Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 6

للأسف يا يوسف، مش هقدر أقولك أكتر من كده، بس لو عايز تشوف بعينك روح للبيت الخشب، هتلاقي عشيقته لسه هناك بتمشي بعده بشوية عشان محدش يشك فيها.
جحظت عين يوسف من حديثها، لكنه لم يستجب لمحاولتها للتأثير عليه وتشويش عقله، وقال بلهجة جادة:
يالا عشان أطلعك أوضتك.
وبالفعل، بعد أن أوصلها إلى غرفتها، وهم بالنزول، وجد زهرة، زوجة عمه، تدخل إلى المنزل وهي تتلفت حولها وتفرك يدها من فرط التوتر. هنا تلقائيًا التفت يوسف إلى سميرة، التي لاحظت تغير ملامح وجهه، فعرفت على الفور أنه شاهد زهرة قادمة من الخارج، فنظرت له نظرة فحواها: “ألم أقل لك…”.

أغلق يوسف باب غرفتها وانطلق إلى غرفته، وظل ساهرًا يفكر: هل صحيح ما تشير إليه سميرة؟ لكنه قرر أن يتحدث مع عمه مراد، فهو رجل صادق ولن يخون أخاه أبدًا.
مرت ساعات على انتظار يوسف لمراد، حتى داهمه سلطان النوم، فغفى في مقعده، لكنه استيقظ بعد وقت قليل على هدير سيارة عمه، فهب مفزوعًا من نومه وذهب لغسل وجهه محاولًا إفاقة نفسه حتى يعرف كيف يتحدث مع عمه وهو بكامل تركيزه.

وما إن نزل إلى الأسفل حتى سمع همهمــ,,ـات قادمة من اتجاه المطبخ، فاقترب ليرى من هناك، لكنه تفاجأ بعمه مراد مع زوجة عمه زهرة في وضع خاص، لم يستطع أن يميز صورتهما، لكنه سمع عمه مراد وهو يهمس باسمها بلوعة عاشق يتلظى بنيران الغيرة، قائلاً:
زهرة… أنا مبقتش قادر أتحمل تكوني معاه في مكان واحد… بمــ,,ـوت يا زهرة…
عودة للوقت الحالي:
اندفعت فاطمة بذعر من حديث يوسف، الذي يتنافى مع طهارة ونقاء أختها، وقالت ببكاء:
لا يا ابني… الكلام دا مش صح. زهرة أختي عمرها ما كانت كده، في حاجات كتير انت متعرفهاش…
يوسف بجمود:

وأنا جاهز أعرفها.
فاطمة باستفهام:
هسألك سؤال الأول وبعدها هحكيلك كل حاجة… بس توعدني تجاوب بصراحة.
تلقت بإيماءة من رأسه، ونظرة ثقة من عينيه كانت أبلغ من ألف وعد قد يتلفظه أمامها.
انت عمرك اتعاملت مع كاميليا باللي شفته من زهرة وحكته لي دلوقتي؟ بمعنى أوضح، هل اللي حصل دا خلاك تبص لكاميليا بصة وحشة عشان أمها؟
قاطعها يوسف بنبرة حاسمة:
كاميليا مراتي، اللي عشانها اتنازلت عن كل حاجة بملكها وفوقها اسم عيلتي اللي جدي هددني بيه، وإنه يتبرأ مني لو فضلت مصمم على جوازي منها…

واصلت فاطمة محاولة الوصول إلى أقصى قدر من الثقة معه:
علاقتك بكاميليا هتتأثر بأي حاجة من اللي هقولهالك دلوقتي مهما كانت صعبة؟
يوسف بصدق:
مش هقدر أقولك غير إني هفضل أحميها طول حياتي، ومش هسمح لحاجة أو لحد يمس شعرة واحدة منها.
فاطمة بحزن من حالته وما سيترتب عليها حين تخبره الحقيقة:
هتقدر تحميها من نفسك؟
خرج من يوسف ضحك ساخر من ذلك السؤال، فلو تعرف أن أكثر ما يرهق قلبه ويؤذي روحه هو أنه طوال هذه السنوات يحارب نفسه وجميع ذكرياته ومبادئه لأجلها.

