وافق علي، فخرج الجميع تاركين العروسين بمفردهما. جلست غرام صامتة، تخفض رأسها، تتمنى لو تسعفها قدماها للهرب من الغرفة، بينما قاطع رامي شرودها بنبرة هادئة: «غرام…» «نعم.» أجابته باقتضاب. «هتفضلي ساكتة وباصّة في الأرض كده كتير؟» «عايزني أعمل إيه؟» ردّت بنفس اللهجة، متجنبةً النظر إليه. سألها بلطف:
«مش حابة تسأليني عن أي حاجة؟» «لا.» لم يثنه ردّها القصير عن مواصلة الحديث، محاولًا تفسير جمودها بالخجل:
«طب ينفع أنا أسألك؟» «اتفضل.» «إنتِ وافقتي عليّا ليه؟»
أصــ,,ـابها سؤاله في الصميم؛ فالإجابة بحد ذاتها كارثة. عجز عقلها عن إيجاد رد، فطال صمتها حتى نهض رامي، وهو يغلق زر سترته التي بدا فيها بأبهى صورة، وقال بهدوء: «مش هضغط عليكِ دلوقتي. هسيبك تفكري من هنا ليوم الخطوبة، وأتمنى أسمع الجواب من قلبك وتكوني مقتنعة بيه. عن إذنك.»
وغادر رامي، تاركًا خلفه قلبًا مهشّمًا وروحًا محترقة لا تدري أي هوّةٍ سحيقة أوقعت نفسها فيها. ها هي قد أصرت على قرارها، غير عابئة بتلك اللحظة أو بألم قلبها الذي كان يتوسل إليها أن تركض خلفه، لتوقفه وتعتذر له آلاف المرات عن غبائها… وعن إقحامه في دائرة انتقامٍ لعين لا ذنب له فيها. ★★★★★★★★
أتقنت كاميليا وضع زينتها البسيطة على وجهها لتبدو آيةً في الجمال والفتنة، بذلك الشعر الذهبي الذي جعدته قليلًا وتركته حرًّا على كتفيها ممتدًا لأسفل ظهرها، يتمايل حولها برشاقة وسحر يُجبر كل من يراه على الانبهار بمظهره. ارتدت قميصًا بسيطًا باللون الأخضر الفاتح (الفسدقي) بنصف أكمام يتوسطه حزام عند الخصر، مع بنطال من الجينز يلتصق بجسدها ليبرز رشاقته وجماله. نظرت إلى المرآة برضا، فقد أعلنت التحدي على هواها والتمرد على عشــ,,ـقها له، وليكن هذا عقابًا على امتناعه عن إخبارها بما دار بينه وبين تلك الأفعى، لتعلن الحرب الباردة بعد أن اطمأن قلبها قليلًا حين أخبرها بأنها الاستثناء الوحيد في حياته.
وبرغم أن كلمــ,,ـاته التفت حول جدران قلبها المهترئة من فرط الوجع لترممها كما لو أنها لم تُجرَح من قبل، فإنها أبت التسليم أمام سحر حضوره الذي يُذيبها عشــ,,ـقًا، وتلك النظرات الشغوفة التي كان يرمقها بها من حين لآخر عندما يجتمعان في مكان واحد. فقد كان يفتعل الانشغال بأعماله عنها طوال الأيام الماضية، أو هكذا ظنت، لتقرر هي في المقابل تجاهله ولكن على طريقتها.
خرجت من غرفتها، وما إن لمحته قادمًا من الأسفل حتى تظاهرت بالحديث في الهاتف بيد، وباليد الأخرى أخذت تعبث بإحدى خصلاتها في غنجٍ غير مُفتعل. مرّت بجانبه رافعةً إحدى حاجبيها كتحيةٍ عابرة، وما إن تجاوزته حتى حرّكت جانب شعرها ليتطاير خلفها إلى الحد الذي لامست أطرافه ملامح وجهه، لتصيبه بلعنة الاشتياق التي كان يعاني الأمرّين في إخمادها. اجتاح داخله حريــ,,ـقٌ هائل جراء مرورها بجانبه، وتغلغلت رائحة شعرها في رئتيه، لتغمره نشوة العشــ,,ـق تأثرًا بتلك الملامسة البسيطة.
تلك المرأة تمتلك من السحر ما يجعله أسيرًا لكل إنشٍ فيها، إلى درجة جعلته يتبعها إلى الأسفل دون وعي منه، فكل ما يريده الآن أن يروي ظمأ قلبه من شهدها، ويشعر بها بين طياته، فلا طاقة له على البعد أكثر من ذلك. وما إن همَّ بالنزول حتى وجد مازن يدخل من باب القصر، ليخرجه من حالة السكر اللذيذة التي أدخلته إليها ساحرته الصغيرة، عندما هتف مناديًا: _ يوسف… يوسف! كرر مازن نداؤه أكثر من مرة حتى اضطر إلى رفع صوته ليجذب انتباهه، لكن قلب يوسف كان يتبعها رغمًا عنه كالمغيب.
استفاق من سحرها الذي طوّق قلبه، ليرد على صديقه بنفاد صبر: _ نعم؟ _ نعم الله عليك! بقالي ساعة بنادي عليك وانت ولا هنا!
تحدث مازن بسخــ,,ـرية، فاقترب منه يوسف موبِّخًا: _ خلاص يا زفت، أنا قدامك أهو. عايز إيه؟ _ أبدا يا عمنا، عايزك تجهز نفسك آخر الأسبوع عشان خطوبتي على كارما.
تحدث مازن بسعادة، ليتفاجأ يوسف قائلًا: _ خطوبة على طول كده؟ مش لما نروح نتفق ونقرأ الفاتحة الأول؟ أجابه مازن بنفاد صبر:
_ لا يا عم! بقولك إيه، أنا قاري فتحتها من وهي لسه في اللفة. مش هستنى بقى الأفلام دي كلها.
مش كفاية عليّ الواطي مرديش يخليها خطوبة وكتب كتاب، وقال نلبس دِبَل الأول وبعدها كتب الكتاب بعد ما تخلص امتحاناتها. تعالت ضحكات يوسف ساخرًا من سخط مازن الواضح على ملامحه، ليقول باستفزاز: _ تصدّق الواد علي ده بيفهم! طب إيه وجهة نظره في التأجيل ده؟ أجابه مازن مغتاظًا: _ قالك عشان ما يعطلهاش عن مذاكرتها!
على أساس إنّي مش هكلمها ولا أقابلها، ومش بعيد أتغرغر بيها كمان!
_ يخرب بيتك يا عم، ده أنت واقع! ربنا يستر وما تجبلناش مصيبة.
تحدث يوسف مازحًا، ليجيبه مازن مؤكدًا: _ بس ما تقاطعــ,,ـنيش… المصيبة جاية جاية. المهم باقي العيلة فين عشان أقولهم يلحقوا يجهزوا نفسهم؟ _ هتلاقيهم في الصالون، أكيد كلهم متجمعين. أصل معاد العشا مفضّش عليه كتير. يلا نتعشى كلنا سوا.
دخل كلٌّ من مازن ويوسف إلى الصالون ليجدوا الجميع متواجدين، والأحاديث الجانبية دائرة بين روفــ,,ـان وكاميليا.
وما إن لمحته قادمًا حتى تسارعت دقات قلب كاميليا، خاصةً عندما التقت شعلتا عينيها بزرقاويه، ليجري بينهما ذلك التيار الكهربائي والصراع الأزلي بين حرارة النيران وبرودة المياه.
جلس هو على الكرسي المقابل لها بعد أن ألقى التحية دون أن يحيد بنظره عنها، لكن عيناه بدتا غامضتين كثيرًا.
لم تفهم أهي نظرات غضــ,,ـب، أم إعجاب، أم لهفة، أم اشتياق؟
لم تكن تدري أن تلك النظرات تحمل كل هذه المتناقضات؛ فهو، برغم غضــ,,ـبه من تجاهلها، لا ينكر إعجابه ولهفته واشتياقه إليها، لكنه – كالعادة – لا يُظهر أمامها إلا القليل مما يعتمل في داخله. قاطع مازن سيل أفكارها عندما قال: _ إن شاء الله خطوبتي يوم الجمعة على كارما يا جــ,,ـماعة، وهكون مبسوط لو كنتوا موجودين معايا. _ طبعًا طبعًا يا مازن، لازم نكون معاك.
اندفعت روفــ,,ـان بالرد وكأنها تنتظر هذه اللحظة منذ سماع الخبر، لتشاركها كاميليا التي أرادت مشاكسة يوسف، فنظرت إليه بتحدٍّ قائلة:
_ وأنا طبعًا لازم هكون موجودة. مازحتها صفية قائلة: _ كلنا هنكون موجودين يا بت، ولا عشان العروسة بنت خالتك محدش هيعرف يكلمك؟ قاطعتها روفــ,,ـان بحماس: _ عروستين يا مامي، مش واحدة بس!
أصل غرام أخت كارما هي كمان هتتخطب في نفس اليوم، ومش هتصدقي لمين! أجابتها صفية مستفسرة: _ لمين يا أم لسانين؟ هتفت روفــ,,ـان بفرح: _ لدكتور رامي اللي كان بيتابع حالة كاميليا في المستشفى! وما إن أنهت روفــ,,ـان جملتها حتى انتفض الجميع على صوت ذلك التحطم القادم من الخلف…
يتبع …….