الوجه السابع و العشرون للعشــ,,ـق
حين أتقنت التظاهر بأنني بخير، ظن الجميعُ أنني تعافيت. لا يعلمون أنني أُجبرتُ على ذلك فقط كي أحيا. نورهان العشري أنا عرفت مكان كارما وغرام. كانت هذه الكلمــ,,ـات البسيطة التي ألقتها سهى، صديقة كارما، على مسامع كلٍّ من علي — الذي فتح باب المنزل ما إن سمع الجرس — وأدهم القادم من الداخل. قال علي بلهفة: بجد يا سهى؟ خرج كلا من كاميليا ومازن ويوسف على سؤال علي، فأجابته سهى لاهثة:
ماعرفتش مكانهم فين بالضبط، بس عرفت مين خاطفهم. اندفع مازن نحوها بنفاد صبر قائلاً: ومستني إيه؟ ما تقولي! لم يكد مازن ينهي جملته حتى فاجئهم صوت من الخلف: حصل إيه يا علي؟ لغرام وكارما؟ كان هذا صوت رامي الخطيب، المزعوم لِغرام، الذي سافر عقب قراءة الفاتحة مباشرةً لحضور مؤتمر طبي، وترك المجال لغرام للتفكير، لكنه جاء مسرعًا عندما علم ما حدث، ليتفاجأ بأدهم الذي اصطكت أسنانه من الغضــ,,ـب حين رآه، وكادت عيناه تخرجان من محجريهما.
أعاد علي سؤال مازن مرة أخرى إلى سهى، فأجابته لاهثة: دكتور ماجد. دكتور ماجد هو اللي خطفهم! قَبَض علي جبينه لدى سماع ذلك الاسم، بينما علت درجة حرارة دم مازن من الغضــ,,ـب فصاح بصوت جهوري: الكلب والله لهورية. نظر إليه الجميع باندهاش، وسأله علي: مين ماجد دا؟ وإنت تعرفه منين يا مازن؟ زفر مازن حانقًا وأجاب بعجلة: الحيوان دا معيد عند كارما في الكلية وحاول يضايقها قبل كدا وأنا وقفته عند حده. غضــ,,ـب علي بشدة وقال صارخًا:
وإزاي أنا معرفش بحاجه زي دي؟ أجابه مازن بحدة: معرفش يا علي ومش مضطر أديك تقرير باللي بعمله. زادت حدة كلام علي وعلت صرخاته قائلاً: لا، مضطر لما يبقى الموضوع يخص أختي. تبقى مضطر، ورِجلك فوق رقبتك. تدخل أدهم حانقًا: انتوا هتفضلوا تتخانقوا على التفاهات دي وتسبّوا المهم؟ عايزين نطمن عليهم ونعرف الزفت دا وداهم فين؟ أجاب علي بغضــ,,ـب: دي مش تفاهات. مش معقول واحد معيد يخطف طالبة عنده كدا من الباب للطاق. أكيد البيه عمل عمله سودا عشان يوصله إنه يتهوّر ويعمل كدا.
ردّ مازن بغلظة: أيوه عملت. ضــ,,ـربته وكسرتُ عضمه ودوسيت عليه قدام الجامعة كلها، وهددته أنه لو قرب منها تاني هتبقى نهايته على إيدي. انقض علي على مازن لكمًا بعنــ,,ـف وقال بغضــ,,ـب جحيمي: يعني أخواتي دلوقتي مخطوفين بسبب غباوتك وتهورك؟ تقدّم يوسف وقــ,,ـبض على يد مازن التي كانت على وشك لكم علي، وهو يصيح في كلا منهما: بطل انت وهو لعب العيال دا. قاعدين بتتخانقوا و سايبين المصيبة الكبيرة اللي إحنا فيها؟! إيه، انتوا هايفين للدرجادي دا؟ إنتوا حتى ما مدّتش فرصة للبنت تقول اللي تعرفه.