تحدق بوجع يطغى على جميع ملامحه، حتى بات التغلب عليه بالأمر الشاق:
أنا موقفتش قدام نفسي غير عشان خاطرها… طول الوقت كنت بحاربني وبحارب كل اللي حواليا بردو عشان خاطرها… حتى وأنا في قمة قوتي، كنت بتهزم قدام نظرة ضعف واحدة من عيونها.
أخيرًا أخذت قرارها بسرد جميع ما يخفيه الماضي:
أنا هقولك يا ابني… عالي حصل زمان، وانت اللي هتحدد مين ظالم ومين مظلوم.
القصة ابتدت لما كنا…
—
دخلت سميرة إلى غرفتها بعد ما أزاحت نيفين من أمامها وهي تتوعد لكل عائلة الحسيني بأبشع الطرق، وسحبت هاتفها من حقيبتها وقامت بالاتصال بمجهول.

وما إن فتح الخط حتى اندفعت قائلة:
بص بقى… أنا معدش عندي صبر على العيلة دي أكتر من كده، والزفت دا لو مخلصنيش منهم ونفذ انتقامنا، هحــ,,ـرقه هو كمان بنفس النــ,,ـار اللي هيتحــ,,ـرقوا بيها…
المجهول:
اهدي يا حبيبتي… كله هياخد جزاته، بس الصبر…
اصبر لحد إمتى والزفت دامش راضي ينفذ اللي اتفقنا عليه؟
هينفذ… متقلقيش، برضه أو غصب عنه.
ودا إزاي بقي؟
بمجرد ما أبعتله فيديو عامر وهو بيمــ,,ـوت أبوه… صدقيني هيتحرك… وإلا فيديو وكلاب الحسيني بيغــ,,ـتصبوا أمه، أكيد وقتها هيتجنن وينفذ كل اللي بنقوله عليه من غير ما يفكر.

طب والحاجات دي وصلتلك إزاي؟
قالتها سميرة بانبهار:
دي لعبتي بقي… بس خلي بالك، وقتها احتمال كبير ميبقاش في يوسف عشان بنتك تتجوزه.
تتجوز ولا تتحــ,,ـرق… هي أصلاً مش بنتي!
قالتها سميرة بغل، وعند هذه الجملة سقطت الدموع بغزارة من عين تلك التي كانت واقفة تسترق السمع لحديث والدتها مع ذلك المجهول، والتي لم تتعرف عليه حتى الآن…
*************
شوف ياخي، بالرغم من أني مش كنت طايقك ولا طايق أبص في خلقتك، بس البوقين اللي انت قولتهم لجدك دول هيخلوني أبتدي أحترمك وأفكر فعليًا إني أصاحبك.

كان هذا صوت علي، الذي تحدث أخيرًا بعد خروج جميع من في الغرفة، وتبعه أدهم بعد أن التفت إلى كاميليا المستلقية تتطلع إليه بذهول، سرعان ما تحول لامتنان عندما رأت نظراته المطمئنة لها. ثم خرج من الغرفة فهو غير قادر على أن يرفع عينيه إلى علي بعد ما حدث مع غرامه. لكن علي، الذي أعجب بما فعله كثيرًا، شعر بمدى شجاعته عندما وقف أمام جده وألقى بوجهه جميع جرائمه دون أن يهتز من جبروت ذلك العجوز وسلطته.
لا يا شيخ… ما تطلبني للجواز أحسن!
تحدث أدهم محاولًا التغلب على شعور الذنب الذي يقرضه من الداخل لما فعله بشقيقته:

لا يا عم… تف من بقك… اتجوزك إيه أنا ناقص قرف؟
انت تطول يا له!
لا… مانا هطول إن شاء الله.
ألقي علي كلامه بنبرة ذات مغزى، ولم ينتبه لها أدهم الغارق في الذنب حتى أذنيه، فأضاف علي الذي لاحظ شروده:
انت جيت من إسكندرية إمتى؟
لسه من شوية… جيت على هنا علي طول.
استفهم علي بخبث:
انت كنت تعرف أن كاميليا هنا؟
أدهم بصدق:
بردو لسه عارف من شوية…

