الوجه السادس عشر للعشــ,,ـق
لم أعتد يومًا على المبالغة، بل كنت أبتعد عن الإفراط في كل شيء: في الحزن، الغضــ,,ـب، التعلق، وحتى في الفرح. لكن معكِ، تهدمت كل خرائطي التي مشيت على نهجها طوال حياتي، ووجدت نفسي غارقًا في بحر من الحب، اللهفة، والشغف الذي لم أعرفه من قبل.
وهنا بدأت معاناتي؛ فكلما ازداد شعوري نحوك عمقًا، كلما كان ألمي أعظم، وجراحي أغور، وأبواب الغفران مصفدة بسلاسل الكبرياء التي تصطف أمام قلبٍ يثور ولا يريد سوى أن يكون معكِ.
سلاحي الوحيد هو عشــ,,ـق أهوج، يجتاحني كطوفــ,,ـان لا أقدر على مواجهته أو الفرار منه.
وبنهاية تلك الحرب الضارية، أجد نفسي أمام حقيقة واحدة: أنني أريدك… وبشدة.
نورهان العشري
كان أدهم يقود سيارته في طريقه إلى القاهرة بعد أن تأكد أن يوسف بالفعل قادم إليه، فهو لم يرغب في أن يراه في تلك الحالة المبعثرة، ولا طاقة له بالحديث عن ذلك الجرح الغائر في قلبه، الذي سببه لنفسه بفعلته المشينة مع المرأة الوحيدة التي توجها قلبه أميرة على عرشه. أخبره بأنه في طريقه للقاهرة ولا داعي لقدومه، لكن يوسف أبلغه بأن هناك ما يستدعي وجوده بالإسكندرية، واكتفى بذلك القدر كما هي عادته.
وعندما كان على وشك الوصول إلى قصرهم، جاءه اتصال منه، فأجاب على الفور:
أيوة يا يوسف.
جاءه صوت يوسف الغاضب كزئير الأسد قائلاً:
قدامك قد إيه وتوصل يا أدهم؟
أنا خلاص فاضل عشر دقايق، هأصل القصر، في حاجة ولا إيه؟
ارتعب أدهم من نبرة يوسف، فتلك النبرة لا يتحدث بها إلا وهو في أقصى درجات الغضــ,,ـب.
حالًا دلوقتي يا أدهم، روح على مستشفى (…) كاميليا هناك، وجدك والزفة سميرة راحوا لها، وممكن يضايقوها أو يحاولوا يأذوها.
حاول أدهم طمأنته:
اهدأ يا يوسف شويه، أكيد مش هيعملوا فيها حاجة.
وبعد كده، هي كاميليا في المستشفى بتعمل إيه؟ هي تعبانه؟
هدر يوسف، وقد وصل الغضــ,,ـب والخوف إلى الذروة، وأوشك قلبه على الانخلاع خوفًا عليها من أن يؤذيها أحدهم ولو بكلمة واحدة:
مش وقته يا أدهم! بقولك، راحوا لها المستشفى، وأنت عارف قد إيه هم بيكرهوها. تفتكر راحوا ليها عشان يطمنوا عليها؟ خصوصًا أن جدك عارف أني مسافر الإسكندرية ومش هكون موجود.
خلاص يا يوسف، هروح لها، بس انت اهدي شويه.
تحدث يوسف لأول مرة في حياته بنبرة تشبه التوسل:
مرات أخوك أمانة في رقبتك يا أدهم، أوعى تخلي حد يقولها حرف واحد يضايقها، هي أصلاً نفسيتها تعبانه ومش متحملة أي حاجة.
أدهم، وقد هزته تلك النبرة في صوت أخيه، فعقد العزم على مواجهة جده وعدم السماح له بتدمير سعادته مع حبيبته، فقال بلهجة حازمة:
متقلقش يا يوسف، مراتك محدش هيقدر يقرب منها أو يفكر يأذيها، وأنا موجود، اطمّن.
طمني أول ما توصل وكلمني على طول.
حاضر، متقلقش. المهم انت مطول عندك؟
أجابه يوسف بإيجاز:
لسه معرفش.
بعد وقت قليل، دخل أدهم إلى المستشفى بخطوات سريعة لينفذ ما أوصاه به شقيقه في حماية زوجته من بطش جده. وعندما وصل إلى باب الغرفة، صدمه حديث رحيم بتلك النبرة المحتقرة لها، فلم يستطع أن يمنع نفسه من التحدث بصوت يشبه الرعد في قوته، قائلاً:
اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرات يوسف الحسيني، وفكر ألف مرة قبل ما تجيب سيرتها يا رحيم بيه.
