تحركت أناملها بخفة على ملامحه التي تعشــ,,ـقها وقالت بحب:
وأنا مش عايزاك ملاك، عشان أنا كمان مش ملاك. إحنا بشر بنغلط ودا حقنا. ولو تفتكر، أنا كمان جرحتك وزعلتك كتير. بس بحبك حُب يكفي العالم دا كله ويفيض. يبقى منستسلمش لليأس ونسيب الحياة تســ,,ـرق مننا كل حاجة حلوة. لازم نعاندها وننتصر عليها ونصبر على الوجع عشان ربنا يعوضنا خير. مش بيقولوا: بعد الصبر جبر؟ وأنا ربنا جبر قلبي بيك، وبعتني عشان أقف جنبك وأطيب كل الجروح اللي جواك دي.
كانت كلمــ,,ـاتها كالبلسم لجروحه، وتلك النظرات الحانية التي تشع حبًا لم يكن يتخيله قط.
فطفلته البريئة أصبحت امرأة جميلة تستطيع بحنانها أن تمتص جميع أوجاعه وآلامه…
اقترب منها أكثر، وقام بإسناد جبهته على خاصتها، وخرجت من جوفه تنهيدة أحــ,,ـرقت بحرارتها نعومة بشرتها، ليقول بصوت أجش:
خايف أوي… خايف تضيعي مني زيهم. خاايف…
قاطعته واضعة إبهامها أمام شفتيه، وقالت بنبرة قاطعة أذهلته وبددت خوفه في لحظات:
أوعى تخاف أبدًا. ربنا مخلقناش عشان يعذبنا يا مازن. وخوفك دا ضعف إيمان منك، وأنا مش عايزاك تكون كدا. إحنا هنحط إيدنا في إيد بعض ونكمل مشوار حياتنا سوا، ونرمي حمولنا على ربنا. مش كل حاجة هتحصلنا هنحمل نفسنا ذنبها.
في قدر مكتوب منقدرش نمنعه أو نقف قدامه. كل اللي نقدر نعمله إننا نقول “يا رب” وبس، ونحاول نصلح اللي الدنيا لخبطته.
تقطيبة بين عينيه ظهرت لتجعلها تقول بتوضيح:
يعني هننفذ وصية محمود، الله يرحمه. هنقف جنب بعض ونخلي سيدرا تتعالج وترجع لحياتها الطبيعية تاني. ونرجع البنت الجميلة البريئة اللي ضحكتها مالية وشها. وهتقف جنبها كإنك محمود، الله يرحمه. وهتثبتلها إن اللي هي فيه دا وهم في دماغها، بحكم إنك الراجل الوحيد اللي في حياتها. وأنا هكون جنبك وهساعدك.
لاحَت الاستفهامــ,,ـات في عينيه، فأجابته بصدق:
هبقى بالنسبالها الأخت اللي بعتها لها الحياة بعد السنين دي كلها، ومش همل ولا هزهق ولا أغير منها أبدًا، حتى لو قالتلي ألف مرة إنها بتحبك.
وإيه مخليكي متأكدة كدا إنها مش بتحبني؟
باغتها سؤاله الذي أربكها للحظات، لكنها أبت التراجع أو إظهار الخوف من احتمالية أن تكون تعشــ,,ـقه بالفعل، فقالت بعملية:
من خلال دراستي وقراءتي لعلم النفس، فهمت إن سيدرا متعلقة بيك تعلق مرضي. شايفة إنك عوض عن أخوها، الله يرحمه، اللي المــ,,ـوت أخده منها. فإنت بالنسبالها بديل له. بالإضافة لأنها اتعودت على وجودك الدايم في حياتها.
فكرة إنك تبعد عنها أو حد ياخدك منها، دي فكرة مستحيلة بالنسبة لها. عشان كدا اقترحت على مامتها موضوع الخطوبة. عشان تضمن إنك تفضل جنبهم ومعاهم، وموفرلهم عنصر الأمان اللي اختفى بمــ,,ـوت أخوها.
أوشك على مقاطعتها، فلم تُعطه الفرصة، إذ تابعت بثقة:
ولما خطبتها وأهملتها، جرحت كبرياءها كأنثى، فعملت اللي عملته دا عشان تخليك تغير. وبكدا ترجعلها ثقتها بنفسها اللي ضيعها إهمالك ليها.
بدأ بالاقتناع، لكنها لم تبتر بذور الشك من قلبه:
كل دي احتمالات. بس لو مكنتش بتحبني، مكنتش رجعت تاني.
عاندته في محاولة لإثبات وجهة نظرها:
وبردو لو كانت بتحبك، مكنتش هتقول عنك اللي قالته وتسيء لسمعتها بإيدها، عشان بس تبعدني عنك. وهي عارفة ومتأكدة إنك عمرك ما هتتجوزها بعد اللي هي عملته. ولو تفتكر وإحنا مع بعض في الكافيه، كانت بتتكلم إنها مهمة في حياتك وليها وجود فيها. ودا اللي هي عايزة تحافظ عليه: حيز وجودها في حياتك. وصدقني، دا كل اللي يهمها… إنها تفضل ليها مكان جواك.
بات حديثها يتغلغل إلى بواطن عقله، فيقنعه بمنطقية كلامها، خاصة وهو يتذكر كم كانت سيدرا منهارة بعد وفــ,,ـاة أخيها، ولم تجد من يحنو عليها سواه. فقد كانت دائمًا تحكي له أدق تفاصيلها وأسرارها.
لكن تبدّل كل هذا عندما أخبرته والدتها بأن تلك الخطبة لن تستمر طويلًا، وأنها ستنتهي عند إنهائها جامعتها، وأنهما سيسافران إلى الخارج. فتبدل حالها عندما علمت هذا الاتفاق الذي وضعته والدتها، حين شعرت بمدى ثقل تلك العلاقة على مازن. لكن واجبه كان يمنعه من الإفصاح عما يدور بداخله.
وأصبحت فتاة مختلفة عن التي عرفها، فبدأت محاولاتها للفت انتباهه لها بالعديد من الحيل والأساليب الغريبة التي كان يتجاهلها عمدًا، إلى أن انتهى بها الحال بتلك المحاولة الغبية التي كانت ستودي بمستقبلها إلى الهلاك، لولا العناية الإلهية التي أرسلت مازن في تلك اللحظة ليمنع حدوث الكارثة…
عند هذه النقطة آلمه قلبه كثيرًا وتذكر ما وضعت نفسها فيه بسببه، وقال بلا وعي:
إنتِ بتقولي كل الكلام دا بس عشان تجبريني أفضل معاكي وأتخلص من إحساسي بالذنب ناحيتها. إنتِ متعرفيش هي كانت هتعمل إيه في نفسها عشان تخليني أغير عليها؟!
صدمها حديثه وطريقته، وخاصة حين تابع:
دي صاحبت شلة زبالة نصحوها تمثل إنها تعرف واحد عليا عشان قال إيه أغير عليها! وفعلاً عرفوها على واحد بحجة إنه أخو صاحبتها، ومتفقين معاه إنها تغيظني بيه. والحيوان دا استغل سذاجتها وعبطها، وطلب منها إنه يقابلها عشان يتفقوا هيعملوا إيه.
صمت يحاول كظم غيظه قدر الإمكان، قبل أن يقول بحــ,,ـرقة:
وهناك كان عايز يعتدي عليها، لولا إن مامتها كانت شاكّة فيها، وسمعت جزء من مكالمتها معاه، وكلمتني. ولحقتها في آخر لحظة. وعشان كدا مامتها أجبرتها إنها تسافر. وتيجي دلوقتي تقوليلي دي مبتحبكش وموهومة بيك؟!
غضــ,,ـبت كارما من حديثه وغلى داخلها غيظًا من إصراره على التمسك بحقيقة أنها تعشــ,,ـقه، لكنها تمالكت نفسها قائلة بقوة وبنبرة حازمة:
أنا هتجاهل النص الأول من كلامك، عشان أنا وإنت عارفين إني عمري ما هجبرك تكون معايا أبدًا. ولو إنت مكنتش عايز تبقى معايا بنسبة مليون في المية، فأنا اللي مش عايزاك…
تابعت ما إن وجدت كلمــ,,ـاتها تصل إلى منتصف الهدف، وتجلى ذلك في نظرات عينيه التي أرسلت اعتذارات صامتة، وملامحه التي لانت قليلًا، وأيضًا تلك التنهيدة التي خرجت من منتصف قلبه الذي عنّفه بشدة على غباء كلمــ,,ـاته، وذكّره بصدق حديثها:
كلامك اللي إنت بتقوله دا كله بيبين إن كلامي صح. لما حست إن إنت مش هتكون في حياتها، بدأت تلجأ لأي حاجة تقربك منها. لو فكرت في كلامي بعقلك، وركنت قلبك على جنب، هتعرف إن عندي حق…
ألقت كلمــ,,ـاتها في وجهه، وهمّت بالخروج من سيارته. فلم تعد قادرة على البقاء معه دون أن تنخرط في نوبة بكاء عنيفة جراء ذلك الجرح الذي سببته كلمــ,,ـاته. لكن أوقفتها قــ,,ـبضته بلهفة؛ فقد أوشك قلبه على الانخلاع عندما رآها تغادره، وهذا الشيء لن يسمح به أبدًا.