زمجر مازن غاضبًا: إنت مش شايفه بيعمل إيه؟ وجاي يضــ,,ـربني في الآخر عشان دافعت عن أخته من واحد مجنون زي دا. اغتاظ علي من حديثه وأوشك أن ينقض عليه مرة أخرى، لكن تدخل يوسف حائلًا بينهم كسد منيع، ليزأر بقوة: خلاص بقى يا علي، المهم نعرف مكان البنات ونرجعهم بالسلامة. ثم نظر إلى مازن وهو يزجره بغضــ,,ـب: وأنت تسكت خالص—مش وقته الكلام دا. ابقوا صفّوا حسابتكم دي بعدين، خلّينا في المهم دلوقتي. اقترب من سهى قائلاً بوقار:
لو سمحتي يا آنسة سهى ممكن تقولي لنا كل اللي تعرفيه؟ طالعته سهى بانبهار، ونظرة يملؤها إعجاب، التي لم يخِفها تلك القطة التي أبدت مخالبها فجأة، فَتقدمت من بين جميع الرجال، سحبت سهى من معصمها بقوة، وأجلستها على الكرسي خلفهم وهي تقول بحدة: اتفضلي، قوليلنا يا ست سهى اللي تعرفيه. خافت سهى من تلك النمرة التي كانت تطالعها بنظرات قاتلة، فأجابت بلهفة:
يوم خطف البنات كان عندنا امتحان واتلغى، فكنت رايحة للدكتور ماجد عشان أعرف المعاد هيكون امتى تاني. فدخلت عليه لاقيته متوتر جدًا، وسألتُه فقال لسه مش عارف. وفجأة جاله تليفون، لقيته بصلي كدا وقالي: اتفضلي اطلعي بره. باين إنه مكنش عايز يرد قدامي لأنه وشه اتقلب مِيت لون لما التلفون رن. أنا بصراحة استغربت حالته وخرجت. بعد ما طلعت افتكرت أني كان معايا ورق مهم لازم أديهوله فرجعت تاني، لاقيته بيكلم حد وبيقوله: يا غبي مش قلتلك ركّز، أنت كدا هتضيعنا. ومعرفش اللي على الخط قاله إيه، لقيته بيرد عليه: خلاص روح وأنا هحصّلك على المكان اللي اتفقنا عليه.
بصراحة أنا خفت أكلمه وهو متعصّب كدا، فرجعت تاني، وبعدها عرفنا موضوع خطف كارما وغرام، بس أنا ما تخيلتش أنه له يد فيه. وتاني يوم الخبر انتشر والغريب أنه ما بانش عليه أي خضة أو حتى تأثير، مع أنه كان بيتجنّن لما كارما غابت يوم. لحد ما جه النهارده؛ كنت رايحة أوضه دكتور شوقي عشان أشيل ورق عنده في الدرج—هو مدّيني مفتاح مكتبه عشان أحط ورق الامتحان بتاعنا لأنه عنده ظروف ومش هيقدر ييجي. وأنا بفتح الدرج المفتاح وقع تحت المكتب، نزلت أجيبه ولقيت دكتور ماجد جايب محمد، واحد من أفراد الأمن بتاع الجامعة، وبيقعد يتخانق معاه ويقوله: إيه جابك؟
مش قلتلك خليك معاهم لحد ما أجيلك وأنا هظبطلك موضوع الغياب بتاعك. فمحمد رد عليه وقاله: متقلقش يا حمو، أنا واخد بالي كويس. أنا قولت أظهر في الصورة عشان محدش يشك فيّا، وبعدين بصراحة أنا محتاج فلوس. فماجد زعقله وقاله: أنا اديتك نص الفلوس قبل ما تنفذ وقلتلك هديك الباقي بعد ما العملية تخلص. فمحمد قاله: لا، أنا غيرت الاتفاق وهزود الفلوس شويه، دا خطف مش لعب عيال وممكن يوصلني لحبل المشنقة وأنا عايز أأمن عيالي. لقيت ماجد بيقوله: خلاص روح دلوقتي وتعالى بكرة هديك عشرة آلاف جنيه. محمد قاله: لا عشرين. فماجد قاله: موافق. ومحمد قاله:
هجيلك الساعة عشرة الصبح آخدهم منك. فماجد قاله: تاخدهم وتطلع على المكان اللي حاطينهم فيه وما تشوفش وشك هنا تاني. بعد كده خرجوا، وأنا استنيت شويه لما اتأكدت أنهم مشيوا، وجيت جري هنا عشان أبلغكم. أنهت سهى كلامها لاهثة، فكوّر مازن قــ,,ـبضته ولكم الحائط خلفه قائلاً بغضــ,,ـب: الحيوان. والله لهندمه عاليوم اللي اتولد فيه.
