Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 5

أجابتها فاطمة بحزن:
أيوه… وجت صفية أخدت مازن من المستشفى يعيش عندهم، وحالته ساعتها مكنتش تسمح بأي كلام، وانقطعت أخبارنا مع بعض. عرفتي بقى مكنش قادر يرجع ليه؟ وليه عُقدة الذنب خنقاه وعامله فيه كده؟
بهتت ملامح كارما وألجمت الصدمة لسانها، وكل ما تشعر به أنها تريد أن تهدهده بين ذراعيها لتخفف عنه وطأة المعاناة التي عاشها طوال السنين الفائتة، وتخبره أنه أفضل شخص على الإطلاق. وتذكرت حلمه لهما الذي أفرحه كثيرًا، لكنها لم تكن تدري عمق ألمه بسبب ظنه أنهم رحلوا وهم غير راضين عنه.
واصلت فاطمة جلدها بسوط كلمــ,,ـاتها الذي كان يفتك بقلبها، قائلة بحزن:

إنتِ عارفة إن مازن مكنش حابب يدخل شرطة أصلًا؟
طول عمره كان عايز يدخل هندسة، ده كان حلمه طول حياته، بس لما حصل اللي حصل صمّم يحقق حلم أبوه الله يرحمه ويدخل شرطة زيه.
تنهدت فاطمة بأسى على حالة ابنتها، لكنها قالت بحزم:
هسيبك تدوري كلامي في دماغك يا بنت بطني وتقرري هتعملي إيه… وبالنسبة لحوار البنت دي، الأفضل تسمعيه منه هو، وتحكّمي قلبك مع عقلك وتشوفي هيودوكي فين.
نظرت لها كارما بتعب، فاقتربت منها فاطمة قائلة بنصح:
عقلك لوحده هيتعبك، وقلبك لوحده هيضعفك، والحيرة بينهم صعبة يا بنتي.

مش هتعرفي تعيشي غير مع اللي يريح الاتنين، غير كده تبقي بتضحكي على نفسك.
★★★★★★★
إنت قلت إيه لكاميليا عن زهرة؟
تحدثت صفية بغضــ,,ـب من تلك الحالة المزرية التي تعرضت لها كاميليا، فأجابها يوسف بجفاء:
قلت اللي قلته يا ماما.
كان في حالة لا يُحتمل فيها اللوم من أحد، لكنها لن تصمت أبدًا، لذا زجرته بعنــ,,ـف:
رد عليا وقولي قلت إيه يا يوسف خلاها تنهار بالشكل ده وتدخل المستشفى؟
لم تتلقَ منه إجابة، فقط الصمت المطلق وذلك البرود القاسي الذي دائمًا ما يحيط به.

فمن ينظر إليه يراه كتمثال يوناني يتسم بكمّ كبير من الجمود والجمال معًا، لكنه في داخله نيران تأكل كل إنشٍ بجسده، أشواك تمزّق روحه كلما تذكّر صورتها المنهارة أمامه. لكنه كعادته مع الجميع سواها، لا يُظهر مشاعره ولا يتحدث عمّا يدور بداخله.
فاغتاظت صفية من صمته الدائم وقالت بغضــ,,ـب:
أنا مستغربة إيه وزعلانة منك؟ ما هو ده حالكوا كلكوا يا ولاد الحسيني…
حانت منه التفاتة سريعة، فتابعت بغضــ,,ـب:
إنت وأبوك وحتى أعمامك، عدوكم تأذوه وحبيبكم بردو تأذوه! مفيش حد بيقرب منكوا غير ويتدمر.

يا خسارة يا ابني، كان نفسي تبقى غيرهم وتتقي ربنا في اليتيمة اللي مرمية جوا دي. لكن هقول إيه… ربنا يهديك وينوّر بصيرتك قبل ما تخسر زي ما كلهم خسروا…!
ألقت بأسهُم كلمــ,,ـاتها في منتصف قلبه وخرجت، دون أن تدري مرارة ما يشعر به. فهو بداخله نيران إن أطلقها ستحــ,,ـرق العالم بأكمله، لكنه كعادته يخبئها داخل قلبه، فلتحــ,,ـرقه هو أهون من أن تمس أحدًا بسوء.
لكنه عزم على تنفيذ أمرٍ ما، علّه يهدأ من تلك النيران التي تشتعل في قلبه…
*************
الصفقة دي لو الشركة خسرتها هي كمان معناها خراب بيوت يا رائد بيه.