فهو إن كان يحبها سابقًا، فبعد ذلك السلام الذي وجده بجانبها، فقد أصبح يعشــ,,ـقها ولن يقدر على فراقها قلبه مادام ينبض بالحياة.
رايحة فين وسايباني؟
تلك اللهفة في صوته هزت قلبها بعنــ,,ـف، ولكنها حاولت التماسك أمام سحر عشــ,,ـقه الذي يطوقها، والتفتت له قائلة:
ماشية عشان منكونش بجبرك تفضل معايا.
آلمه قلبه لحزنها الواضح في عينيها الجميلة، واقترب منها محاولًا أن يراضيها، لكنها فاجأته بوضع يدها حائلًا بينهما، وهي تقول بحزم:
على فكرة يا مازن، باباك ومامتك ممتوش غضــ,,ـبانين عليك ولا حاجة.
عشان بابا وماما راحوا عندهم بعد ما إنت مشيت، وبابا اتكلم مع أنكل توفيق وفهمه إن أسلوبه معاك غلط. وهو اعترف بدا، ونوى يصالحك أول ما ترجع. وطنط كمان كان دا رأيها، وكانت بتعيط وبتتوسلك عشان متخرجش من البيت وإنت زعلان منهم. ودا اللي قالته لماما…
تفشّت الصدمة على ملامح وجهه، وخاصةً حين تابعت:
_ ومحمود صاحبك كمان، انت ما أجبرتوش إنه ياخد الطلقة بدالك ويضحي بروحه عشان خاطرك، لو هو ماكانش شايف إنك تستحق دا ماكانش عمل كدا…
تبدّلت نظراتها إلى أخرى قاسية قبل أن تتابع:
_ أمّا بقى سيدرا، فاللي يخصها انت أكتر واحد أدري بيه وعارف إذا كانت غلطت ولا لأ؟ ولو عايز تعتبره ذنب بدل اللي اتشال من على كتافك فصدقني مش همنعك، واستمتع بالمعاناة بقى براحتك… عن إذنك.
عودة للوقت الحالي
أضاء قلب كارما من جديد عندما قرأت تلك الرسالة على هاتفها من ذلك الذي كان يقود السيارة بسلاسة ولا يدري شيئًا عن كل تلك المشاعر التي أثارتها كلمــ,,ـاته البسيطة في قلبها:
“وحشتي قلبي اللي طول الليل سهران يفكر فيكِ و خاصمني عشان خاطرك.”
أغلقت كارما هاتفها بأصــ,,ـابع مرتعشة ودقات قلب جنونية، فهي نوت عدم الرد عليه عقابًا له على حديثه الأخير معها، ففاجأها برسالة أخرى؛ فقد التقطت عيناه يديها المرتجفة وهي تمسك بهاتفها وقد عزمت على عدم الرد عليه كما توقّع:
“طب ما تجربي تطاوعي قلبك المسكيــ,,ـن دا اللي وصلني صوت دقاته من هنا.”
ارتبكت كثيرًا، هل لهذه الدرجة هي مكشوفة أمام عينيه؟ وهل فعلاً سمع دقات قلبها الجنونية؟! فبلّلت شفتيها من فرط الخجل، ففاجأها برسالة أخرى صدمتها:
“وحياة أمك لو عملتي الحركة دي تاني، لهوقف العربية في نص الطريق وأديكِ بوسة ترجع عقلك لراسك تاني.”
شهقت كارما من وقاحته والتفتت إليه غاضبة، لكنها أمسكت لسانها في آخر لحظة حتى لا تشتبك معه، فهي قد أقسمت ألا تحــ,,ـادثه طوال الطريق.
“انت قليل الأدب ووقح جدًا.”
