مش مصدّقة إني شايفاكي يا علي. طمّنّي على خالتي وكارما وغرام، وحشوني قوي.
بالنسبة لاسمي اللي ما اتذكرش في الليستة دي، إيه؟ مش معترفة بيا ولا إيه؟! أنا قلت ألاقي بختي معاكي بدل القردتين اللي عايزين يتقصّ لسانهم اللي هناك دول. يا خسارة الشوكولاتة اللي كنت بجبها لكوا إنتِ وهما… دا انتوا خربتوا بيتي!
ضحكت كاميليا على كلمــ,,ـاته المرحة التي تعرف أنه قالها ليُخرجها من حزنها. فأردف علي بعدما وصل لمراده:
أيوه كده يا شيخة، اضحكي! خلي الشمس تطلع بدل ما إنتِ مغمّقاها علينا كده.
ابتسمت صفية داخليًا، فقد صحت ظنونها، وتمكّن علي من إخراج كاميليا من حالتها الحزينة، حتى ولو مؤقتًا. لكنها في الوقت نفسه شعرت باللهيب الذي يندلع من عيني روفــ,,ـان، فتأكدت من أن شكوكها تجاههما صحيحة؛ فهي شعرت أن هناك شيئًا ما بينهما، حتى وإن كان في بدايته وغير مُصرَّح به. فهي امرأة قد عشــ,,ـقت بشدة، وعلى قدر عشــ,,ـقها كان ألمها، لذا فهي تجيد معرفة العشــ,,ـق أينما رأتْه…
تحدثت صفية أخيرًا لتتأكد من ظنونها وتطفئ النيران المندلعة في تلك العينين البريئتين، وتقطع الشك باليقين داخل ذلك القلب الذي تخاف عليه حتى من نسمة الهواء، فقالت بنبرة ذات مغزى:
ياااه يا كاميليا… يعني ضحكتِك ما نوّرتش وشك غير لما علي جه؟ لو كنت أعرف كده كنت جبتُه من زمان!
إنتِ ما تعرفيش يا ماما صفية علي ده بالنسبة لي إيه! ده أخويا اللي ربنا ما رزقنيش بيه، بعتبره زي أدهم بالضبط. من يوم ما روحت عندهم وهو بيعاملني زي أخواته كارما وغرام، ويمكن أحسن كمان.
تحدث علي، الذي كان يشعر بما يدور حوله وبنظرات روفــ,,ـان المسلَّطة عليهما والتي تنبعث منها النيران، فرقص قلبه فرحًا بما يراه. فتلك العينان تأسرانه وتأخذه إلى عالمٍ من السحر لم يتذوقه قلبه قط.
والله يا طنط صفية، ربنا يعلم كاميليا دي عندنا كلنا إيه، مش عندي أنا بس. ومن يوم ما دخلت بيتنا وهي زيها زي غرام وكارما، ويمكن أكتر. كفاية إنها من ريحة خالتي زهرة اللي طول عمري بسمع عنها، وللأسف آخر مرة شُفتها كنت لسه طفل صغير ومش فاكر حاجة من اللقاء ده.
تنهدت صفية متذكّرة معاناة زهرة مع رحيم الحسيني، الذي منعها منعًا باتًا من الالتقاء بأي فرد من عائلتها، فقالت بحزن:
كل شيء نصيب يا ابني… وأحيانًا كتير ما بيبقاش لينا سلطة على القدر اللي اتفرض علينا.
صحح علي حديثها قائلًا:
قصدك فرضته الناس علينا يا طنط.
صفية بحزن دفين:
مش هتفرق يا علي كتير، في النهاية هو مقدّر ومكتوب حتى لو كان ظلــ,,ـم.
لا يا طنط، هتفرق! عشان ربنا مش ظالم، البشر هما اللي بيظلــ,,ـموا ويفتروا دايمًا على الضعيف.