يوسف كلمني لما عرف إن جدي والحيزبونه دي معاه في المستشفى عند كاميليا، وقالي أروح أمنعهم من أنهم يضايقوها، فجيت على هنا جري.
علي بعدم فهم:
غريبة… طب وهو مجاش ليه؟
احتار أدهم هل يخبره بتواجد يوسف في الإسكندرية أم لا، ففضل عدم الحديث وقال نافياً:
معرفش… تقريبًا برا القاهرة… بس تعال قولي، إمال انت قاعد جوا كده ومرحرح… مش خايف يوسف ييجي ينفخك؟
ينفخ مين يا د…؟ شايفني هفأ قدامك ولا أيه؟
تشدق ساخرًا:
لا… شايفك حلو وابن ناس، وخسارة في المــ,,ـوت بدري، وصعبان عليا من دلوقتي من اللي هيعملوا يوسف فيك…

علي بتهكم:
خاف على نفسك انت ياخويا… المهم يوسف مقالكش هو ناوي على إيه مع كاميليا؟
ولا قال ولا هيقول… يوسف أخويا كلمني مرتين النهارده، ودا في حد ذاته إنجاز. طب انت اتكلمت مع كاميليا في حاجة…؟ يعني قالتلك سبب هروبها إيه؟
علي بملل:
والله يا أدهم… أنا ملحقتش أتكلم معاها… جدك طب علينا زي القضى المستعجل…
بس يا ابني… انت متقولش عليه كده…
قاطعه أدهم باندفاع، فهو تجري في عروقه دماء الحسيني التي تمتلئ بالغرور والتكبر والعزة، فهو حتى وإن كان يكره ذلك الرجل المسمى بجده، فهو لن يسمح لأحد بالحديث عنه بسوء.

قهقه علي ساخرًا:
لا… ياد، متربي وابن ناس… والبكابورت اللي انفجر في وشه من شوية دا كان إيه؟
زفر أدهم بضيق وتابع حديثه قائلاً:
والله مانا عارف الكلام دا خرج مني إزاي… بس تقدر تقول إن الكلام دا حصيلة سنين كنت بخزنله فيهم كل أعماله اللي كانت بتبعدني عنه خطوة بخطوة، لحد ما لقيتني النهاردة واقف قدام واحد معرفوش وحسيت للحظات إني بكرهه…
شاركه علي شعوره حين قال بحزن:
متبررش يا أدهم… عشان اللي انت حاسس بيه كله جوايا… لراجل عاش حياته يأذي في أمي وأبويا وعايز يفرقهم عن بعض… لا ومكتفاش بده…

بعد ما مــ,,ـات كان عايز ياخدني أنا وأخواتي نعيش معاه ونسيب ماما لوحدها… شفت الجبروت…
الرفاعي باشا…
قالها أدهم بسخــ,,ـرية، ثم أردف بحزن:
ماهو صاحبه ونفس العين… بس انت أبوك خد ممتك وخلع… إنما عمي أحمد من بعد مــ,,ـوت أبويا لما جاب طنط زهرة وكاميليا وجم يعيشوا معانا… هنا ابتدت المعاناة الحقيقية لحياتنا كلنا.
بقولك إيه… شكل كلامنا هيطول… أنا بقول نشوف حتة نقعد فيها… بما إنك مطرود وأنا صايع… خلاص قفلت حساب الفندق اللي كنت نازل فيه وكنت ناوي أسافر النهارده على إسكندرية، بس مش هعرف أمشي غير لما أطمن على كاميليا وأتكلم معاها…

وإلا خالتك فاطمة هتعلقني على باب العمارة… أنا أصلاً مش عارف هرجع لها بإيدي فاضية إزاي من غير كاميليا.
سخر أدهم قائلاً:
لا… ماهو، انت لو فكرت ترجع بكاميليا يبقى كأنك راجعلها بكفنك بالظبط…
علي باندهش:
يا ابني… انت محسسني إن يوسف أخوك دا هولاكو… طب إيه رأيك بقى إني هقعد مع كاميليا وأطمّن عليها برضه… هتشوف؟
يا ابني… لو سخن، نشوفلك دكتور يكشف عليك وتشوفها برضه.
علي بتحدي:
طب… هتشوف…
أدهم بتهكم:
طب يلا يا خويا… هننزل نقعد في كافيه جنب المستشفى… وكده وكده يوسف هييجي الصبح أكيد… مش هيتأخر…

وقتها ابقي ورينا شجاعتك.
طب… هنسيب كاميليا هنا لوحدها؟
متقلقش… عم عبده بره… هوصيه… لو حصل حاجة يكلمني على طول.
أطاعه علي، وما أن نزلا كلا منهما إلى الأسفل، ظهر أحدهم الذي كان يسترق السمع لما يدور بينهم، وحاول أن يستغل غيابهم لتنفيذ مخططه. فاقتحم غرفة كاميليا لتشهق برعب من تلك الهيئة المرعبة التي رأتها، وما إن همت بالصراخ حتى امتدت يد لتكمم فاهها، حتى شعرت بأن الروح بدأت تفارقها…
يتبع ……..
الوجه السابع عشر للعشــ,,ـق
لا أُحِبُّ الهروبَ أبدًا، ولا أعتبره وسيلةً للنسيان. لا أحذفُ الصورَ ولا المحــ,,ـادثاتِ. لا أحاولُ مُطلقًا الهروبَ من الذكرياتِ؛

بل أواجهها حتى تفقد وجهها و تُصبِح في نظري عاديةً. نعم، أتألَّمُ وأُهزمُ لمراتٍ ومراتٍ، ولكن في النهاية أنتصِرُ وأمُرُّ منها كأنها لم تَعْلَقْ بقلبي يومًا.
نورهان العشري
بيتهيألي إنك سمعتي وشُفتي اللي حصل دلوقتي، وياريت تكوني عرفتِ إن مالكِيش مكان بينّا، وإن مازن دا مكتوب على اسمي، وقلبه ملكي، ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخده مني أو يفرّق بينّا…
أنهت كارما حديثها وهي تنظر إلى غريمتها بقوة أنثى قادرة على إشعال النيران في كل من يقترب من رجلها، فبادلتها سيدرا النظرات مصعوقة من فعلتها؛

فهي ما إن حــ,,ـادثتها لتخبرها بضرورة الحديث بينهن، حتى كانت تؤلّف آلاف السينــ,,ـاريوهات الكاذبة في رأسها لتمنع أي علاقة تربطها بمازن، الذي كان واقفًا مدهوشًا يراقب ما يحدث دون القدرة على التفوّه بحرف…
فهل هذه النمرة التي تلتمع في عينيها تلك النظرات القاتلة، هي نفسها من قامت بطرده من حياتها واتهمته بالخيانة منذ بضع ساعات؟ والآن تأتي لتدافع عنه وتتحدّى من أجله غريمتها؟
لا يُنكر أن فعلتها قد أرضت غروره كرجل، وعزّزت كبرياءه كعاشق، فراقص قلبه فرحًا من شراستها في الدفاع عنه وتمسّكها به، ومنحها قلبيهما فرصة ذهبية للسعادة معًا…
فهل هناك أشهى من قلبٍ يُحارب العالم لأجلك؟

يُقيم الحروب ويشعل النيران ليحظى بك…
ياااه… هو قدر يبلّفك بالسرعة دي؟
كان هذا صوت سيدرا، التي أخيرًا استطاعت السيطرة على انفعالاتها التي أثارتها فعلة تلك المرأة، التي كانت تظن أنها استطاعت أن تُزيحها من طريق سعادتها المزعومة مع قلبٍ لم يعرف هواها يومًا.
للأسف يا سيدرا، أنا حتى ما سألتوش عنك ولا عن حاجة تخصك، لأن موضوعك مش بالأهمية دي إننا نحكي عنه.

قالتها كارما بنبرة واثقة من ذلك القلب الذي يدقّ بعنــ,,ـف، وتجسّدت دقاته الجنونية في كفّها الممسكة بقــ,,ـبضته، التي ضغطت على يدها ضغطة رقيقة، وكأنها تخبرها بما لا يستطيع الكلام التعبير عنه…
دا إنتِ مش مهمّك بقي كل اللي قولتهولك؟!
تحدثت سيدرا بانفعال.
فعلًا، اللي إنتِ قولتيهولي كله مش مهم أصلًا… المهم هو ماسك إيد مين.
قالتها كارما وهي ترفع يده الممسكة بيدها، وكأنها أثمن شيء يمتلكه في هذه الحياة…
واصلت كارما جلد تلك الدخيلة بسوط حديثها قائلة:
عمره مسك إيدك كدا؟

لم تتلقَّ ردًا من تلك التي كانت تأكلها الغيرة من طريقة إمساكه بها، وهي التي لم تحظَ يومًا بلمحة عشــ,,ـق واحدة من عينيه.
طبعًا مش هتردي، عشان إنتِ عارفة إن دا ما حصلش ولا عمره هيحصل؛ لأن الفراغ اللي في إيده دا ما يملهوش غيري، وحتى وأنا مش موجودة، كنتُ في قلبه…
حبيبته اللي عمره ما عرف الحب غير معاها. أمّا إنتِ، فكنتي مجرد واجب بيأديه مُجبَر…
صاحت سيدرا بانفعال:
كدب! الكلام دا كدب! دا كلام بتضحكي بيه على نفسك عشان تبرّري وجودي في حياته، اللي هو مقدرش ينكره.
قالت كارما بقوة:

إنتِ اللي مُصرّة تعملي لنفسك وجود في حياته بالعافية، وحقيقي أنا مشفقة عليكِ بسبب وهمك دا.
تمام، اهو موجود، اهوه… نسأله مين فينا الوهم ومين الحقيقة؟
ابتسمت كارما بسخــ,,ـرية ممزوجة بدهشة من وقاحة تلك المرأة وقالت بغرور:
هو إنتِ فاكرة إن لو عندي شك واحد في المليون إنك ليكِ وجود في حياته، كان زماني واقفة هنا دلوقتي؟ لأ… أنا أكبر من إني أتحطّ في مقارنة مع حد، وأغلى من إني يكون ليا منافس.
مازن… قولها أنا في حياتك إيه؟
كان هذا صوت سيدرا الباكي الذي يتخلله التوسّل.

فرَقَّ قلبه لحالها للحظة، قبل أن يجبره على الالتفات لتلك المرأة التي يأسره عشــ,,ـقها ويقيّده بأصفاد حديدية تجعله غير قادر على مجرد التفكير بغيرها…
ظلّ ينظر إلى محبوبته التي تمتلك ذلك الجمال النادر الممزوج بالتحدي، المنبعث من عينيها المتلونة بألوان الجنّة، والتي تمتلك أقوى تعويذة على الإطلاق، أصــ,,ـابت قلبه في المنتصف وجعلته يهيم بها عشــ,,ـقًا.
خجلت كارما من نظراته التي تحمل من العشــ,,ـق ما يفوق الخيال، لكنها سرعان ما أزاحت ذلك الخجل جانبًا، مستخدمة كيد حواء الذي لم يستطع عاشق يومًا أن ينجو من براثنه.

وألقت عليه تلك النظرات العاشقة التي أصــ,,ـابت هدفها في الصميم، فشعر بالرجفة تعتري قلبه الذي يعشــ,,ـق كل إنش فيها، ويطالبه الآن باختطافها إلى أبعد مكان، حتى يستطيع أن يبثّها عشــ,,ـقه وجنونه…
فهل يمكن أن يطلب الإنسان أكثر من هذا؟
قلب يعشــ,,ـقه ويهيم به، كفّ يحتضنه ويحميه من وحشة هذا العالم، نظرات حانية تبثّ الأمان وتذيب بحرارتها ذلك البرود الذي كوّنته حياة قاسية لا ترحم أحدًا…
لم تستطع سيدرا أن ترى فارسها وبطلها ينظر إلى أخرى بتلك النظرات العاشقة، وهي التي كانت تتمنى لو أنه يلتفت إليها يومًا.

لم تستطع احتمال أن ينطق قلبه مجاهرًا بذلك العشــ,,ـق، الذي يتجلّى بوضوح في عينين لطالما هامت بهما…
هل يمكن أن يصبح مازن لغيرها، وهي التي تعشــ,,ـقه منذ المرة الأولى التي زارهم فيها مع أخيها الأكبر؟
فمنذ تلك الليلة وهي تبني الآمال والأحلام على أن يصبح لها وتصبح له.
فهل يمكن أن تنهدم جميع أحلامها وأمانيها كقصر من الرمال؟
عند هذا الحد لم تشعر بنفسها، سوى وهي تُغمض عينيها رافضة تقبّل حقيقة أنها… وهم.
فقط وهم.

لم يحتمل جسدها فرط الألم الذي عصف بها، فسقطت على الأرض فاقدة للوعي، وبداخلها أمنية واحدة… ألّا تعود إلى ذلك الواقع الذي سلبها أغلى أمانيها في الحياة…
أعتقد أن الحب وهمٌ كبير، لا يُثبت صدقه إلا عندما نجد الطرف الآخر يبادلنا الشعور ذاته. أمّا إن لم يكن كذلك، فهو حماقة تستهلك الروح، و تُنهك للمشاعر، وتبدد طاقة قلب يعج بالألم كونه لم يجد ما يحتضن كل هذه الشعور بداخله، فالحبّ من طرفٍ واحد ليس إلا نزيفًا صامتًا ووجعًا يُضاعف أنينه الغيابُ، فمرارة أن تشتاق لأحدهم فلا يعبأ، و أن يسهر قلبك الليلَ كلّه قلقًا، فيما ينام الآخر مطمئنًّا.

تلك أقسى صور الحبّ، فدائمًا ما يكون كل شيء من طرف واحد مؤلمًا للغاية
نورهان العشري
زهرة ومراد كانوا مخطوبين يا يوسف…!
وقعت تلك الجملة على مسامعه وقوع الصاعقة؛ فلأول مرة في حياته تهرب الكلمــ,,ـات من فمه، ولا يعرف ماذا عليه أن يقول أو يفعل سوى تلك التقطيبة البسيطة بين حاجبيه، التي تدل على أنه لم يستوعب جملتها، فتابعت محاولةً شرح ذلك الماضي الأليم لكليهما دون أن تنبش في ذكريات قد تضر أكثر مما تنفع.
زهرة أختي ومراد عمك كانوا مخطوبين قبل ما تقابل عمك أحمد. زهرة كانت بتشتغل في مطعم هي وسميرة مرات مراد.

وهو اتعرف عليها لما كان هنا في إسكندرية في شغل هو وعمك أحمد سوا. شافوها في المطعم، ومراد أعجب بيها، فبدأ يتردد عالمطعم كتير حوالي أسبوع عشان يشوفها ويتأكد من مشاعره ناحيتها، وخصوصًا إنه اتشدلها من أول مرة شافها فيها…
كان يُتابع كل ما يسمعه بصمتٍ تام ينافي ضوضاء عقله جراء حديثها.
سأل عليها ناس كتير، محدش كان يعرف عنها حاجة؛ عشان هي ماكنش ليها اختلاط بحد غير سميرة، بحكم إنها كانت جارتنا، واللي كانت طول الأسبوع اللي عمك مراد بيتردد فيه عالمطعم غايبة عشان والدتها كانت عيانة.

وفي اليوم اللي رجعت فيه، كان مراد قرر إنه يفاتح زهرة ويقولها إنه معجب بيها. لكن واحدة قريبتنا كان عندها مشكلة فاضطرت زهرة تغيب عن الشغل. ولما مراد سأل سميرة عليها، بعد ما قالوله إنها أقرب حد ليها هنا وجارتها، قالتله إنها مشيت وسابت إسكندرية كلها.
صمتت فاطمة تسترجع ذكريات أليمة، ثم قالت بنبرة يشوبها الأسى:
وفضل مراد أسبوع كمان يروح وييجي عالكافيه على أمل إنه يشوفها. وفي الوقت دا كانت أمي تعبانة شوية، فاضطرت تقعد معاها بضغط من سميرة اللي قالتلها إنها هتغطي غيابها وهتستأذن من المدير.

طبعًا ماكنتش عايزاها تقابل مراد، لما سمعت من الناس في المطعم إنه شكله معجب بيها وبيسأل عليها. وفي اليوم اللي أصرت فيه زهرة إنها تروح الشغل، للأسف أنا خبطتني عربية وروحت المستشفى. وسالم كلم زهرة أختي تيجي عشان تشوفني وتقعد مع علي، عشان كان عنده عملية كبيرة ومايقدرش يتأخر عليها.
ابتسمت بشجن قبل أن تُتابع:
ويشاء القدر إنه وقت ما زهرة خرجت تجري من باب العمال في الكافيه، يدخل عمك مراد الكافيه عشان يشوفها ويعترف لها بحبه، بعد ما اتأخر لأنه خبط بنت بالعربية وراح وداها المستشفى. وحد بلغه إن البنت اللي بيدوَّر عليها رجعت الكافيه تاني.

استفهام باندهاش:
قصدك إن…؟

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى