قاطعت استفهامه مؤكدة شكوكه:
هو يا يوسف اللي خبطني بالعربية ووداني المستشفى…
ولإن القدر دايمًا بيرتب كل حاجة، طلع مراد وسالم يعرفوا بعض واتقابلوا سوا عندي. ويقوم مراد من لهفته عشان يمشي ينسى ورق مهم عندي في الأوضة بعد ما زارني عشان يطمن عليّ، فيضطر يرجع يدور عليه عندي، وهناك يشوف زهرة معايا.
زهرة اللي كانت من أول ما شافته معجبة بيه، لكن بينها وبين نفسها بس؛ عشان كانت عارفة إنه عمره ما هيكون ليها بسبب فرق المستوى طبعًا، وخصوصًا إن عمك مراد كان وسيم جدًا وغني، وأي بنت تتمناه.
زفرت بتعب قبل أن تقول:
مش هطوّل عليك في تفاصيل كتير ملهاش لزوم… حبوا بعض قوي واتفقوا عالجواز، وإنه هيحاول يقنع والده. وفعلا جه وقرأ فاتحتها مع خالي، وسافر على ميعاد إنه يرجع يكتب الكتاب ويتجوزوا. وبعد حوالي شهر لقيت زهرة بتقولي إن مراد كلم سميرة على تليفون المطعم وطلب منها يشوف زهرة. خرجت تقابله ورجعت باتت عند سميرة. ما شُفتهاش غير تاني يوم وهي بتقولي إن هي ومراد سابوا بعض، عشان أبوه مش موافق عالجواز. وطبعًا كانت حالتها تصعب عالكافر…
كفكفت عبراتها الحزينة قبل أن تُتابع:
لحد ما في يوم جه عمك أحمد يخطبها، وكان بعد الموضوع دا بحوالي شهرين.
وهي وافقت واتجوزوا وسافروا بره من غير ما تقول لحد على أسبابها. كل اللي قالته إنها لقت الحب الحقيقي مع أحمد، اللي حارب الدنيا كلها عشان خاطرها. وقالت إن اللي بينها وبين مراد ماكنش حب أصلًا…
يوسف بصدمة:
طب وعمو مراد سكت؟
أجابته بتهكم مرير:
عمك مراد جه كتير بعدها وسأل عليها، وإحنا قلنا له زي ما هي وصّت، إنها اتجوزت وسافرت. وطبعًا ماقدرناش نقوله مين هو العريس. وبعد تسع شهور بعتتلنا إنها خلفت بنت زي القمر، وأحمد سماها كاميليا. وفي نفس التوقيت اكتشفت إن سميرة اتجوزت مراد وخلفت بنت.
تنهدت بتعب قبل أن تُضيف:
واستمرت الحياة، وزهرة بتبعتلنا صور كاميليا وجوابات تطمنا على حالها، لحد ما عرفنا إن والدك توفي، وإنها هترجع مع أحمد تعيش هنا. وروحت أنا وسالم قابلناهم في المطار. وسألتها إذا كان مراد يعرف إنها مرات أخوه، قالتلي إن أحمد مرتب كل حاجة، والباقي إنت عارفه…
كان يستمع إلى كلمــ,,ـاتها، وكل خلية في جسده تنتفض. يدري بأنها أخفت عنه الكثير، لكنه لا يعلم لماذا. وما أدهشه أكثر أن يعيش عمه مراد كل هذا العذاب وهو يرى حبيبته متزوجةً بأخيه! كيف تحمل تلك النيران؟
أصبح الآن يعلم لماذا كان دائمًا حزينًا مشتّتًا.
لم يكن يجلس معهم في القصر، بل كان يعيش في الملحق الخاص، يقضي أوقاته في الرسم، ولم يستطع أحد أن يرى أيًا من لوحاته. لكن عقله لم يستوعب فكرة الخيانة، فقال بهدوء يتنافى مع الصراع بداخله:
بس كل دا ما ينفيش عنهم تهمة الخيانة.
توقعت فاطمة ذلك السؤال من شخص مثل يوسف لا يفوته شيء، لكنها أجابت باتزان:
عارفة… بس زهرة عمرها ما هتخون أحمد، لأنها حبته فعلًا. كان حنين عليها لدرجة إنها مرة قالتلي: بحسه أبويا مش جوزي، ربنا عوضني بيه عن كل التعب اللي شُفته في حياتي.
زهرة عمرها ما هتفكر تخون أحمد أبدًا، خصوصًا وهي سايبة مراد، ومعندهاش استعداد حتى تسمع اسمه…
صدقني يا يوسف… أختي عمرها ما كانت، ولا هتكون، خائنة أبدًا.
يوسف بجمود:
مصدقك ومش عارف ليه… بس اللي عارفه ومتأكد منه إنك خبيتي عني حاجات كتير. مش هسألك عنها، بس عايز أعرف: ليه بتخبي؟ في إيه ما ينفعش أعرفه؟
فاطمة بحذر:
خبيت عشان في حاجات ما أملكش إني أتكلم فيها… ما تخصنيش، وما ينفعش تعرفها مني. أنا حكيتلك اللي ينفع أحكيه.
يوسف باستفهام:
طب وإنتِ وعمي سالم عرفتوا بعض إزاي؟ وليه الرفاعي بيه كان رافض جوازكوا؟
نفس أسباب جدك… إننا مش من وسطهم ومنليقش بيهم. بس سالم كان متمرد وماكنش قابل سيطرة أبوه، ودايمًا كان بيعمل عكس اللي هو عايزه لمجرد يعاند فيه.
يوسف باستفهام:
عشان كده اتجوزك عند فيه؟
فاطمة بابتسامة بسيطة:
لا… اتجوز اللي قبلي عند فيه.
صدمة ثانية تلقاها من تلك المرأة التي هرول إليها ليتلمس الأمان، ففاجأته بحقائق الماضي التي بعثرته، فقال دون وعي:
هو عمي سالم كان متجوز قبلك؟
آه، كان متجوز قبلي…
**************
ما أصعب أن يشيخ القلبُ والوجهُ لا يزال يحمل نضارة العشرين؛
أن تُثقل الروحُ أوجاعٌ تتخطّى بها حاجز السبعين من فرط الوهن. أيُّ حزنٍ ثقيلٍ هذا الذي يُجرِّد القلبَ من شبابه، ويزرع التجاعيدَ في الروح قبل الملامح؟!
نورهان العشري
كانت كاميليا تُنازع حتى تستطيع البقاء على قيد الحياة، إلى أن أفلتتها تلك اليد أخيرًا وخفّفت من الضغط على فمها لتسمع ذلك الصوت الذي عرفته على الفور:
إياكِ تُصوّتي أو أسمع لكِ نفس… فاهمة؟
أزال رائد يده عنها ببطء ما إن وجدها تهز رأسها علامة على الموافقة، فنظرت إليه بفزع: ماذا يفعل هنا؟ ولماذا يخيفها هكذا؟
بالرغم من معرفتها به، إلا أنها لم تحــ,,ـادثه سوى مرات قليلة، لأن يوسف لم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منها.
تحدّث رائد بعدما رأى تلك النظرات المستفهِمة تطلّ من عينيها:
طبعًا مستغربة أنا موجود هنا ليه؟ وفي ألف سؤال بيدور جواكِ. بس أنا عندي إجابة واحدة… هتطلبي الطلاق من يوسف وبعدها بشهر هنتجوز. طبعًا دا لأنه ملمسكيش ولسه ما بقيتيش مراته.
قالها بعد أن رمقها بنظرة ذات مغزى، ثم تابع حديثه الذي وقع على مسامعها وقوع الصاعقة، ففغرت فاهها من شدّة الدهشة:
وهتقوليله إنك ما بقيتيش تحبيه، وإنك حسيتي إني الشخص المناسب ليكِ، ووقعتِ في غرامي وكنتِ مكسوفة تحكيله.
أ… أن… أنت بتـ… بتقول إيه؟
خرجت الكلمــ,,ـات من فمها متقطّعة، فقد شعرت بثقل لسانها من فرط الذهول.
بقول اللي سمعتيه ولازم تنفذيه، وإلّا…
وإلّا إيه؟
تحدّثت كاميليا بذعر بعدما شعرت بنبرة التهديد في صوته.
هقول له على أسباب هروبك الحقيقية!
انعقد لسانها مرة أخرى من توالي الصدمــ,,ـات. هل ذلك الوغد يعرف سرّها الدفين؟! كيف يمكن أن يكون على علاقة بتلك الحرباء سميرة؟
ما تستغربيش كده… أيوه عارف هربتي ليه، وإيه هو سرك الكبير.
وعارف إن يوسف كده كده هيرفض يرتبط بيكِ… دلوقتي ولا بعدين. غير إنه مش هيقبل على نفسه تفضّلي على ذمّته بعد ما هربتي منه.
وانت ليه قابل على نفسك تكون معايا وعايز تتجوزني بالرغم من كلامك ده؟
عشان أكسره بيكِ… أغلى حاجة تمناها في حياته ترفضه وتكسر قلبه وتقبل تكوني لغيره.
صدمها حديثه، وأنكره قلبها، لتصيح باحتقار:
قد كده إنت زبالة وعايز تدمّر صاحبك؟
احترمي نفسك يا بنت! واحمدي ربنا إنك هتلاقي راجل يستر عليكِ بعد ما حبيب القلب يرميك في الشارع ويدوسك برجله…
تحدّث رائد بغضــ,,ـب، وتطاير الشرر من عينيه.
