفية! بتدافعي عنه بعد ما هدد إنه يمــ,,ـوت ابنك؟”
قالت صفية باتزان:
“عشان عارفة هو عمل كدا ليه … وله مبرره.”
“إنتِ كمان بتبرّري له يا صفية؟”
“مش ببرّرله يا عمي، بس هو عارف هو داخل بيت مين، وكان لازم يبيّن إنه مش خايف منّا …
وقال كدا عشان يوسف ما يفكرش يأذي كاميليا.”
قال رحيم بسخــ,,ـرية:
“دا أقنعك بقى؟”
قاومت ذلك الاتجاه الذي تأخذه كلمــ,,ـاته وقالت:
“ما أقنعنيش ولا حاجة، بس أنا مش صغيرة وأقدر أفهم الناس كويس … وكمان أنا عارفة تربية فاطمة هتبقى عاملة إزاي.”
“قصدك أصلها يا صفية هو اللي هيمنعها تعمل حاجة وحشة … فاطمة دي زيها زي أختها.”
كلمــ,,ـاته كانت تحمل طابع الاحتقار والبغض الذي أغضــ,,ـبها، لذا قالت مؤكّدة على كلمــ,,ـاتها:
“فعلًا، فاطمة زيها زي زهرة الله يرحمها، والاتنين أحسن من بعض … حتى لو حضرتك رافض تصدّق دا.”
تشدّق ساخرًا:
“تحبي أفكّرك بالعذاب اللي اتسبّبوا لك فيه؟”
رفضت أن تخطو كلمــ,,ـاته إلى غرفتها السوداء بجراحها الدامية، فقالت بلهجة حاسمة:
“مش هما يا عمي … وحتى الشخص اللي حضرتك تقصده ما كانش يقصد يعذبني أبدًا!”
قال رحيم بقهر لم يفلح في إخفائه:
“بس كان يقصد يعذب ابني!”
يئست من عناده، فقالت بلهجة أهدأ:
“أرجوك يا عمي … بلاش نفتح في اللي راح. كل واحد بياخد نصيبه … والماضي مــ,,ـات واندفــ,,ـن … أنا كنت عايزة أعرف حضرتك ناوي تعمل إيه مع علي؟”
قال رحيم بجفاء:
“اللي مانعني عنه إن هاشم كان بيعمل عملية كبيرة في قلبه … مش هيستحمل أي حاجة دلوقتي تتعبه، خصوصًا إنه عمل المستحيل عشان يخليهم يروحوا يعيشوا معاه من بعد مــ,,ـوت سالم الله يرحمه.”
قالت صفية بسخــ,,ـرية:
“لا، تقصد شرط عليهم إنه مش عايز أمهم في حياته … عايزهم بس من غيرها!”
اندفع يدافع عن صديقه:
“حقه! بعد ما اتسبّبت في بُعد ابنه عنه ومــ,,ـات زعلان منه.”
لم تستطع الصمت عن تزييف الحقائق فقالت مُصحّحة:
“قصد حضرتك ابنه هو اللي بعد عنه … لما لَقاه واقف قدام سعادته معاها.”
تشدّق ساخرًا:
“عرفت تضحك عليه وتوقعه في حبها، وتاخده من أهله … وكل دا عشان فلوسه وفلوس عيلته.”
قالت صفية بتقريع خفي:
“ولما أنقذت حياة عمرو حفيده … كان عشان فلوسه؟! لما رضعته مع بنتها واهتمّت بيه بعد ما الدكاترة كلها قالوا هيمــ,,ـوت … خدته في حضـ,,ـنها وحافظت عليه لحد ما وفــ,,ـاء خرجت من المستشفى بالرغم من كره وفــ,,ـاء الفظيع ليها!”
تجاهل صَخَب تلك الحقائق التي تزعجه وقال:
عشان كان المفروض سالم بيحب وفــ,,ـاء و هيتجوزها.
سالم عمره ما كان هيتجوز وفــ,,ـاء أبدًا حتى من قبل ما يقابل فاطمة، وحضرتك فاهم أنا بتكلم عن إيه.
ضاق ذرعًا من حصارها فصاح غاضبًا:
وهاشم عمل كل اللي عليه معاها، كفاية قوي إنه ما رضيش يقول لعلي إن………….
قاطع حديثهما صوتُ طرقاتٍ على الباب وهو
يتبع…