كان أدهم يستمع للحديث وداخله بركان يزداد توهجه أكثر فأكثر؛ فمنذ أن دخل هذا المدعو رامي إلى البيت وهو يودّ الفتك به، وجاء حديث تلك الفتاة ليزيد بركان غضــ,,ـبه أكثر. وكان علي هو الآخر ينفث النيران من أنفه وهو يتوعد لذلك الماجد بأقسى أنواع العقاب. نظر يوسف إلى الثلاثة وقال بسخــ,,ـرية: مناظركم انتوا التلاتة دي هتوصلنا لطريق مسدود. إحنا دلوقتي مسكنا طرف الخيط، عايزين نحسب خطواتنا الجاية صح. ماجد دا أكيد مش لوحده وإحنا لازم نتــ,,ـحرك بسريّة تامة عشان أي غلطة البنات هي تدفع تمنها.
انفعل مازن قائلاً: الكلب دا أنا هروح أجيبه من قفاه وأطلع عين أهله لحد ما يقول فين داهم؟ عارضه علي قائلاً بصياح: أنا اللي هروح أجيبه وهعرف أربيه إزاي. أيده أدهم في الرأي قائلاً: دا لازم يتجاب وياخذ بالجزمة لحد ما يعترف ويقول داهم فين؟ وعمل فيهم إيه؟ تحدث رامي مستنكرًا آثار جنون أدهم: لا طبعًا غلط جدًا اللي انتوا بتقولوه دا، كدا ممكن يخلي الناس اللي معاه تأذيهم. نظر يوسف إليهم بغضــ,,ـب قائلاً: أنا شايف إن انتوا التلاتة متفكروش خالص. الزفت دا محدش هيلمسه ولا هيحط إيده عليه غير لما البنات ترجع بالسلامة.
أوشك علي أن يتحدث فتابع يوسف بلهجة أكثر حدة: إحنا منضمنهوش؛ ممكن يعمل إيه هو والي معاه؟ دا واحد دكتور—كون أنه يفكر التفكير الغبي دا مع طالبة عنده لمجرد أنها رفضته أو أنه تتخانق مع خطيبها، يبقى مريض وده متوقع منه أي حاجة. زفر أدهم قائلاً بعصبية: طب والحل يا يوسف؟ هتفضل قاعدين حاطين إيدينا على خدنا كدا وهما بين إيدين المجنون دا؟ أجابه يوسف بتعقل: لا طبعًا. إحنا هنراقبه لحد ما نعرف مكانهم. قال علي بحِنق:
وهو اهبل، ما أكيد عامل حسابه عشان محدش يشك فيه. هكذا أجاب علي، ليجيبه يوسف بغموض: متقلقش، أنا عندي خطة هتخلّينا نعرف مكانهم فين بالضبط؟ ************ كانت نيفين تُطالِع زين وهو يلهو ويلعب مع روفــ,,ـان في الحديقة بنظراتٍ يملؤها الكره؛ فلم يكن يكفيها كل تلك المشكلات ليأتيها ذلك الفتى الصغير ويسحب البُساط من تحت قدميها، فجدّها أصبح وكأنه مهووس به، يدلّله كثيرًا، وهذا ما أغضــ,,ـبها. وتلك الحرباء المسماة سميرة يجب أيضًا التخلّص منها، فقد استمعت إلى حديثها مع ذلك الغريب الذي كانت تتخلّله بعض العبارات الوقحة والإيحاءات البذيئة التي توضح أن علاقتهما ليست بالبريئة.