كلمــ,,ـاتها اخترقت قلبه كالسهم، ذكّرته بمدى قرابة يوسف إليه، لكنه أبى أن يتراجع عمّا انتواه.
ابتسمت كاميليا باستفزاز ونظرت إليه باحتقار قائلة:
راجل؟! مين ضحك عليك وقالك كده؟ إنت عايزلك خمسة ستة كمان من عينتك يتحطّوا فوق بعض عشان يكمّلوا في عيني راجل!
وما إن تفوّهت بكلمــ,,ـاتها حتى رأت الجنون في عينيه، وأخذ يقترب منها بخطوات بطيئة وهو يهز رأسه كمن مسّه الجنون. وعندما اقترب منها، أطبق يده على عنقها وقال بجانب أذنها:
اللي مش عاجبك ومش مالي عينك… هو نفسه اللي أنقذك، وبعتلك حبيب القلب يلحقك قبل ما يغدروا بيكِ ويصوّروكِ، وبعد كده يرمُوكِ ليه عشان يدفــ,,ـنك ويغسل عارك.
ما إن أنهى حديثه حتى ترك عنقها بغتة، فأخذت تسعل بقوة. لكنها صُدمت عندما رأته يعطيها كوب ماء، فارتشفت بضع قطرات منه وهي ما زالت على حالها: عينان متسعتان وملامح جامدة من فرط الدهشة.
إنت بتقول إيه؟
اللي سمعتيه… أنا اللي أنقذتك من أسوأ مصير ممكن واحدة تتعرّض له في حياتها.
عودة لوقت سابق
كان رائد قادمًا من القاهرة إلى ألمانيا في زيارة سرّية لترتيب أوراقه، حتى يستطيع الأخذ بثأره من آل حسيني، ووضع خطة محكمة من دون أن يلوث يديه. وفي طريقه إلى غرفة أحد الأشخاص، سمع ذلك الحديث الذي جعله يتصنّم في مكانه:
هتاخدها وتطلع على الشاليه بتاعنا في (…..) وهناك بقى تاخد مزاجك منها براحتك. بس ما تنساش تصوّر لنا كام فيديو على كام صورة حلوين… عايزين نذل ابن الحسيني بيهم ونكسر عينه قبل ما نقضي عليه. وما تقلقش، أنا مجهّز كل حاجة. وما دام الحلوة ما رضيتش تيجي بمزاجها… نجيبها غصب عنها. وفي النهاية النتيجة واحدة.
قدامك يدوب ساعتين تجهّز نفسك يا عريس. وخد من ابن الحسيني اللي ما عرفش بغبائه ياخده طول السنين اللي فاتت.
نطق ذلك المجهول جملته الأخيرة بشمــ,,ـاتة وكراهية جعلت قلب رائد يرتجف بعنــ,,ـف من هول ما سمع. فما ذنبها تلك البريئة أن تلقى المصير نفسه الذي تلقّته والدته؟! هل جنّ هذا الرجل؟
تراجع ببطء ودخل إلى غرفته في ذلك القصر البارد الذي لم يحبه قط. دخل حمامه الخاص وفتح المياه، ليظن من يقترب أنه يتحمّم بالداخل، فقد رآه الجميع يدخل الغرفة، وسيبلغون سيّدهم بقدومه.
أراد أن يمنع الكارثة من الحدوث، فهو انتوى أن ينتقم ويأخذ بثأر والديه، لا أن يرتكب جريمة بشعة أخرى.
ظلّ يفكر ويفكر حتى توصّل إلى الحل الذي كان داخله يرفضه كثيرًا… لكن لم يكن هناك مفر.
خرج من الحمام يلف جسده السفلي بمنشفة، وبأخرى مسح شعره، فرأى ذلك الرجل يجلس في غرفته على الأريكة يدخّن سيجاره الفاخر وهو يقول:
يعني ما جتش تسلّم عليّ أول ما جيت من السفر؟
رائد بجفاء:
توقعت إنك نايم وما حبيتش أقلقك.
أممم… حمد لله عالسلامة. بس إيه الزيارة المفاجئة دي؟
عادي، قلت أستغل غياب يوسف وآجي أشوفك عملت إيه مع الشركة الألمانية.
ما تقلقش، كله تمام. همتك إنت بس معانا… نقضي عليه جوّا البلد وبرا البلد. دي لعبتي أنا.
قريب قوي هتكون نهايته. أنا مجهّز كل حاجة، والدور والباقي عليك.
اللي بعد كده سيبهولي أنا… وأنا هتكتّك له على رواقه.
