لم تخفَ على كاميليا تلك النظرة الفزعة التي رأتها في عينيه؛ فهل هو خائف لهذا الحد من أن يكون يوسف بالخارج؟ إذن فكيف يمكنه أن يحميه ويحميها كما يقول؟
فزعت عندما فُتح باب الغرفة، ووجدت عليًّا ينظر بغموض إلى رائد، ثم نقل بصره إليها بنظرات مستفهِمة. فقاطع تلك النظرات حديثُ رائد الذي قال بهدوءٍ عكس الفزع البادي على ملامحه:
ألف سلامة عليكِ مرة تانية يا كاميليا هانم… أنا قولت أجي أطّمن عليكِ زي ما يوسف وصّاني.
لم تتلقَّ منه سوى إيماءة بسيطة برأسها، فقد كانت نظرات عليّ تربكها.
سؤال واحد هسألهولِك يا كاميليا… وتجاوبي عليه بصراحة.
تحدّث عليّ أخيرًا بعد خروج رائد، الذي لم يرتح لوجوده قط. وأيضًا مظهرها الباكي وارتباكها من دخوله هكذا جعله يشكّ أن هناك خطبًا ما.
فتابع عندما لم يتلقَّ منها أي رد:
الزفت اللي كان هنا… له علاقة بهروبك من يوسف؟
إيه… إيه اللي إنت بتقوله ده يا علي؟!
تحدّثت كاميليا بتلعثم، وزاد ارتباكها من سؤاله الذي يخفي داخله آلاف الشكوك حولها.
اللي سمعتيه… وجاوبيني من غير لفّ ودوران.
هطلت دموعها كالأنهار على خديها… فهل كانت تحتاج حملًا آخر بجانب أحمالها التي ترهقها؟
أخفضت رأسها بحزنٍ وقهر وقالت بصدق:
أنا بحب يوسف… وعمري ما حبيت ولا هحب حد غيره. وهروبي ما لوش علاقة بأي راجل، سواء رائد أو غيره.
شعر عليّ بالحزن على حالها، لكنه سرعان ما أخفى ذلك الشعور ورسم الجدية والصرامة على ملامحه وهو يقول بجمود:
إيه اللي جابه عندك في وقت زي ده؟ وخصوصًا بعد ما جدك طرده… إيه رجّعه تاني؟
كان جاي يطّمن عليّا زي ما يوسف وصّاه.
قالتها كاميليا بخفوت وهي منكسة رأسها خوفًا من أن يكتشف الكذب من عينيها.
كاميليا، أنا مش عيل صغير قدامك عشان تضحكي عليّا بالكلمتين دول!
ويوسف اللي بيغير عليكِ من الهوا الطاير… يخلي صاحبه يجي يطّمن عليكِ؟ لا، وقاعد معاكِ في أوضة لوحدكوا… ومقفول عليكوا باب واحد! تخيّلي كده لو يوسف هو اللي جه مكاني… كان عمل إيه لو شافه قاعد معاكِ كده؟
ارتعبت من مجرد التفكير في ما قد يحدث لو كان القادم يوسف بدلًا من عليّ. بالتأكيد كان سيهدم المشفى فوق رأسيهما؛ فهو قبل ذلك لم يكن يسمح لها حتى بإلقاء التحية عليه… ماذا لو رآه يجلس معها في مكان واحد مغلق؟
قفز سؤال إلى ذهنها: ماذا قد يفعل يوسف عندما يعرف بما قاله رائد لها؟
بل ماذا سيفعل إن وافقت رائد على عرضه وأخبرته بأنها لا تحبه، وأن قلبها اختطفه صديقه، وأن ذلك سبب هروبها؟
خفقة قوية شعرت بها تدق قلبها بعنــ,,ـف، وزاد من ألمها حديث عليّ الذي كان يراقب انفعالاتها وتقلبات ملامحها من الذعر للضيق والألم:
على فكرة… يوسف هو اللي بعت أدهم عشان يمنع جده ومرات عمه إنهم يضايقوكِ. حتى وهو مش هنا بيحميكِ… حتى وإنتِ جارحاه واقف في ضهرك. لسه برضه مش ناوية تقولي هربتي ليه؟
أضاف عليّ بعدما طال صمتها وظهرت الحيرة والضياع في عينيها:
يا كاميليا، أنا جنبك… قوليلي إيه اللي حصل وخلاكي تهربي كده؟
ما تضيعيش حبك إنتِ ويوسف… عمرك ما هتلاقي حد يحبك قده. طب عاجبك نظرات الاتهام اللي في عيونهم ليكِ دي؟
كفاية بقى! كلكوا بتضغطوا عليّا… ومحدّش حاسس بيا ولا بالنــ,,ـار اللي جوايا!