فهي لابد أن تستخدم تلك النقطة لصالحها حتى تستطيع أن تتخلّص منها نهائيًا، وعندها ستكون بمفردها أمامهم، وعليها أن تضع خطة محكمة للتقرّب إليهم جميعًا واستمالتهم، وذلك بتمثيل دور الضحية الذي يروقها كثيرًا أن تلعبه، ولهذا فعليها أن تبدأ في تنفيذ أولى خطواتها لتحقيق مبتغاها. توجّهت نيفين إلى غرفة والدها الذي عاد ليلًا في ساعة متأخرة، وطرقت عليها عدة طرقات بسيطة، فأذن لها بالدخول. فتحت الباب ودخلت بخطوات سلحفائية مطأطئة الرأس، وقالت بصوتٍ خفيض: كنت عايزة أتكلم معاك شوية، ممكن؟
تهلّلت أسارير مراد الذي كان يفكر في كيفية التقرّب إليها وإعادة بناء الشرخ القائم في علاقتهما، فقال بلهفة وهو يدعوها للجلوس بجانبه على الأريكة: طبعًا يا نيفين، تعالي اقعدي هنا جنبي. تقدّمت نيفين وجلست بجانبه، وأخذت تفرك كفّيها ببعضهما وكأنها تبحث عن كلمــ,,ـات تبدأ بها، فبادرها بالحديث قائلًا: حقك عليا يا نيفين. أنا عارف إني أهملتك قوي، وعارف إنك كنتِ كتير بتتاخدي في الرجلين بسبب المشاكل اللي بيني وبين أمك. لكن أوعدك إني هعوّضك عن كل اللي فات.
طالعته نيفين بنظرات المسكنة والحزن، وقالت بنبرةٍ منكسرة: أنا مش زعلانة منك يا بابا. أنا اللي جاية أعتذرلك عشان أسلوبي معاك آخر مرة كان وحش. حقك عليا… آسفة. قالت كلمتها الأخيرة وأتبعتها بدمعةٍ جعلت مراد ينتفض من مكانه، يتآكله شعوره بالذنب تجاهها، فأخذها داخل أحضانه وقال بأسفٍ حقيقي:
حقك عليا يا بنتي، أنا اللي آسف. أنا اللي أهملتك وظلــ,,ـمتك كتير. أنا مش زعلان منك. ليكِ حق تقولي وتعملي أكتر من اللي عملتيه. أنا مقدّرتش مشاعرك، بس غصب عني… مــ,,ـوت ميرفت كان صدمة بالنسبالي، وكمان مكنتش أقدر أسيب زين لوحده أكتر من كده، كان لازم أجيبه يعيش وسط أهله. زين يتيم واتحرَم من أمه في وقت هو محتاجلها فيه أوي. قاطعته نيفين بلهفةٍ مصطنعة: متبرّرشلي يا بابا، دا حقك وحقه. حقه يعيش وسطنا. أنا صدقني مش ضده، بالعكس، أنا بحاول أأقلم نفسي على وجوده. أنا بس ليا رجاء واحد عندك.
أجابها مراد بلهفة: أؤمريني يا حبيبة بابا. أتقنت نيفين تزييف ملامح وجهها وذرف العَبَرات من مقلتيها تزامنًا مع كلمــ,,ـاتها التي كانت كفيلة بزلزلة الجبال: متنسانيش وسط اهتمامك بزين. متقولش دي كبيرة وخلاص مش محتجاني. إديني ولو جزء بسيط من وقتك… عشان أنا محتجاك أوي. شقّت كلمــ,,ـاتها قلب مراد إلى نصفين، فأخذها داخل أحضانه وهو يردد عبارات الأسف، وفرت الدموع من عينيه، وأخذت تتقاذفه وخزات الندم على ما أوصل ابنته إليه، وهي أن تترجاه ليعطيها بعضًا من وقته وألا ينساها، غافلًا عن تلك البسمة الساخرة المرتسمة على شفاه الأفعى. قال مراد بصوتٍ مبحوح من فرط التأثر:
وقتي كله ليكِ يا حبيبتي. حقك عليا مرة تانية إني وصلتك للحالة دي. أوعدك من النهارده مش هغيب عنك تاني، ولا هخليكي تحتاجيني تاني ومتلاقينيش. هكون دايمًا جنبك وفي ضهرك، وهحميكي من كل حاجة وحشة، وأولهم أمك. فقد أخبرته صفية بما حدث من سميرة قبل أيام، لتقاطعه نيفين بلهفةٍ مقصودة لزرع بذور الشك في قلبه: ياريت يا بابا تحميني منها… ياريت متخلّينيش أحتاجلها تاني. أنا عايزة أنسى إنها أمي. قطّب مراد حاجبيه لكلمــ,,ـات ابنته الغريبة وقال باستفهام:
ليه يا نيفين؟ حصل منها إيه عشان تقولي كده؟ اصطنعت نيفين التوتر وهبّت من مكانها، معطيةً مراد ظهرها، وقالت بتلعثمٍ مقصود: م… مفيش، مفيش حاجة. زادت شكوك مراد من مظهر نيفين وطريقة تلعثمها في الحديث، فقال بحدةٍ طفيفة: نيفين، بصّيلي هنا وقوليلي في إيه؟ التفتت إليه نيفين قائلةً بانهيار: مفيش حاجة… أرجوك متضغطش عليّا أكتر من كده. أنهت كلمــ,,ـاتها ثم هرولت خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وهي تشعر بالانتصار بعد هذا العرض المسرحي، فها هي أولى خطواتها قد نجحت نجاحًا عظيمًا.