هكذا تحدثت هند بذعر، فأجابها رائد بهدوء:
وهو ده المطلوب يا هند.
هند باندهاش:
المطلوب إنك تخرب بيت صاحبك اللي المفروض زي أخوك!
قالت جملتها الأخيرة باحتقار، فأجابها بحدة:
مش شغلك… إنتِ تنفذي وبس.
لم تحتمل مرارة كلمــ,,ـاته وما تُشير إليه، فهبت بانفعال:
لأ، شغلي! لما تخليني أعضّ الإيد اللي اتمدّتلي وأخون الراجل اللي أمّنني على شُغله وماله، ولما تدخلني معاك في دايرة قذرة زي دي وتخليني أحتقر نفسي في اليوم ألف مرة وأتكسف أبص لنفسي في المراية، يبقى من حقي أعرف ليه بتعمل كده؟
تشدّق ساخرًا:
ده إيه…

صحوة الضمير المفاجئة دي؟
تحدثت بقهر يتغلغل في ثنايا روحها:
أنا ضميري وكل حاجة حلوة فيا مــ,,ـاتت يوم ما عرفت وحبيت وآمنت لواحد زيك.
صمتت لثوانٍ ثم أردفت لتجهز على ما تبقّى له من ثبات قائلة:
كان لازم أفهم إن اللي يخون صاحبه وعِشرة عمره يبقى مالوش أمان.
انقضّ على رسغها يعتصره وهو يقول بغضــ,,ـب جحيمي:
عشان عيلته دي ســ,,ـرقت مني كل حاجة حلوة في حياتي.
وهو عمل فيك إيه؟
قالتها بنفس نبرتها المنهارة، فآلمته كلمــ,,ـاتها التي أشعرته بمقدار حقارته.

ولكن لو تعلم أنه اختار أكثر الطرق نزاهة للانتقام لانحنت له، فقال محاولًا السيطرة على غضــ,,ـبه وألمه جراء تلك النظرة المحتقرة في عينيها:
كفاية إنه ابن عامر الحسيني…! أكتر إنسان بكرهه في الدنيا وأكتر إنسان آذاني في حياتي.
تقوم تاخد ابنه بذنبه؟
وإنتِ مالك!
قالها بصراخ، فقد كانت تُضيّق الخناق عليه، ويساعدها في ذلك ضميره الذي كان يجلده هو الآخر ويهمس له بنفس كلمــ,,ـاتها وكأنهما اتفقا سويًا على إيصاله لحافة الجنون.
أنا الظاهر عليا اتساهلت معاكِ أوي لحد ما نسيتي نفسك… ونسيتِ إني ممكن أدفــ,,ـنك هنا!

كان يعنــ,,ـفها غاضبًا، فلم يحسب حساب حالتها التي كانت على شفير الهاوية.
يااااريت!
قالتها بصراخ، فقد ضاقت ذرعًا بكل ما يحدث معها، وبسقوطها في هذا الوحل منذ أن وقعت في عشــ,,ـقه.
ياريت تــ,,ـني وتُعفيني من رغبتي في الانتــ,,ـحار كل دقيقة… الرغبة اللي هتتغلب عليا في يوم وتخليني أمــ,,ـوت كافرة بسببك!
صدمه حديثها، فقال باندهاش:
إنتِ زعلانة عشان خاطره أوي كده؟ إذا كان هو نفسه مش هامّه شركته تضيع ولا تتحــ,,ـرق، وقاعد جنب حبيبة القلب اللي هربت منه وكسرته ولا فرق معاها!
ألقت بقنبلتها في عقر قلبه قائلة:

ولما هي وحشة أوي كده، وإنت بتكرهه كل الكره ده… أنقذتها ليه؟
★★★★★★★★
ها بقى يا سِتّي، جبتيني على مَلّي وشي وراكي زي العيل الصغير عشان عايزاني في موضوع… إيه هو؟
تحدث علي بعد ما طال صمتها، الذي أتاح له فرصة التفرّس في ملامحها التي صارت المتصدّرة لجميع أحلامه. لكنه أراد أن تبادله الحديث حتى يتعرّف إليها أكثر.
هااه… أصل يعني أنا كنت عايزة أشكرك عَ اللي عملته معايا قدام ماما وكده…
كان يعلم أنها تراوغ، لذا قال بتخابث:
والشكر ده مكنش ينفع فوق؟
تحدثت بتلعثم:

لأ، أنا يعني حبيت إني أشكرك على موقفك، وكمان أعتذرلك على كلام ماما ليك لما جت وشافتنا سوا في الكافيه… وبالمرة نشرب حاجة سوا، ولا إنت مش عايز؟
كانت تتحدث برقة مُحببة كثيرًا جعلت قلبه يرقص فرحًا بين ضلوعه، فقد شعر بأنها حقًا تريد الحديث معه. ولكن رجل بذكائه يستطيع فهم جميع تناقضات الأنثى، فقال بهدوء:
أولًا، إنتِ مش محتاجة تشكريني على اللي حصل لأني معملتش حاجة، ومينفعش حد يوجّهلك أي لوم أو إهانة وإنتِ معايا. وثانيًا، كلام مامتك مش مدايقني أبدًا، عشان أي حد في مكانها كان هيقول أكتر من كده.
ثالثًا، مش مضطرة تخبي عينك مني…