أجابه رائد بملل:
خلاص، اعتبر كل حاجة تمت، وابتدي إنت بقى تكتّك براحتك عشان نضــ,,ـرب ضــ,,ـربتنا القاضية.
طول عمري بقول عليك راجل من ضهر راجل.
قالها وهو يربت على كتفه، ثم توجه إلى باب الغرفة. وما إن همّ بفتحه حتى سمع صوت طلقة.
توقّف لمدّة نصف دقيقة غير قادر على الالتفات، ثم تمالك نفسه وأدار رأسه ليرى الهدف. فاندهش عندما رأى رائد يتوسّط سريره عاريًا تمامًا، ويقول باستفزاز:
معلش بقى يا راغب بيه… أصل الكاميرا اللي إنت زارِعها في أوضتي دي ما ينفعش تبقى موجودة النهاردة. أصلي مش هبات لوحدي.
أتبع كلامه بغمزة وقحة، ثم تابع:
وأنا ما يرضنيش تشوف حاجات ممكن تجرحك أو تزعّلك.
غلى الدم في عروقه وهو يستمع إلى كلمــ,,ـاته الوقحة وتذكيره بمعاناته، فخرج صافقًا الباب خلفه متمتمًا:
قليل الأدب زي اللي خلّفك.
بعد أن تأكد رائد من ابتعاده، وتشغيله لتلك الكاميرا التي يستفزه وجودها، لجأ للحيلة. شغّل شريحة مجهولة دائمًا ما يحتفظ بها، وفعل برنامج تغيير الأصوات، واتصل بيوسف. وما إن رأى يوسف رقمًا خاصًا يتصل به حتى أجاب فورًا:
ألو.
يوسف الحسيني؟
أيوة، مين بيتكلم؟
مش مهم أنا مين… المهم إن مراتك كمان ساعتين بالظبط هتتحرك من بيت خالتها وتروح على شغلها. ومن هناك هتركب مع رئيسها اللي ضاحك عليها وفــ,,ـاهمها إنهم مسافرين في شغل… وهو ناوي يخطفها وياخد منها اللي هو عايزه، وبعدها يرميها.
مين معايا؟ وإيه الكلام الفارغ ده؟
لم يكد يوسف ينهي جملته حتى أغلق رائد الخط… بل الهاتف كله. وظل يتابع مع رجاله ليتأكد إن كان يوسف قد وصل إليها أم لا. ولم يدرِ لماذا اعترته راحة حين علم أنه وصل بالفعل.
وفي الوقت نفسه، كان قد أمر رجاله بمهاجمة سيارة أحمد حتى انقلبت في البحر… وللآن لم يجدوا جــ,,ـثته.
عودة للوقت الحالي
كانت كاميليا تستمع إلى حديثه بذهولٍ ورعبٍ من ذلك المصير الذي كانت ستلقاه على يد ذلك الحقير الذي لم تشكّ به قط، وما أرعبها أكثر هو ذاك الذي كان يتابع ما يعتمل بداخلها ويظهر بوضوح على ملامح وجهها وكأنه يتسلّى.
فحاولت لملمة شتات نفسها وقالت بصوت حاولت أن يبدو متزنًا قدر الإمكان:
ولِمَ أنتَ تكرهه إلى هذا الحد وتريد الانتقام منه… أنقذتني منهم؟ ومن هؤلاء الناس أصلًا؟
زفر رائد بضيق وتحرك ليجلس على الأريكة خلفه وهو يقول بحزن:
الناس دي شياطين… ومحدّش هيقدر يحميكِ منهم غيري.
اندفعت لتقول بحدة:
يوسف يقدر يحميني منهم ومن أي حد في الدنيا!
يوسف عايز اللي يحميه منهم!
دبّ الذعر إلى داخلها عندما استمعت إلى كلمــ,,ـاته فقالت بارتباك:
تـ… تقصد إيه؟
أقصد إن لا يوسف ولا غيره هيقدروا يقفوا قدام الناس دي، ولو كنتِ عايزة تحميه من المــ,,ـوت بأبشع الطرق… توافقي على العرض بتاعي.
شعرت بنيران تمزق قلبها خوفًا عليه، وخاصةً عندما رأت تلك النظرة التي توحي بصدق حديث ذلك الوغد. فأخذت دموعها بالهطول رغمًا عنها؛ فها هي مرة أخرى توضع بين شقّي الرحى، ودائمًا ما تكون أمام خيارين أسهلُهما انتزاع قلبها من مكانه…
أخرجها من معاناتها ذلك الطرق الخفيف على الباب الذي جعل رائد ينتفض من مكانه مذعورًا من أن يكون الطارق هو يوسف، فإن رآه معها فهو هالك لا محالة.