تحدّثت كاميليا بانهيار، فقد كانت تائهة، ضائعة. جميعهم يطالبونها بالحديث دون أن يشعر أحد بمدى صعوبة ما تمرّ به وما تخفيه.
تراجع عليّ عن مواصلة الحديث حين شاهد انهيارها:
خلاص يا كاميليا… اهدي. نامي دلوقتي وارتاحي… وبعدها نبقى نتكلم.
أنا تعبانة أوي يا علي… ومخنوقة.
تحدّثت كاميليا من بين انهيارها، فتابع عليّ مهدّئًا:
اهدي يا كاميليا… أنا جنبك، ما تقلقيش.
ضغط عليّ على الزر بجانب سريرها، فأتت الممرضة لتعطيها حقنة مهدئة، علّها تجد في النوم ما يريحها…
قد ينهزم الطيبون مؤقتًا، لكن ستر الله يُنجيهم في النهاية، لأن قلوبهم نقية.
***********
فقدان شخص عزيز موجع، أما الخوف من فقدانه مــ,,ـوت بطيء للقلب
نورهان العشري
مازن، إنت من وقت ما جينا من المستشفى وإنت ما فتحتش بقك بكلمة. أقدر أعرف مالك؟
تحدثت كارما بعد أن أوقف مازن السيارة أمام بنايتهم.
فبعد سقوط سيدرا بهذا الشكل أمامهم، قام مازن بحملها والتوجه بهم إلى المشفى، ليخبرهم الطبيب بإصــ,,ـابتها بانهيار عصبي…
شعرت كارما بالشفقة عليها وعلى هذا الموقف الذي وضعها غباؤها فيه، ولكن سرعان ما تبدلت مشاعر الشفقة إلى غيرة جامحة ما إن رأت مازن يحملها، وزاد الطين بلة عندما رأت تلك النظرات المتلهفة في عينيه، والتي جعلت قلبها ينفطر ألمًا لكونه ينظر بتلك النظرات إلى أخرى.
المفروض أقول إيه يا كارما؟
قالها مازن بتنهيدة، فهو يشعر بالحزن تجاه تلك الفتاة التي كانت بمثابة طفلته الصغيرة.
فقد وجد فيها عوضًا عن كونه لا يملك أختًا، وكان يحلم باليوم الذي يسلمها فيه لزوجها بيده. لينقلب كل هذا فجأة بعد مــ,,ـوت صديقه، ويتبدل حاله ـ كالعادة ـ للأسوأ.
ندمان يا مازن ولا صعبانة عليك؟
تحدثت كارما بصوت مهتز من فرط الوجع، فأجابها بجمود يخفي صراعات هائلة:
اطلعي دلوقتي يا كارما، ونتكلم بعدين…
فهو لا يملك القدرة على الحديث في ذلك الوقت، ولا يملك ما قد يقوله ليريحها، فكيف وذلك الشعور بالذنب يقرضه من الداخل، وصورة صديقه لا تبارح مخيلته منذ أن رأى سيدرا ملقاة على الأرض؟
جعلت كلمــ,,ـاته رأسها يدور من شدة الغضــ,,ـب.
هل لهذه الدرجة يشعر بالألم لأجلها؟ هل يمكن أن تكون تلك الفتاة تحتل مكانة في قلبه؟ عند هذه الفكرة أعمتها الغيرة، فقالت دون وعي:
لا، إحنا ما عادش في بينّا كلام! وروحلها بقى بدل صعبانة عليك كده، واعتبر إنك ما قابلتنيش أصلًا!
قالت الأخيرة بصراخ، وهمّت بفتح باب السيارة، لكنها صُعقت من تلك المفاجأة…
يتبع……
وجه الثامن عشر للعشــ,,ـق
حبيبتي، لو تعلمين كم أتمنى أن أختبئ معكِ في قلبي، وأُغلق جميع النوافذ والأبواب حتى لا يتسلَّل إلينا شيءٌ من وحشة هذا العالم الخارجي؛
لأرتوي من ذلك العشــ,,ـق الذي جفت لأجله مياهُ عينيَّ، وأُرمِّم به تلك الحفر والندوب التي خلَّفها انتظاري لكِ.