تدخلت روفــ,,ـان في الحديث، فهي تعلم أن الكلام يدور حول عائلتها، وبالأخص حول جدها، ولن تسمح أبدًا لأحد بإهانته حتى لو كلّفها الأمر الكثير. فقالت بحدة:
البقاء دايمًا للأقوى! هو مش ده قانون الحياة؟
أجابها علي بفظاظة:
لا، ده قانون الغابة يا آنسة روفــ,,ـان، مش قانون البني آدمين اللي ربنا ميّزهم بالعقل عشان يفرّقوا بين الحلال والحرام، الظلــ,,ـم والعدل، الغلط والصح.
شدد علي على كلمــ,,ـاته الأخيرة، فقد غضــ,,ـب داخليًا من انحيازها الواضح لجدّها وظلــ,,ـمه لخالته. فردّت مدافعةً عن رأيها:
والله الموضوع نسبي وبيختلف من واحد للتاني.
كانت فقط تريد مجادلته، فقد اغتاظت من مناداته لها بهذا اللقب وكأنه اختار أن يضع الحدود بينهما. لكنها لم تحسب أنه خصم ليس سهلًا بالمرة.
موضوع إيه اللي نسبي؟ الحلال بيّن والحرام بيّن، والغلط معروف والصح معروف. بس الإنسان بيحب يقاوح عشان يبرر لنفسه أخطاؤه وأخطاء اللي بيحبهم.
مع إنه في الحالة دي بيظلــ,,ـم نفسه وبيظلــ,,ـمهم. استنادًا إلى قول سيدنا محمد ﷺ: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا.” قالوا: يا رسول الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: بأن تردّه عن ظلــ,,ـمه.
صدق رسول الله ﷺ
اندفعت روفــ,,ـان، متغاظة من سهام حديثه التي اخترقتها وأشعرتها بغبائها أمامه، فقالت بهجوم:
ما أنا ممكن أظلــ,,ـمك أو أذيك عشان افتكرت إنك ظلــ,,ـمتني أو أذيتني أو حد وصلّي الفكرة دي. يا ترى كده أبقى ظالمة ولا مظلومة؟
فاجأتها إجابته الفظة حين قال:
كده تبقي غبية!
آسف، بس اللي يظلــ,,ـم إنسان أو يأذيه من غير أسباب قوية وحُجة بيّنة في إيده يبقى إنسان غبي. وأصلاً الإنسان اللي يفكر في مبدأ الانتقام نفسه يبقى إنسان غبي ومش مؤمن بربنا.
صمت لثوانٍ يتابع وقع حديثه عليها، ثم تابع بتعقل:
ربنا هو اللي بيرد الحقوق لأهلها، وهو اللي بياخد حق المظلوم. واللي يفوّض أمره لله، هيجيله حقه من غير ما يحرّك إيد ولا رجل، وياخد حقه دنيا وآخرة.
عرفت كلمــ,,ـاته الطريق إلى مبتغاها حين قال بجفاء:
الانتقام ده سلاح الناس اللي إيمانها ضعيف، وياريته بيريّح! بالعكس، ده نــ,,ـار أول ما بتحــ,,ـرق، بتحــ,,ـرق صاحبها.
أوشكت روفــ,,ـان على الردّ، لكن فاجأهم ذلك الصوت القادم من الخارج:
هو في إيه بيحصل هنا…؟
************
يوقظني الحنين في منتصف الليل، فألتقط هاتفي باحثةً عن مكالمةٍ أو رسالةٍ منك، ثم أتذكّر أننا افترقنا، لأعود إلى النوم مرةً أخرى وبداخلي جميع خيبات العالم.
أحتضن وسادتي كأنها بقاياك، وأغلق عيني في محاولة لإقناع نفسي أن ما بيننا كان حلمًا جميلًا وانتهى. لكن قلبي يأبى التصديق، فيظل يفُتش عنك بين ثنايا الصمت، ليصطدم بوجع الفراق يطرق أبواب روحي التي أصبحت مُهلهلة من فرط الألم.
نورهان العشري
كان هذا حال غرام، التي لم تقدِر على نسيان ما كان بينهما؛ فهي تتظاهر بأنها بخير، لكنها على النقيض تمامًا، تشعر بالخراب الداخلي الذي سببه الرجل الوحيد الذي عشــ,,ـقته…
تفتقده، وتفتقد روعة كلمــ,,ـاته التي كانت لها تأثير السحر على قلبها…
فقد كانت تجعلها تذوب عشــ,,ـقًا له، ولكن ماذا حدث…؟
بليلةٍ واحدة استطاع أن يذيقها جميع أنواع العذاب والألم، واستطاع أن يُشعرها بالخزي الذي لم تعرفه طوال حياتها، سوى عندما تلقت أول صفعة منه وهو يحاول أن ينتهك حرمتها كفتاة رخيصة…
عند هذه الكلمة تألّم كبرياؤها الذي دهسته فعلةُ رجلٍ يتحكم في دقات قلبها، فهطلت أنهارها الغزيرة لتعلن انهزامها أمام غزوات عشــ,,ـقه؛ فهي تحبه، وتُحبه، وتُحبه، إلى درجة أنها تتمنى أن يعود معتذرًا حتى تلقي بنفسها بين جنبيه تشكو له مرارة ما جعلها تعيشه.
وكالعادة، تمتد يد الله لتربت على قلوبنا، وتنتشلنا من بحور العذاب التي نُلقى فيها بتعلق قلوبنا بغيره، وانشغالنا الدائم عنه.
فانطلق صوت المؤذن من أحد المساجد القريبة، وكأنه دعوة لكل القلوب التي أضناها الحزن، وتلك الأرواح المعذبة، بأن ما من أحد قادر على بثّ الأمان وامتصاص ذلك الحزن منها سوى الله سبحانه وتعالى.
لبّت غرام النداء على الفور، فتوضأت واتجهت لربها تتضرع إليه أن يُنسيها مرارة ما حلّ بها. لكنها لم تكن تملك القدرة على الدعاء ولو لمرة واحدة بأن ينزع الله حبّه من داخلها؛ لم يطاوعها لسانها على نطق تلك الدعوة أبدًا، وساعده على ذلك قلبها الذي لا ينشد سوى السعادة بجانبه.
بعد وقت ليس بالقليل، أنهت صلاتها وهي تشعر براحة كبيرة تغمرها، وهدوء عميق يسيطر عليها.
فقد كانت تلك نصيحة والدها دائمًا لها ولإخوتها: أن الصلاة هي ذلك الخيط الذي يربط العبد بربه، فلا تفلتوه حتى وإن أخطأ العبد؛ فإن صلاته حتمًا تصلحه.
طرقاتٌ على الباب ورنينُ الجرس أخرجاها من تلك الحالة الروحانية التي كانت تنعم بها، بعد وقت طويل من التعب الذي أنهك كل خلية في جسدها. فهَمَّت لترى الطارق، إذ كانت والدتها قد خلَدت للنوم، وكارما خرجت في مشوارها المفاجئ الذي ظهر من العدم. لكنها تجمدت في مكانها عندما رأت الطارق، فتحدثت بصدمة:
أنت…؟
إنتِ تقريبًا غرام…؟
تحدث يوسف، الذي كان قد عزم أمره بالتوجه إلى الإسكندرية ليتحدث مع فاطمة ويشرح لها ما حدث، علّه يجد من يتفهم ذلك الجرح الغائر الذي تسببت به تلك المرأة التي يمكنه أن يتخلى عن كل شيء في هذه الحياة شرط أن تبقى معه.
أأ.. آه، أنا غرام… وحضرتك يوسف بيه؟
قاطَعها يوسف قائلًا بهدوء:
يوسف بس. ممكن أدخل ولا هنفضل واقفين على الباب كده؟
تحدث بعدما لاحظ صمتها الممزوج بالدهشة والذهول، فهو نفسه لم يتوقع أن يُقدِم على فعل ذلك، لكنه رجل يائس من عشــ,,ـقه ووجعه وكبريائه، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل.
تنبهت غرام لوقوفهما كل هذه المدة وهي تنظر إليه كالبلهاء، فتحدثت معتذرة:
آسفة… اتفضل.
