خير! إيه اللي كان هيحصل؟ طمّنوني.
خير يا طنط، ما تقلقيش. ممكن حضرتك تتفضلي تقعدي وأنا هفهمك.
جلست صفية وهي مرتعبة أن تستمع لشيء قد يزيد الأوضاع سوءًا، فلاحظ علي حالتها وأشفق عليها فتحدث مطمئنًا:
ما حصلش حاجة يا طنط ما تقلقيش كده. كل الحكاية إني عرفت إن كاميليا موجودة في المستشفى هنا، وجيت عشان أطمن عليها، فقابلت روفــ,,ـان برّه و…
قاطعته صفية باندفاع:
أوعى تقولي إنك قابلت يوسف!
استغل علي الوضع لصالحه فقال بهدوء:
ما هو ده اللي كنت بقول لحضرتك عليه. روفــ,,ـان منعته، هي أخدتني ونزلنا تحت أكيد عشان يوسف ما يقابلنيش.
بالرغم من إني شفته قبل كده وكانت علاقتنا كويسة، وأنا برضه مش جاي أتشاكل ولا أعمل مشاكل. عشان كده كنت هلجأ لحضرتك أفهم منك إيه اللي بيحصل؟ وليه روفــ,,ـان اتخضّت كده من إني أقابل يوسف؟
عشان إنت حتى لو كنت قابلته قبل كده وكانت علاقتكم كويسة، فده لأنه بعيد عن كاميليا. واللي إنت ما تعرفوش بقى إن يوسف لو في أي حاجة ناحية كاميليا بيتغير مية وتمانين درجة، وبيبقى واحد تاني ممكن يــ,,ـ بدم بارد أي حد يفكر يأذيها أو يقرب منها.
تحدثت صفية وهي تأمل أن يفهم المغزى المبطن لكلمــ,,ـاتها، والذي فهمه على الفور، فابتسم قائلًا برزانة:
حقه..! وأنا مش هلومه، لأني راجل شرقي زيه وما أتحملش حد يقرب من حاجة تخصني، خصوصًا لو كانت حبيبتي ومراتي.
قال الأخيرة وعينيه تلقي نظرة خاطفة على تلك الطفلة التي غزا الإحمرار وجهها بالإضافة إلى وداعتها، فبدت أشهى، مما زاد من دقات قلبه وودّ لو يتذوق طعم التفاح المطبوع على وجنتيها.
أخرجته من شروده كلمــ,,ـات صفية التي لم يفُتها ما يحدث، وداخلها شعور بالسعادة، فهي أحبته وأُعجبت بذكائه ودماثة أخلاقه. لكنها غيّرت مجرى الحديث قائلة:
ما قلتليش يا علي، كنت محتاجني في إيه؟ وعرفت منين مكان كاميليا؟
مش مهم عرفت منين، المهم إني عرفت.
أنا دلوقتي كنت عايز أطمن عليها وأعرف إذا كانت مرتاحة هنا ولا لأ. ولو لقيتها مرتاحة وعايزة تفضل، أكيد مش هضغط عليها. أما لو لقيتها مجبورة تقعد هنا، فأنا هقف معاها ومش هسيبها تقعد غصب عنها.
صفية برزانة:
شجاعتك عجباني يا علي، بس تفتكر إنك ممكن تقف قدام يوسف الحسيني وتاخد مراته منه؟
فاجأها بدهائه:
وهو يوسف الحسيني هيقبل على نفسه يجبر مراته تفضل معاه غصب عنها؟
احتارت صفية بماذا تجيبه، فهي تدري أن ابنها عاشق لزوجته حتى النخاع ولن يتركها حتى لو على حساب مــ,,ـوته.
لكنها أيضًا خائفة من عقابه وانتقامه، خاصةً مع رفض كاميليا الشديد للإفصاح عن أسباب هروبها. لكنها تحدثت أخيرًا متجاهلة استفهامه:
وإنت إيه اللي منعك تدخل لكاميليا حتى لو يوسف جوه؟
علي بتعقل:
أنا جاي ومش عايز أضايق حد ولا أعمل مشاكل، لإن كاميليا مراته. ولإني عارف إنهم بيحبوا بعض، ومش هكذب عليكِ، كاميليا غلطت لما هربت من جوزها أيا كانت أسبابها. كل الحاجات دي هي اللي منعتني من إني أروح آخد كاميليا من أوضتها وأرجّعها بيتنا تاني.
استفهمت بإعجاب من كلمــ,,ـاته:
يعني مش خايف من يوسف أو جدها؟
علي بثقة أعجبتها:
أنا ما بخافش من حد. وإن كنت قاعد مع حضرتك دلوقتي بتكلم معاكِ، فلإني لمست إن حضرتك بتحبي كاميليا قد إيه وبتخافي عليها، ولإني كمان بعرف الأصول، فحبيت أطلب من حضرتك تخليني أشوفها وأطمن عليها.
احتارت صفية بماذا تجيبه، فهي خائفة من يوسف كثيرًا. فهي تعلم مدى غيرته، وأنه لن يتفهم أبدًا أسباب علي ولا دوافعه تجاه كاميليا. فهي تعرفه وتعرف ما يجري في دمه، فهو يشبه كثيرًا شخصًا دمّر معشوقته بسبب تلك الغيرة اللعينة. لكن كل ما يهمها الآن أن تتحسن حالة كاميليا، وربما لقاؤها بعلي يريحها ولو قليلًا…
قوم معايا يا علي.
***********
أحيانًا أتمنى لو أنني لم ألتقِ بك؛ ليس كرهًا، بل لأن حبي لك عظيم إلى الحد الذي يجعل قلبي يرتجف كلما خطر في بالي طيف الفراق.
نورهان العشري
كانت كارما تحتضن وسادتها وهي تبكي بصمت، فهذا هو حالها منذ أن استمعت إلى كلمــ,,ـات والدتها التي كان لها تأثير مُدمّر على قلبها، ذلك القلب الذي أخذ يلومها تارةً على تهوّرها، وتارةً أخرى على غبائها. فلم تعد تدري: أتبكي على حالها معه؟ أم تبكي على جرحه منها، ذلك الجرح الذي كانت هي المتسبّب الرئيسي فيه؟
تشعر بالكثير من الأسئلة التي تتقاذفها، جاعلةً منها غير مستقرة على قرار.
فهي منذ بضع ساعات كانت قد قررت اــ,,ـاعه من قلبها والبدء من جديد، لكنها تفاجأت به في منزلها يُلقي عليها تلك النظرات العاشقة الممزوجة بالرجاء، فتجعل جسدها يشتعل اشتياقًا له، وقلبها ينتفض يودّ لو يخرج من بين ضلوعها ليرتمي بين جنبات صـ,,ـدره.
كم تفتقده! لم يمضِ على لقائهما سوى ساعات قليلة، لكنها تشعر وكأنها دهور. لقد أحسّت بروحها تُنتزع منها وتذهب معه، مطالبةً إياه بعدم الالتفات إلى تلك الترهات التي خرجت منها إثر ذلك الجرح الغائر في منتصف قلبها، الممتدّ إلى كبريائها، الذي أجبرها على التفوّه بتلك الحماقات.
نعم، حماقات!
فما تشعر به نحوه ليس حبًا عاديًا، بل فاق الحب بمراحل كبيرة. إنها تشعر به يحتلّها ويمتلك جزءًا عظيمًا من داخلها؛ فجميع حواسها تتمرّد عليها من أجله.
ينتابها الجنون عندما تتخيّل أن هناك أنثى أخرى قد تستوطن قلبه، تستمتع بقربه، ويحظى نظرها بتلك النظرات العاشقة التي تجعل قلبها يطير من فرط السعادة.
لا، لن تحتمل حقًا التفكير في حدوث هذا الشيء، فهو لها وحدها. تمتلكه مثلما يمتلك كل ذرةٍ في كيانها، ولن تسمح بأن تمتلكه أنثى غيرها.
وعند هذا الحد، انتفضت من فوق مخدعها، والتقطت هاتفها، وأجرت اتصالًا هاتفيًا:
آلو… إحنا محتاجين نتكلم سوا.
لقد عزمت على تنفيذ خطتها التي حاكها قلبها المشتعل حبًا وشوقًا له، وأرسلت رسالة نصية لشخصٍ ما، ثم همّت بالدخول إلى الحمّام الخاص بها لتتجهّز للخروج، فهي قد أعلنت حربًا، وحسمت نتيجتها لصالحها مسبقًا.
************
من كل قلبي أتمنى أن ينتهي كل هذا العبث.
أبحث عن وجهة أجد فيها ملاذًا آمنًا، بعيدًا عن بشاعة ما يدور حولي. لم تعد طاقتي تقوى على حمل ذلك الثقل الرهيب الذي يرسو فوق صـ,,ـدري وكاد يخنق أنفاسي. أشعر بأنني مُكبّلةٌ بأصفادٍ حديديةٍ حارّةٍ؛ حرارتها تحــ,,ـرق قلبي وتلتهم روحي، فلا يبقى لي سوى الصمت الحزين لأحتمل ما يعتمل في داخلي…
نورهان العشري
كانت كاميليا مستلقية تنظر إلى سقف الغرفة وهي تفكر في حياتها التي تغيّرت في لحظات من حالٍ إلى حال…
من أقصى درجات السعادة إلى أقصى درجات الحزن.
الجميع يطالبها بالبوح بأسبابها للهروب بملء إرادتها من جنّتها التي طالما حلمت بها وتمنتها، دون أن يُشفق أحد على حالها وتلك العَبَرات الحارقة التي تسيل على خديها فتحــ,,ـرق قلبها معها؛ قلبها الذي لا يعرف من الحياة سوى عشــ,,ـق رجل بات النظر إلى عينيه محرّمًا عليها…
كانت تملكه، ويأسره عشــ,,ـقها إلى الحد الذي يجعله يهديها الشمس والقمر إن أرادت.
رجلٌ لم يُبالِ بشيء في العالم سواها، لم يحظَ أحد بالقرب منه والتنعم بجنّة عشــ,,ـقه سواها. ولكن… ماذا حدث؟
انتزعته منها الحياة عنوةً بعد أن كبّلتها بأصفاد الماضي التي حاصرتها من جميع الجهات، وأجبرتها على الاستسلام لفراقه، ذلك الفراق الذي لو علم أنه يمثّل مــ,,ـوتها وهي على قيد الحياة لما رضي به.
لكنها لا تملك سوى أن تظل على صمتها الذي تعلم أنه يــ,,ـه ويقوده إلى الجنون، ومع ذلك لا تملك إلا أن تبدو خادعةً بدل أن تُظهر حقيقتها…
صُدمت كاميليا عندما رأت ذلك الشخص القادم من الخارج خلف صفية، لكنها سرعان ما تحوّلت صدمتها إلى فرحة كبيرة، ولأول مرة منذ وقت طويل انهمرت دموعها بحبور وهي تقول:
علي…
أيوه علي يا ست كاميليا، يا اللي ممرمطة الدنيا كلها وراكِ!
تحدث علي بمرح محاولًا تلطيف الأجواء، فقد هاله مظهرها الحزين وشحوب وجهها، وبحور عينيها التي يغزوها ذلك الاحمرار الدالّ على جفاف أنهارها من فرط البكاء.
همّت بالنهوض، فأوقفتها يداه اللتان احتوتا كفيها وربّتتا عليهما بحنانٍ أخوي كبير، وقال بلطف:
خليكي زي ما إنتِ… ما تقوميش.