إن هذا القليلَ الذي أراه منكِ كثيرٌ إلى حدّ يجعلني أحيا حاملاً في صـ,,ـدري شيئًا رائعًا يُسمى الأمل؛ الأمل الذي كان يفرُّ هاربًا من كل طريق أسلكه، واليوم أصبح رفيقي في انتظارك.
أعلم أن عشــ,,ـقي مخيف، وقلبكِ الرهيف يخشى جموحه، ولَكنّي رجلٌ كانت حياته ساحةَ حربٍ صامتة، وبكِ انتصر. فلا تلومي صبري على غيظه، ولا تستهيني بسلطان الهوى الذي على رجلٍ مثلي تجبر و اقتدر.
نورهان العشري
شهقةٌ قوية خرجت من جوفه، فجعلت تلك الغاضبة التي لبسها شيطانُ الغيرة، وتملكتها عاصفةٌ هوجاء أطاحت بكامل ثباته، وتخبطت لأجلها سَحَبه، فهطلت أمطارُ عينيه تحكي مدى معاناته، فتسمّرت في مكانها من فرط الصدمة، والتي زادت أضعافًا عندما سمعت نبرة صوته التي احتلها الألم، وهو يقول بصوتٍ مختنق بسبب البكاء:
امشي… امشي يا كارما ومتبصيش وراكِ حتى.
ده أحسنلك، إنتِ متنفعِيش تكوني في حياتي. أنا واحد وحش، بأذي كل اللي حواليَّ وبتسبب في نهايتهم. إنتِ عندِك حق، مبقاش ينفع يكون في كلام بينا.
وكأن كلمــ,,ـاته جمراتٌ مشتعلة تدحرجت من فمه فوق قلبها لتكويه بنــ,,ـار الندم، فعضَّت على شفتيها بكل ما تحمل من حزنٍ لكلمــ,,ـاته التي مزقتها، والتفتت، لتضــ,,ـرب قلبها صاعقةٌ أظهرت ملامحه المبعثرة، وارتجافة شفتيه، وجمود عينيه اللتين أخيرًا أطلقتا سراح دموعٍ حبيسة ظلّت تحاربه لسنوات…
مازن! إنت… إنت بتقول ليه كدا؟
لم تستطع أن تُخرج من جوفها سوى تلك الكلمــ,,ـات الخاوية، فهي لم تُفق بعدُ من صدمة انهياره.
وأخيرًا، قرر خلع ثوب الكبرياء جانبًا، وإخراج ذلك البركان الثائر في أعماقه، والذي كان يتعمد دفــ,,ـنه لسنوات، ونبش تلك الجروح التي كان يتجاهل آلامها حتى بلغ ذروته وضاق قلبه ذرعًا بتحمُّلها…
كل الناس الغاليين عليَّ في حياتي أنا اتسببت في نهايتهم. أبوي وأمي اللي مــ,,ـاتوا غضــ,,ـبانين عليا، واللي كانوا بيتوسلوا إني مسبهمش.
صمت لثوانٍ وهو يُريح رأسه على المقعد خلفه قبل أن يقول بقهر:
أمي كان في عينيها توسل كبير إني ممشيش وأسيبها، كأنها كانت حاسّة وبتقولي: خليك جنبنا، محتاجينك. وأبويا اللي كان بيترجاني بطريقته، وهددني: لو خرجت من البيت دا، متدخلش من بابه تاني.
بس أنا عاندت واتحديتهم ومشيت وسبتهم.
صمت يحاول التحكم في شهقة ألمٍ قوية تُهدد بالانفلات:
ورجعت على أسوأ خبر سمعته في حياتي. مش قادر أنسى منظرهم، ولا البرودة اللي اتسربت لقلبي وأنا ماسك إيد أمي اللي كانت أشبه بالثلج وهي ميتة، كأنها بتقولي: الدفا اللي هربت منه، مش هتشوفه تاني طول حياتك. وفعلاً، مشفتوش…
أخذ يهز رأسه يمينًا ويسارًا قبل أن يُضيف بتحسُّر:
ولا أحمد، صاحبي اللي كان أقرب حد ليا، اللي كنت بدخل بيتهم عشان أحس بطعم الحنان والدفا.