التفت جميع من في الغرفة على مظهر أدهم الغاضب بشدة، فقد كان صـ,,ـدره يعلو ويهبط من فرط الغضــ,,ـب.
فها هو جده للمرة التي لا يعرف عددها يحاول التحقير من الآخرين، ولا يأبه أبدًا لمشاعرهم أو لما قد تفعله بهم سموم كلمــ,,ـاته.
تحدث رحيم لحفيده العاق كما يسميه، فهو لم يكن يتفاهم أبدًا مع أدهم، ويراها دائمًا متمردًا ولا ينصاع لأوامره. ومن كان دائمًا يتوسط له هو يوسف، وهو الآن غير موجود:
والله عال يا أدهم، هتعلي صوتك على جدك؟! ولا كمان هتعرفه يقول إيه ويكلم إزاي؟
لما يبقى الكلام دا متوجه لمرات أخويا، يبقى مش هسمح بيه، ولو كان من مين!
وأنت مين بقى عشان تسمح ولا متسمحش؟
تحدث رحيم بسخــ,,ـرية، فأجابه أدهم بكل ما يعتمل بداخله من وجع وندم وحسرة، فهو يلوم جده على ما فعله بحبيبته ويراه المتسبب الرئيسي في ما أصبح عليه الآن:
للأسف، حفيدك اللي لو يطول يمحي اسمك من بطاقته كان عملها ومــ,,ـاترددش لحظة.
فقام رحيم برفع يده لترتطم بوجه أدهم بصفعة مدوية، جحظت لها أعين جميع من في الغرفة وانخلع قلب صفية التي دمعت عيناها لكنها لم تجرؤ على الحركة، وكأن قدميها أصــ,,ـابهما الشلل. أما عن أدهم فلم يهتز له رمش جراء فعله المفاجئ، فقد كان يود لو تلقي ألف صفعة على فعلته، التي سيظل قلبه يدفع ثمنها طوال حياته.
وكأن بتلك الصفعة وصل إلى نقطة اللا رجوع، فتابع أدهم حديثه، قاصدًا كل حرف يتفوه به، وكانت كلمــ,,ـات الغرام الكارهة له تتردد في أذنه:
انت فاكر إنك لما تضــ,,ـربني هخاف وأعتذر زي زمان؟ هه! غلطان يا رحيم بيه، دانتا هتجبرني أقولك حقيقتك اللي كل اللي حواليك خايفين يقولوا هالك… انت إنسان ظالم ومفتري وأناني.
قام رحيم برفع يده مجددًا ليصفع أدهم، وهو يقول بصوت جحيمي:
اخرس يا حيوان!
لكنه تفاجأ بأدهم يمسك بيده ويمنعها من الوصول إلى وجهه، مواصلاً جلده بذنوب كان يحاول محوها من ذاكرته، قائلاً بصراخ هز أركان الغرفة:
مش هسمحلك تضــ,,ـربني تاني، وهقولك اللي كنت مخبيه في قلبي من سنين. طول عمرك ما بتحبش غير نفسك وبس، اتعودت تاخد وبس، اتعودت تعذب الناس وتظلــ,,ـمهم عشان عارف إنهم أضعف منك وما يقدروش يقفوا قصادك.
استمهل نفسه لثوانٍ قبل أن يتابع بقهر:
فضلت تعذب في زهرة، مرات عمي أحمد، عشان عارف إنها ملهاش حد، وعمي مش هيقدر ياخد حقها منك…
منعتها تشوف أهلها، وكنت مستمتع بتعذيبها من غير ما يرف لك جفن، لحد ما سابتلك الدنيا كلها ومــ,,ـاتت، وزي ما يكون ربنا قاصد يعاقبك وتاخد ابنك معاها، وكل دا برده مهزش فيك شعره، ولا خلاك ترحم بنتهم اليتيمة اللي مكنتش بترحمها بنظراتك ولا بكلامك، ولا حتى فكرت مرة تطبطب عليها وتقول “دي يتيمة آخد ثوابها”.
اسكت! انت مش فاهم حاجة…
صرخ رحيم به، فها هو على وشك الانفجار، قاذفًا بوجهه أسبابًا دفــ,,ـنها بقلبه، لتتحول مع مرور الوقت إلى براكين تهدد بالانفجار في أي لحظة.
لم يستطيع الصمود أكثر، فصرخ مُعاندًا:
أنا فاهم وعارف وشايف كل حاجة، وعارف إن اللي منعك عن كاميليا هو يوسف. يوسف المفروض إنك بتحبه أكتر واحد في الدنيا، وده اللي انت بتحاول توصله له ولنا، بس الحقيقة إنك بتخاف منه، عشان هو أقوى منك، ومن غيره هتبقى ضعيف وتهتز، واسمك هيتمحي…
أنا عمري ما كنت ضعيف أبدًا، ويوسف ده أنا اللي عملته وربّيته وخليته كده. إن كان بقي يوسف بيه الحسيني فهو بفضلي، أنا فاهم ولا لا…؟
تحدث رحيم بغضــ,,ـب مهوول، فألقى أدهم الحقائق بوجهه دفعة واحدة:
لا… لو يوسف ده تربيتك، مكنش هيبقى كده أبدًا، مكنش كل اللي حواليه هيحبوه ويحترموه بالطريقة دي.
بالرغم من كل محاولاتك إنك تخليه زيك، إلا أنه بقى حد تاني. انت تتمنى تكون زيه. بتحاول تقنع نفسك إن يوسف زيك، طالعلك مع إنك أكتر واحد عارف إنه مش كده.
اهتزت جفونه غضــ,,ـبًا وقهرًا، وهو يجيبه بصراخ:
يوسف ده ابني وتربيتك، سواء اقتنعت بها أو لا، هو هيعمل كل اللي أنا عايزه.
أدهم ساخرًا:
لو كان ابنك وتربيتك، مكنش حب كاميليا، ولا كان قبل يتنازل عن كل حاجة بيملكها عشان تبقى مراته. وشوف، سبحان الله، أكتر حد مفروض تحبه في الدنيا يحب بنت أكتر واحدة بتكرهها، ويقبل يتنازل عن كل حاجة انت قدمتها له عشان خاطرها.
تفتكر دا يبقى شبهك ولا زيك؟ ولا حتى ممكن يفكر يسمع كلامك في يوم؟
قال جملته الأخيرة بسخــ,,ـرية ملحوظة، فلم يكد رحيم يجيبه حتى جاءهم صوت من خلفهم:
في إيه يا جــ,,ـماعة؟ صوتكم جايب لآخر المستشفى؟
كان هذا صوت رائد، الذي جاء بالاتفاق مع سميرة سرا ليكملا خطتهم، لكن قطعها رحيم بقوله:
صفية… روفــ,,ـان… سميرة، يلا عشان هنروح.
قالها بنبرة حازمة، ثم التفت إلى أدهم قائلاً بغضــ,,ـب من كلمــ,,ـاته التي شعر بمدى صدقها، وقد أخافته هذه الكلمــ,,ـات بشدة.
يوسف هو زرعته، وهو من سيكمل مسيرته من بعده وامتداد لاسمه ونهجه، ولن يسمح لأحد بأن يعارض خططه، فكان يكفيه ما تلقاه من خذلان أولاده له.
مش عايز أشوف وشك في بيتي تاني… انت من النهارده لا انت حفيدي، ولا لي أي علاقة بيك، والشركة متعتبهاش، وابتعد عن أي حاجة ليها علاقة باسم الحسيني.
قالها وانطلق غاضبًا، وما إن اصطدم برائد الواقف أمام باب الغرفة حتى رمقه باحتقار وقال من بين أسنانه:
وانت بقى كلب الحراسة التاني، إيه جاي تحرس ست الحسن والجمال؟
غضــ,,ـب رائد من حديثه ونظراته، التي ذكّرته بما يحمله بقلبه تجاه ذلك الرجل وعائلته، والذي زاد إلى أضعاف الآن. أقسم بداخله أن يذيقه مرارة الاحتقار والذل، لكنه آثر الرد بهدوء قائلاً:
أنا كنت جاي أشوف يوسف إذا كان هنا ولا لا؟
زجره أدهم باحتقار:
لا، مش هنا. اتفضل مكان ما جيت…
تقهقر رائد إلى الخلف بعد أن تمالك نوبة الغضــ,,ـب التي انتابته نتيجة حقارة هذا الرجل وجبروته، الذي لم تضعفه السنين بل زادته.
انصرف رحيم بعد مغادرة رائد، وتبعته سميرة بنظراتها الشامتة، مقتربة من أذن صفيه وقالت بسخــ,,ـرية:
قلبي عندك يا صفيه والله…
عقبال ما قلبي أنا كمان يبقى عندك يا سميرة…
ردت صفيه بحدة من مغزى كلمــ,,ـاتها، فهي تريد أن تزيحهم جميعًا من طريقها، لكنها لن تتهاون أبدًا معها.
ألقت سميرة عليها نظرة ساخرة، ثم ما لبثت أن تغيرت نظراتها عندما توجهت نحو كاميليا، وقد أصبحت نظراتها حقدًا ممزوجًا بالوعيد. سرعان ما لاحظ ذلك علي وأدهم، الذي قال بتهكم:
إيه يا مرات عمي، مش هتقولي لكاميليا، مرات كبير العيلة اللي انتِ المفروض منها ألف سلامة…؟ ولا انتِ جايه تتفرجي وبس، خايفه حاجة تفوتك؟
غضــ,,ـبت سميرة من تذكيره لها بزواج يوسف من كاميليا، وتلك النبرة المستهزئة التي يتحدث بها، لكنها أبت أن تظهر مكنوناتها، فقالت بسخــ,,ـرية:
متقلقش يا أدهم، أنا مبيفوتنيش حاجة… بس تصدق، انت صح، لازم أطمن على مرات كبير العيلة اللي…
قاطعها أدهم بنبرة حازمة، فهو يتوقع أن تشير إلى هروب كاميليا، ولن يسمح لها بذلك. فهو يكره تلك المرأة بشدة ولن يتيح لها الفرصة بالشمــ,,ـاتة والتحقير مع من تنتمي لأخيه:
اللي المفروض احترامها من احترامه، واللي احنا وانتِ عارفين إنه هيهد الدنيا لو حد فكر يرفع عينه فيها.
على قولك، احترامها من احترامه.
قالتها بغيظ، فشلت أن تخفيه. وما إن اقتربت خطوتين من تلك التي تنظر إليها بشفاه مرتجفة وعينين جاحظتين، وقد زبلت ملامح وجهها من فرط الرعب، حتى وقف أدهم أمامها قائلاً بلهجة تحمل من الإهانة ما جعل عيني سميرة تبرقان من فرط الغضــ,,ـب والدهشة معًا:
من بعيد… من بعيد يا مرات عمي، أصل كاميليا في فترة نقاهة وممنوع عنها التعرض لأي بكتيريا أو جراثيم.
عند نهاية جملته، لم يستطع علي أن يمنع تلك الضحكة التي انفلتت من بين شفاهه، لتصب البنزين على نــ,,ـار الغضــ,,ـب والإهانة التي أشعلتها كلمــ,,ـات أدهم:
يالا يا روفــ,,ـان، يالا يا سميرة.
وأظن كفاية عليكِ أوي كده النهارده، والرسالة وضحت.
قالتها صفيه لتنهي ذلك الموقف المُخزي أمام الغريب. ومازال حديث رحيم لأدهم يرن في أذنها، فاقسمت ألا تمرره على خير:
كل حرف قلته دلوقتي هتندم عليه يا أدهم، ندم عمرك. ومابقاش سميرة الحسيني، أما خليتك تترجاني عشان أعفو عنك…
تحدثت سميرة من بين أنفاسها، فقد كان الغضــ,,ـب يعصف بكل ذرة من كيانها:
لا… انتِ اسمك سميرة مجاهد… الحسيني ده احنا ادناهولك تفضلاً مننا كده، وممكن في لحظة نسحبه تاني.
قالها أدهم بتسلية، ثم اختتم كلامه بغمزة ليذكرها حقيقة حياتها مع عمه مراد، الذي لا يتحمل أن يتنفس الهواء ذاته معها:
هنشوف مين اللي هيتسحب منه كل حاجة قريب.
قالتها متوعدة، وغادرت كالإعصار. فنظرت صفيه لابنها بنظرات غامضة، لم يكن أدهم يتوقعها، فهو دائمًا ملوم بنظر والدته، وقد كان يتوقع أن تعنــ,,ـفه، لا أن تنظر إليه بتلك النظرات التي لم يستطع تفسيرها، وخرجت دون أن تتفوه بأي حرف، وخلفها روفــ,,ـان، التي التفتت لكاميليا تنظر إليها بحب وهمت بالحديث، لكن قاطعها نداء والدتها، فخرجت بعد أن ألقت نظرة اعتذار خاطفة لبطلها الوسيم.
************
أهلاً يا يوسف بيه.
كان هذا صوت فاطمة التي خرجت من غرفتها لملاقاة آخر شخص قد تتوقع حضوره إليها، خاصةً في هذا الوقت.
يوسف بيه…؟ دي تقريبًا بداية غير مبشرة.
قالت فاطمة بعتب:
متوقع مني أقولك إيه؟ ولا أقول جايلي ليه…؟
يوسف بنبرة هادئة محشوة بالوجع:
جايلك وعايزك تعتبريني واحد متعرفيهش. قابلتيه في الشارع، في القطر، في أي مكان تحبيه، وأنا هحكيلك حكايتي، وهاعتبر إنه لما هخرج من هنا هتنسيها، وتنسي إنك شفتيني معاها.
صمت لثوان قبل أن يُضيف بلهجة تقطر وجعًا:
ولما نتقابل تاني، قوليلي اللي يريحك، يوسف بيه… يوسف، متناديش عليا خالص، مش هتفرق كتير.
المهم إن اللي اتقال هنا هيتنسي بمجرد خروجي من الباب دا.
أنهى كلامه، وكل ذرة من كبريائه تنهّره بشدة، وتطالبه بالرحيل عن أي مكان يحمل رائحتها، أو حتى ذكرى بسيطة منها. لكنه قرر لمرة واحدة في حياته أن يتخلى عن ذلك الجمود الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، وخلع الرداء الذي يحجب عنه الهواء، كاشفًا أسرارًا دفــ,,ـنها بقلبه منذ أن كان في العاشرة من عمره:
أنا واحد من أكبر عيلة في البلد. أنا تقريبًا مسؤول عن العيلة دي، اللي مبتقتصرش على اللي شايلين اسمها بس، دي كمان بتضم كل واحد بيشتغل وعايش تحت جناحها.
اتكأ في جلسته قبل أن يُضيف بنبرة مشجبة:
اللي يشوفني من بعيد يقول عليا إني أسعد واحد في الدنيا. وإزاي مبقاش سعيد وأنا بملك كل دا في إيديا، وانتِ أكيد عارفة. وأنا مش حابب أتكلم عن اللي بملكه، لأنه هو سبب تعاستي في الحياة.
تتماوج صفحة وجهها بالتعبير من وقع كلمــ,,ـاته، خاصةً حين أردف بنبرة تتضور وجعًا:
الحاجة الوحيدة اللي بعتبرها مصـ,,ـدر سعادتي، وبعتبر إنها ملكي فعلًا، هي كا… بنت أختك…
لم يستطع أن ينطق اسمها خوفًا من اهتزاز نبرة صوته من فرط الحنين إليها، الذي يكاد يشطر قلبه إلى نصفين.
كاميليا…
قالتها فاطمة بلهجة حانية، فقد شعرت أن الرجل الماثل أمامها يملك همومًا بحجم الجبال، وأن ابن أختها أحد أهم أسباب تلك الهموم.
أنا كبرت بين أب وأم بينهم شرخ كبير جدًا، بالرغم من معاملتهم الجيدة لبعض قدام الناس، إلا أنهم مقدروش يداروا دا عني.
مطّ شفتيه بتفكير قبل أن يُضيف:
أو يمكن عشان أنا تربية رحيم الحسيني، اللي من أول يوم جيت فيه للدنيا، وهو معتبرني هدية من ربنا ليه وامتداد لاسمه، وحاول يخليني نسخة طبق الأصل منه.
تبلور الصدق في نبرته حين قال:
منكرش إني ورثت منه حاجات كتير، وأهمها ذكاؤه.
ويمكن دا اللي خلاني أفهم إن في حاجة غلط بينهم…
يتذكر ومضات من الماضي تجعل موجاته الزرقاء تتحول لأخرى داكنة:
كنت دايمًا شايف في نظراته ليها اعتذارات كتير، لسانه مبيقدرش ينطقها. وكنت بشوف في عينيها جرح كبير بتحاول تداريه وراء نظرات الرضى اللي بتظهر في عينيها. وشيفانا لحد ما في يوم أبويا جه البيت، ودخل أوضته، وهو مش شايف قدامه من كتر الغضــ,,ـب، أخذ سلاحه وخرج، وآخر حاجة سمعته بيقولها لأمي: “سامحيني”، ويومها الفجر وصلنا خبر وفــ,,ـاته…
قالها يوسف وقد شعر بغصة تشكلت في حلقه، وقد أوشكت الدموع على أن تسيل من عينيه أثر ذكر والده الراحل، وكيف تسلم جده جــ,,ـثمانه، وذلك المشهد الذي لو مر عليه ألف عام لن ينساه أبدًا.
عودة إلى وقت سابق:
دخل يوسف ذلك المكان البارد المشبع برائحة المــ,,ـوت، فامسك بيد جده، التي لأول مرة يشعر بها ترتجف بين يديه، فسأله ببراءة طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره:
جدو، هو انت خايف…؟
انخفض رحيم حتى وصل لمستواه، ومسح دمعه هاربًا من عينيه التي سرعان ما تحولت من الحزن للجمود، وقال بلهجته الجليدية التي ورثها يوسف منه:
الراجل عمره ما يخاف يا يوسف… وانت راجل صح؟
طبعًا صح يا جدو، أنا راجل زيك وزي بابا.
أبوك دا كان راجل من ضهر راجل، بس للأسف غلطة واحدة ضيعته وضيعتني معاه.
قالها رحيم بضعف قلما يظهر على محياه، فاستفهم الصغير:
مالك يا جدو، هو بابا عمل حاجة زعلتك؟
أبوك عمل كل حاجة عشان يفرحني وتخليني فخور بيه يا يوسف…
يوسف بثقة:
وأنا كمان هطلع شاطر زي بابا، وهاعمل كل حاجة حلوة عشان أفرحك وتبقى فخور بيا.
تحدث يوسف إلى جده بحماس طفولي، لكنه قطب حاجبيه بعدم فهم عندما قال جده:
للأسف يا يوسف، أبوك كان شاطر أوي، بس غلطة الشاطر بألف.
يعني إيه يا جدو؟
رحيم بقسوة:
يعني أبوك غلط غلطه عمره يا يوسف، غلطه اتسببت في مــ,,ـوته.
بدأت دموع يوسف بالهطول على وجنتيه الناعمتين، فأكمل رحيم بقسوة:
أبوك سلّم قلبه واسمه للي متستاهلوش، ودي النتيجة: مــ,,ـوته.
هو بابا مــ,,ـات يا جدو؟
مسح رحيم دموع يوسف، وهو يقول بحدة:
انت راجل، أوعى تعيط يا يوسف أو تضعف. انت كبير إخواتك، وانت اللي هتبقى كبير العيلة دي من بعدي. أوعى أشوفك بتعيط تاني، فاهم؟
ح… حاضر يا جدو… بس أنا عايز أشوف بابا.
هكذا طلب الصغير وهو يحاول منع دموعه بصعوبة.
أنا هوريك منظر يمكن يوجعك دلوقتي، بس هيقويك بعدين يا ابني، وهيخليك تفكر ألف مرة قبل ما تسلم قلبك لواحدة ست، وتبقى هي نقطة ضعفك وسبب مــ,,ـوتك. وخليك فاكر إن الضــ,,ـربة اللي مبتتمــ,,ـوتش بتقوي.
لم يستطع يوسف أن ينسى تلك اللحظة، وهو ينظر إلى أبيه النائم بسكون، ويتوسط صـ,,ـدره ثلاث طلقات نــ,,ـارية، تشير إلى أن من أطلقها كان يعرف جيدًا ما يفعل.
عودة للوقت الحالي:
يا ساتر! إزاي قدر ياخدك ويوريك أبوك وهو بالمنظر دا…؟ هو كان في إيه؟ ولا في إيه؟
قالتها فاطمة بصدمة من جبروت ذلك الرجل الذي ليس له حدود.
لا، جدي يقدر يعمل أي حاجة،
قالها يوسف بسخــ,,ـرية، ثم أردف قائلاً:
الموضوع دا كان تالت يوم مــ,,ـوت أبويا، أصل جدي مردش يدفــ,,ـنه غير بعد ما خد ثأره، وصفّي الناس اللي عملت فيه كده.
فاطمة بتعاطف:
دانتا شايل كتير أوي يا ابني.
يوسف بجفاء يتنافى مع ذلك الوجع الذي يتبلور في نظراته:
أحيانًا في حاجات كتير بنتــ,,ـحمل مرارتها جوانا، ولا إنها تأذي ضافر حد من الناس اللي بنحبهم…
تنهد يوسف بحزن، ثم أردف:
اليوم دا روحت خدت أدهم في حضـ,,ـني، وكانت روفــ,,ـان لسة 3 سنين، مكنتش فاهمه حاجة، بس حضـ,,ـنتها برضو. ويوميها أقسمت إن محدش هيقدر يأذي إخواتي دول، ولا يمس منهم شعرة طول ما أنا موجود…
احترقت نظراته وجفت لهجته، وهو يُضيف:
ماما كانت عمالة تعيط، بس من بين دموعها شفت نظرة عمري ما هنساها، كأنها بتقولي: “انت أملنا الوحيد في الدنيا دي”. وبعد كام يوم جه عمي أحمد، اللي كان غايب بقاله سنين، هو ومراته وملاكِ الصغير…
تنهد بحب عند تذكر هيئتها الجميلة وملامحها الملائكية وابتسامتها التي شقت قلبه إلى نصفين:
نصف منه عشــ,,ـقها، والنصف الآخر كان ينهره لهذا العشــ,,ـق الذي أقسم لنفسه أنه لن يمس قلبه مطلقًا.
مش هطول عليكي في تفاصيل هتوجع أكتر ما هتفيد… هتكلم عن نفسي وعن حبي ليها…
من يحاول ألا يخدش كبرياءه وهو يسرد ما يحمله بقلبه لها من عشــ,,ـق:
_ بدأت أحس إنها جزء مني، بالرغم من أني كنت بتحاشى التعامل مع طنط زهرة، بس هي كانت طفلة جميلة أوي، وكل ما كنت ببعد عنها كانت بتقرب مني ببرائتها، وكأنها بتعاندني وبتقولي: “هتحبني غصب عنك”. و… حصل!
فاق حزنه حدود الوصف، وهو يقول:
_ وكأن نفس المشهد بيتعاد لتاني مرة، وعمي أحمد وطنط زهرة مــ,,ـاتوا في حــ,,ـادثة، وروحت مع جدي عشان استلم جــ,,ـثثهم، بس المرادي شفت جدي منهار لأول مرة في حياته، وقالي نفس الكلمة اللي قالها لي يوم مــ,,ـوت أبويا:
(عموك أحمد مــ,,ـات عشان سلّم قلبه للي متستاهلوش)
في اليوم دا صدقت جدي، عشان قبلها بكام يوم حصلت حاجة خلتني أصدقه في كل حاجة بيقولها، وكرهت كل الستات اللي في الدنيا.
عودة إلى وقت سابق:
كان يوسف قادمًا من الخارج في ساعة متأخرة ليلًا، وقد رأى عمه مراد يجر زوجته سميرة من يدها قادمين من جهة الحديقة، وهو يمطرها بوابل من السباب واللعنات، ثم قام بإلقائها أمام المنزل وهو يعنــ,,ـفها بشدة، وأخذ يركلها في معدتها بعنــ,,ـف، ثم تركها وغادر مستقلًا سيارته بسرعة كبيرة.
اندفع يوسف ليسند سميرة، التي كانت تحاول النهوض وألمها يغلبها، بالرغم من عدم ارتياحه لها ولحديثها ولنظراتها، فقد دفعته شهامته لمساعدتها. فقالت بألم من بين دموعها:
اسندني يا يوسف… شفت عمك عمل فيا إيه؟
أسندي عليا يا طنط، أوديكي المستشفى.
لا يا يوسف… طلعني فوق.
أنا لو خرجت من البيت دا مش هرجع له تاني.
بس انتِ شكلك تعبانه أوي!
تقصد عشان عمك ضــ,,ـربني؟ الضــ,,ـرب أهون بكتير يا يوسف من حاجات تانية بتمــ,,ـوتنا بالبطء.
تحدثت سميرة بخبث، تبث سمومها في عقل يوسف حتي يخبر جده ويتسبب في هلاك غريمتها.
قَطَب يوسف جبينه وقال باستفهام:
حاجات إيه اللي تقصديها دي؟
عمك مراد بيخوني، ولما مشيت وراه عشان أعرف بيخوني مع مين، ضــ,,ـربني وبهدلني زي ما انت شفت.
وهو عمي مراد هيخونك هنا في القصر يا مرات عمي؟
قالها يوسف باستنكار.