أنهت كارما رسالتها وضغطت على زر الإرسال، ليفاجئها مازن بضحكة صاخبة وكأنه راق له حديثها كثيرًا.
“قليل الأدب دا بيعشــ,,ـقك.”
أرسل مازن رسالته ليتورّد وجهها خجلاً فتصبح كالبدر في سماه.
“مش هرد عليك.”
أرسلت رسالتها بعد أن عاندت قلبها ورفضت التسليم لعشــ,,ـقه الذي يأسرها، ليجيبها بحب:
“مش مستنيكِ تردي عشان عارف الإجابة… أنا بس نفسي أدوّقه.”
“هو إيه دا؟”
أرسلت رسالتها بعد ما احتارت في معنى كلمــ,,ـاته، ليفاجئها برسالته الوقحة:
“التوت اللي في شفايفك دا… همــ,,ـوت وأدوّقه.”
قامت كارما بلكمه في كتفه قائلة بغضــ,,ـب مصطنع:
“بطل قلّة…”
ليقاطعها بابتسامة ساحرة قائلاً:
“بحبك…”
غرقا للحظات في بحر من العشــ,,ـق، فهي لأوّل مرة تراه ينظر إليها بتلك النظرات؛ كانت عيناه خاليتين من كل شيء سوى عشــ,,ـقه لها.
لأوّل مرة تجد صورتها المنعكسة في عينيه بمثل هذا الصفاء، والذي يوحي بأنه قد تخلّص من ذلك الذنب الذي كان يشوب ملامحه ويُضفي على عينيه ذلك الانطفاء والحزن.
كان ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى، يرغب بالسعادة معها من كل قلبه… يشعر وكأنه وُلد من جديد معها؛ فإن كان سابقًا يحبها، فالآن بات يعشــ,,ـقها.
“بعد إذن الحب…
ياريت نبص عالطريق قدامنا، مش عايزة أمــ,,ـوت وأنا في عز شبابي!”
كان هذا صوت غرام الغاضب من خلفهما، لينتفضا فزعين ويدرك مازن أنهم كادوا يتسببون في حــ,,ـادث، وتوالت عليه اللعنات والسباب من السائقين حوله، لتضحك غرام بشدة على مظهره الغاضب من أولئك المجانين وتقول من بين ضحكاتها:
“وسع صـ,,ـدرك يا ميزو، لسه ياما هتتشتم وهتتمرمط بسبب الحب. ولا انت عايز تاخد الصاروخ الروسي كدا سوليطي موليطي ولا إيه يا كوكو؟”
“بس يا بيئة…”
تحدّثت كارما بعد أن حاولت السيطرة على خجلها، وأردف مازن متوعدًا:
“ماشي يا غرام الكلب… أما وريتك.”
غرام باستخفاف:
“ولا تقدر تعملي حاجة.”
تجاهل حديثها وقال مقترحًا:
“بقولك إيه يا ميمو، ما تنامي. الطريق لسه طويل قدامنا بتاع سبع ساعات على ما نوصل، وأكيد هتتعبي.”
“ليه إن شاء الله؟ راكبين سلحفاة؟! هنوصل في سبع ساعات! وبعدين مين دي اللي تنام عشان أصحى ألاقي نفسي بتحاسب في القبــ,,ـر ولا إيه؟”
قالت كارما بلهفة:
“بعد الشر عنك يا ميمو… ما تقوليش كدا.”
“أيوه ياختي ثبّتيني. مانا هنام من هنا، تقضّوها انتو نظرات وهمسات من هنا، وغرام الغلبانة تروح في الرجلين!
لا يا حبايبي، قاعدة على قلبكوا…”
انفلتت ضحكة ناعمة من ثغر كارما لتُشعل في جوفه نيران الشوق، فصاح في غرام متوسلاً:
“أبوس إيد أهلك… نامي نص ساعة بس. عايزها في موضوع مهم.”
تحدثت غرام التي كانت تعرف ما يريده ذلك الماكر، فصاحت بمكر:
“موضوع مهم! آه عليا أنا الكلام دا! ودا موضوع نظري ولا عملي؟ ولا تكون ناوي تجرّب التوت؟! انسى يا بابا… أنا قاعدة على قلبك. أساسًا أمي بعتاني معاكوا نادورجي. أي حاجة هكا ولا هكا تلاقوني على دماغكوا على طول، فاهمني طبعًا؟”
“وديني لهكون مربيها!”