لما كنت ببص في عيني أمه وهي فخورة بيه، وكأنها بتحضـ,,ـنه بعينيها، كنت بتوجع أوي، بس كنت بحب أشوف نظرتها ليه، اللي كانت بتفكرني بالدفا اللي اتحرمت منه. وبرضه اتسببت في مــ,,ـوته…
اسودّت عيناه وهو يُضيف بقهر:
أنا سرحت لحظة واحدة بس، وفجأة الدنيا اتقلبت من حواليّا. ومحسّتش غير وهو في حضـ,,ـني، ودمه سايح، بيوصيني على أخته وأمه. محمود مــ,,ـات عشان فداني بروحه، وخد الطلقة مكاني. مــ,,ـات وهو بيقولي: افرح وعيش يا صاحبي، وكفاية تعذّب نفسك.
أخفض رأسه بقهر:
ونفس الإحساس اتكرر تاني… نفس العذاب من تاني…
وحبل الذنب اللي كان ملفوف حوالين رقبتي ضاق بزيادة، لحد ما في يوم أمه قالتلي: “يا ابني، إنت مكان محمود الله يرحمه، وإحنا اتنين ستات لوحدنا، وسيدرا كبرت، والناس ابتدت تتكلم عليها…”
كفكف عباراته قبل أن يُضيف بحشرجة قوية:
حسيت من عينيها ومن نبرة صوتها برجاء وجع قلبي. وفي لحظة ومن غير ما أفكر، لقيتني بطلب إيد سيدرا للجواز. وبعد كدا عرفت منها إن دا اقتراح سيدرا…
ألقى بسهام حديثه ثم التفت لها بعينين تقطران قهرًا ووجعًا، وأضاف من أعماق ذلك الجرح الغائر بداخله:
أيوه، طلبتها للجواز.
وكنت ناوي أتجوزها وأكمل حياتي معاها، حتى لو هعيش تعيس، مش مهم. المهم إني أنفّذ وصية محمود، وأحافظ على أخته وأمه. حتى لو هعيش أتمناكِ طول عمري، عارف إنك زي الفاكهة المحرمة عليا، مش هقدر أوصلك حتى لو بمــ,,ـوتي…
وأضاف عندما لمح وميض عينيها الذي لمع للحظة حين ذكر عشــ,,ـقه لها، حتى وهي بعيدة:
أنا عمري ما نسيتك ولا لحظة، بس مكنتش قادر أهوّب ناحية بيتنا تاني. مكنتش قادر أقرب من هناك أبدًا. كنت أجبن من إني أواجه ذنبي. أنا حكيت لمحمود عنك، وكنا متفقين إننا بعد المهمة دي هنروح إسكندرية عشان أشوفك وأقولك: أنا عمري ما نسيتك.
صمت يسترجع مرارة ما مرّ به، وأضاف بنبرة تتضور وجعًا:
بس كالعادة، الحياة بتديني القلم اللي تضمن بيه إنها تقضي على أي أمل جوايا، وخدت مني الإنسان الوحيد اللي كان هيقف معايا وأنا بواجه أسوأ كوابيسي…
كان يتحدث ودموعه لا تتوقف، كأنه يحمل حزن أهل الأرض جميعًا:
إنتِ عارفة سيدرا؟ دي كانت ملاك صغير، بشعر أصفر. كانت بالنسبالي عوض إني مكنش عندي أخت. كانت بتتشعبط في رقبتي أول ما أوصل، وتستنى مني حاجات حلوة وأنا جاي. وكانت تتخانق معايا لو مجبتش.
حبل الذكريات المريرة طوّق عنقه بقوة، فجاءت نبرته متحشرجة حين أضاف:
كنت بعمل لها ضفاير كأنها بنتي بالظبط… كانت شقية وجميلة وبريئة. شوفي دلوقتي بقيت عاملة إزاي؟ بقت واحدة محطمة، مطفية، مكسورة. وكل دا بسببي. أنا مقدرتش أحميها حتى من نفسي…
زادت شهقاته لدرجة لم يعد قادرًا على كتمانها، فكان أشبه بطفل صغير تُرك عند باب منزل مهجور في منتصف الليل، يبكي وحشته وغربته وهجرانه…