عشان رعشة إيدك والتوتر اللي إنتِ فيه ده بيقولولي إن في سبب تاني خلاكي تجيبيني بالطريقة دي هنا.
توالت كلمــ,,ـاته دفعة واحدة، فلم تعد تدري ماذا تقول، ولكنها هبّت تنفي جملته الأخيرة:
إيه…؟ لأ طبعًا، مفيش أي سبب تاني! إنت مش مصدقني ولا إيه؟ وبعدين هيكون في إيه تاني يعني؟
علي بابتسامة هادئة:
لا، مصدّقك… وأوي كمان. بس أنا ضابط يا روفــ,,ـان، وأقدر أفهم اللي قدامي مخبّي إيه، وخصوصًا لو كان حد قَمر كده زيك ومبيعرفش يكذب.
علميًا تعرف إنه مستحيل، لكنها شعرت فعلًا بأن قلبها قد خرج من بين ضلوعها ورفرف بجناحين خلقتهم كلمــ,,ـاته الجميلة.

ونُطقه لحروف اسمها جعلها تشعر بقشعريرة في سائر جسدها، وأنبتت حبات من العرق على جبينها. فكان كل هذا المزيج من التناقضات إعلانًا من جسدها بأنها وقعت في المحظور… ألا وهو العشــ,,ـق!
تحدثت أخيرًا بصوت مبحوح من فرط ما يعصف بداخلها وقالت:
تقصد إيه؟
كان هو يملك من الذكاء ما يجعله يدرك جيدًا مدى تأثيره عليها، وكان يعجبه هذا كثيرًا، خاصةً وهي أيضًا تملك تأثيرًا مُدمّرًا عليه. لكنه حاول تغيير دفة الحديث حتى يتحرر من فرط المشاعر التي تحيط بهما:
أقصد إنك خدّتيني ونزلتي جري عشان مش عايزاني أقابل حد عند كاميليا…

أو مش عايزة حد يشوفني عندها مثلًا؟
اندَهشت روفــ,,ـان من ذكائه في كشف مخططها العفوي، النابع من خوف فطري داخل قلبها على أخيها منه، وخوف آخر تملّكها عندما تخيّلت أن يقوم يوسف بأذيته.
شعر علي بما يدور في عقلها، والذي ترجمته عيناها التي كانت تبرق من فرط الدهشة، فابتسم ابتسامة هادئة عندما سمعها تردد دون وعي:
إنت عرفت إزاي؟
همّ بأن يجيبها، لكن قاطعهما ذلك الصوت الغاضب خلفهما وهو يقول بغيظ:
هو أنا كل مرة هقفّشكوا متنحّين لبعض كده؟!

★★★★★★★★
رن جرس الباب في بيت فاطمة، فخرجت غرام التي كانت للتو تنهي فرضها بعدما تضرّعت إلى ربها أن ينسيها عشــ,,ـق ذلك الرجل الذي يملك كل مقومــ,,ـات البطل في نظرها، لكنه يفتقد إلى أهم شيء… وهو القلب.
فتحت غرام الباب لترى من الطارق، لكنها صُدمت وبرقت عيناها حتى كادت تخرج من محجريها، وقالت بلا وعي:
إنت!
يتبع…….
وجه الخامس عشر للعشــ,,ـق
أحيانًا نشعر بالامتنان تجاه تلك الأسباب السخيفة التي تُعطينا ذريعة للبكاء على خيباتنا العظيمة، تلك التي لا نجرؤ على التحدّث عنها.”
نورهان العشري
هو أنا كل مرة هقفشكم متنحين لبعض كده؟!

التفت كلٌّ من علي وروفــ,,ـان إلى مصـ,,ـدر هذا الصوت وكأن المشهد يتكرر مرة ثانية، وكالعادة خجلت روفــ,,ـان وارتبكت من مظهر والدتها الغاضب، بينما ابتسم علي داخليًا على مظهرها، لكنه لم يُبدِ أي انفعال على وجهه وتحدث بثبات كعادته:
والله يا طنط أنا محظوظ عشان كل مرة بكون محتاجك فيها بتكوني موجودة.
تغيرت ملامح صفية على الفور من مغزى كلمــ,,ـاته، فقد عرف هذا الماكر كيف يصرف نظرها عمّا شاهدته.
خير يا علي، هو في حاجة حصلت؟
بصراحة يا طنط كان هيحصل، بس ربنا سخّر روفــ,,ـان عشان ما يحصلش.

ألقى نظرة مطمئنة على تلك الصغيرة المشاغبة التي كانت تنظر لوالدتها بوداعة الأطفال حتى لا تتلقى العقاب.
اندفعت صفية تقول بلهفة:

انت في الصفحة 5 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى