دخل يوسف إلى الصالون، وهي تنظر في إثره وآلاف الأسئلة تنهش عقلها، فخرج منها أحدها بغير وعي:
هو إنت جاي لوحدك؟
إنتِ شايفة إيه؟
تحمحمت غرام بإحراج من رده، فقد شعرت بغباء سؤالها، فقالت محاولة تغيير الحديث:
هي كاميليا كويسة؟
تجاهل يوسف حديثها وقال بإيجاز كعادته:
الحاجة فاطمة موجودة؟
آه… ثواني أناديها.
وما أن هَمَّت بالدخول، حتى أتاه اتصال جعل كل ذرة فيه تنتفض غضــ,,ـبًا…
**************
معك أتحدى كل شيء، وبدونك يهزمني أي شيء.
فأنا أدركت أنّك منبع قوتي، وعشــ,,ـقك هو وقود صمودي كل هذا الوقت، ولأول مرة أتصالح مع قلبي الذي لطالما عاندتُه لانتظاره لك و لصبره على فراقك؛ فأجدني الآن ممتنةً له ولهذا الصبر الذي سيتوّج أخيرًا بدفء وجودك.
نورهان العشري
دخل مازن إلى المقهى يسبقه قلبه المتلهف للقائها، فأخذ يبحث بعينيه عنها ليشعر برعشة قوية في قلبه إثر التقاء عينيه بعينيها، فشعرت هي الأخرى بتلك الرجفة التي ضــ,,ـربت قلبه ترتد إلى قلبها، فأصبح الهواء بينهما مشحونًا بتيارات العشــ,,ـق المتبادلة.
وأخذ مازن يتقدّم تجاهها، ومع كل خطوة يخطوها تزداد رعشة يديها وارتجاف شفتيها، وتعلو دقات قلبها حتى كادت أن تصل إلى مسامعه.
جلس مازن دون أن يتحدث بشيء، بل أخذ ينظر إلى عينيها وكأنه يعاتبها في صمت، لكن جانبًا منه كان يتأملها بشغف وإعجاب صريح بزِينتها التي لم يعتد عليها وبأناقتها المفرطة، فبدت كحورية من الجنة. ثم تلقائيًا تحولت نظرات العتب والإعجاب إلى نظرات عاشقة صريحة، فبدأت هي الحديث علّها تقضي على هذا التوتر الذي يُنهك أعصــ,,ـابها، فقالت بخفوت:
تشرب إيه؟
ابتسم مازن داخليًا، فهو يدرك كم هي متوترة، وكالعادة تنتظر منه أن يبدأ بالحديث، لكنه أبى أن يسلّم رايته أمام غزو فتنتها المهلكة له، وقال بصوت ساخر:
من كام ساعة قولتيلي بكرهك ومبقتش عايزاك، وإن عندك كرامة امشي.. ودلوقتي جايه تقوليلي: تشرب إيه؟ مش حاساها غريبة شوية؟
مازن لو سمحت بلاش كلامك ده.
هكذا تحدثت بارتباك، فأجابها بعتب عرف طريقه إلى قلبها:
ده مش كلامي، ده كلامك إنتِ يا كارما، أنا بفكرك بيه بس.
همست بحزن:
مازن.. أرجوك.
استنكر كلمتها قائلًا:
تترجيني؟! غريبة دي!
ما أنا كنت برضه بترجاكِ من شوية، بس إنتِ قولتيلي: حتى لو اترجتني مش هرجعلك ولا هسمعك.
ترقرقت الدموع في عينيها وشعرت بالألم يغزو قلبها، فها هو يفعل معها ما فعلته معه ويذيقها مرارة ما أذاقته إياه. فلملمت أشيائها وقررت الانسحاب قائلة بخفوت:
أنا همشي.
فلم يطاوعه قلبه على تركها ترحل، فقد عادت إليه روحه عندما قرأ رسالتها، وعاد الأمل يسطع في سمائه من جديد. فامتدت يداه لتوقفها وهبّ واقفًا كالمارد أمامها بطوله الفارع، فأدّى ذلك إلى هذا القرب المهلك لكليهما، حتى أصبحت كأنها بين جنبات صـ,,ـدره.
غزت رائحتها العطرة أنفه ودغدغت مشاعره، فأخذ يحارب جيوش شوقه لها بضراوة، وكانت هي الأخرى في عالم آخر، إذ لامسها ذلك الدفء بين ذراعيه فلم تستطع أن تمنع نفسها من الاسترخاء لثوانٍ على مقربة منه، ولم تستطع منع رأسها من الارتياح فوق موضع نبضاته، خوفًا من رفض قد تتلقاه من كبريائه الذي حتمًا آذته كلمــ,,ـاتها. لتشعر بجنون دقات قلبه وتستمع لنبرة صوته المهتزة من فرط الحرب التي تدور بداخله:
خليكِ.. ما تمشيش.
رفعت رأسها ليرتوي قلبها بتلك النظرات العاشقة المنبعثة من عينيه، والتي لم تفشل يومًا في أن ترسلها لتحلّق بين النجوم من فرط السعادة.
فقالت بتوسل، ألقى سهام عينيها فاستقرت في قلبه وقضت على ذلك الثبات الزائف الذي يختبئ خلفه:
لسه عايزني يا مازن؟
أخفض رأسه ليسند جبهته على جبينها، ويداه تحتويان وجهها بحنو، ليقول بصوت أجش:
أنا عمري ما كنت عايز حد غيرك.
زاد إصرارها على إخراج مكنونات قلبه:
بتحبني يا مازن؟
لن ينتصر أمام عينيها أبدًا، لذا اختار الهزيمة قائلًا بصدق:
بعشــ,,ـقك.. مش بحبك بس.
كنت هتتجوز حد غيري؟
لم يتحمل قلبه ثقل كلمــ,,ـاتها، فسارع بالنفي:
أبدًا.. عمري ما كنت هتجوز حد غيرك، ولا حتى أفكر.
غصب عني اتجبرت أخطبها باتفاق مع والدتها إنها بعد ما تخلص الجامعة تاخدها وتسافر كندا.
ثم تابع يسرد لوعته ويصف عذابه مما حدث:
هي اللي فكرت إني بحبها. أنا عمري قلبي ما دقّ لغيرك إنتِ، وعمره ما في واحدة تانية هتشيل اسمي غيرك. حتى لو على رقبتي.. أمــ,,ـوت ولا أكون لواحدة غيرك.
استفهمت بقلب بدأ يتذوّق الأمان والطمأنينة، لكن بقي القليل:
يعني إنت ملمستهاش زي ما هي بتقول؟
مازن بلهفة:
والله ما حصل! إيدي تتقطع ولا تلمس واحدة غيرك.
إنتِ عشــ,,ـقي يا كارما، اللي اتولد جوايا من أول يوم شلتك فيه وإنتِ مولودة ولسه حتى مفتحتيش عيونك. أوعي تصدقي كلام أي حد عني.. بحبك، والله بحبك.
قال الأخيرة بقهرة قلب يائس من كل شيء في الحياة، ولا يقدر شيء على إعادة الأمل إليه ثانية سواها…
فامتدت يداها لأول مرة لتقرّبه أكثر إليها، وهي تهمس:
وأنا مش هسيبك أبدًا لغيري.. إنت حقي أنا يا مازن، وحبيبي أنا.
جحظت عينا مازن عندما وجدها تهمس بتلك الكلمــ,,ـات وهي تنظر خلفها لتقول بقوة وشراسة أنثى قادرة على إقامة ألف حرب لتظفر بحبيبها في النهاية:
بيتهيألي إنتِ سمعتي وشوفتي اللي حصل دلوقتي، ويا ريت تكوني عرفتي إنك ملكيش مكان بينا، وإن مازن ده مكتوب على اسمي، وقلبه ده ملكي، ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخده مني أو يفرق بينا.
—
تفاجؤوا جميعًا بصوت رحيم الذي كان يقف على باب غرفة كاميليا، التي ارتعبت من وجوده، فقد كانت تهابه طوال حياتها، ولم يكن يحميها من بطشه سوى يوسف، والآن هو غير موجود، ورحيم يملك السبب الذي يجعله يفتك بها من دون أن يستطيع أحد إيقافه.
وكان هذا حال صفية، التي ما إن رأته حتى أوشك قلبها على السقوط بين قدميها من فرط الرعب، خاصةً وأن تلك الحرباء المسماة سميرة كانت تقف خلفه تنظر إليهم بشمــ,,ـاتة.
الولد ده دخل هنا إزاي يا صفية؟
تلعثمت صفية ولم تجد ردًّا مناسبًا، فقد أربكتها تلك النبرة الغاضبة في صوته، فاستغلت سميرة توترها وارتباكها الذي جاهدت أن تخفيه، وقالت بصوت يملؤه الشر:
ما إنت عارف صفية يا عمي وطيبة قلبها.
ثم وجهت أنظارها إلى صفية قائلة بنبرة اندهاش مصطنعة:
بس أنا ما توقعتش يا صفية إن طيبة قلبك دي تخليكِ تحطي إيدك في إيد اللي هدد بــ,,ـ ابنك!
أنهى علي تلك الحرب التي كانت على وشك أن تبدأ، وتحدث محاولًا تغيير دفة الحديث عن صفية التي كان الارتباك يسيطر على ملامحها، فقال بثبات:
ـ أهلًا يا رحيم بيه.
ـ إنت بتعمل إيه هنا يا ابن فاطمة؟
قالها بغلظة ونبرة حادة. فردّ علي بثبات:
ـ اسمي الرائد علي هاشم الرفاعي.
تشدق رحيم ساخرًا:
ـ بتتبرى من اسم أمك؟
قال علي بنبرة تملؤها العزة:
ـ لا أبدًا، اسم والدتي ده وسام على صـ,,ـدري، هفضل أفتخر بيه طول حياتي. بس إحنا عندنا الرجالة بتتندَه باسم أبهاتها، لو الموضوع مختلف عندكم يبقى دي حاجة ترجعلكوا.
قالها علي بسخــ,,ـرية مماثلة قاصدًا استفزاز ذلك الرجل، الذي يشبه كثيرًا جده، ذلك الظالم المتجبر الذي أذاق والدته وخالته الويلات. فهما الاثنان أكثر من يكره في حياته.
اخرس يا ولد! أنا لو كنت ساكت عنك، فساكت عشان جدك اللي ما يستاهلش يكون له حفيد مش متربي زيك!
علي بهدوء أدهشهم جميعًا:
لا، إنت ساكت عشان ما تقدرش تعمل حاجة!
ومشكلتك معايا إنك عارف إن كلامي صح مليون في المية، وعارف إني اتربيت أحسن تربية، عشان أمي ست محترمة وعرفت تربيني كويس.
اغتاظ رحيم من حديثه، فخرج الكلام الغاضب منه دون أن يعي ما يتفوّه به، وهو ينظر إلى كاميليا بنظرات محتقرة:
كنت بسمع الكلام ده عن تربية أختها، اللي بنتها هربت وفضحتنا وحطت راسنا في الطين.
اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرات يوسف الحسيني، وفكّر ألف مرة قبل ما تجيب سيرتها يا رحيم بيه!
فاجأهم ذلك الصوت الغاضب القادم من الخلف، وكأنه ينتوي على جريمة ما.
يتبع ..