********** _ ممكن أعرف انتَ موديني على فين؟ كانت تلك الكلمــ,,ـات لهند التي أخذها رائد في رحلة غامضة، وقد جعل الرعب يدق في قلبها خوفًا من أن يعيد فعلته الدنيئة معها مرة أخرى، فأجابها هو بلهجة حانية قلّما تظهر منه: _ من وقت ما خرجنا من الشركة وانتِ مش على لسانك غير السؤال دا، ممكن تثقي فيا شوية؟ تحدثت هند وقد كانت كلمــ,,ـاتها تقطر ألمًا ومرارة: _ ما أنا وثقت فيك قبل كده، والنتيجة كانت إيه؟ معتقدش إني ممكن أثق فيك تاني!
ذكّرته كلمــ,,ـاتها بذنبٍ مغروز كالشوك في قلبه، لكنه حاول أن يغيّر مجرى الحديث ويضفي بعض المرح على الأجواء. _ ورد عاملة إيه في الدراسة؟ لسه برضو بتعمل نفسها بطنها وجعاها عشان متروحش المدرسة؟ توترت هند لسؤاله عن أختها، فمنذ ذلك اليوم المشؤوم وهو لم يسأل عن أحد من أفراد أسرتها، فلماذا يسأل الآن؟ تُرى هل علم بما تخطط له؟ حاولت أن تسيطر على توترها حتى لا يظهر في نبرة صوتها، وقالت باقتضاب: _ كويسة الحمد لله، عادي هي ورد هتتغير!
قهقه رائد وهو يتذكر موقفًا حدث أمامه من تلك الشقية ورد، وقال من بين ضحكاته: _ مش قادر أنسى منظرها لما عملت نفسها مغمي عليها هنا في العربية، وقال إيه ضغطها واطي، وكل دا عشان متروحش المدرسة! تصدقي؟ وحشاني ونفسي أشوفها. قال جملته الأخيرة وهو ينظر إليها نظرة ذات مغزى، فشعرت بالرعب يدب في أوصالها من حديثه ونظراته، لتلتفت إلى الجهة الأخرى خوفًا من أن يرى ذلك الخوف المرتسم على ملامحها، وهي تدعو الله في سرها ألا يكون قد كشف مخططها.
وقف هو السيارة ووضع أصــ,,ـابعه تحت ذقنها وأدار رأسها تجاهه، ثم نظر داخل عينيها قائلًا بنبرة مُشبعة بالذنب: _ أنا عارف إني أذيتك وظلــ,,ـمتك معايا، بس اديني فرصة أخلّص من كل العك اللي أنا فيه دا، وأوعدك هعوضك عن كل حاجة وحشة شفتيها، بس خليكِ جنبي واصبري عليّ شوية. كانت كلمــ,,ـاته أشواكًا تُزرع في قلبها، الذي لو أطلقت له العنان لكانت الآن مرتمية بين طيات قلبه تبكي حبها وألمها وحماقتها.
فلو كان الأمر يخصها وحدها لتركَت كل شيء وخطت معه نحو المجهول، ولكن الأمر يصل إلى من هم أغلى وأنقى منها بكثير، فلم يعد أمامها مفر سوى حمايتهم من تلك اللعنة التي أصــ,,ـابتها، وهي لعنة عشــ,,ـقه. فرت دمعة هاربة من طرف عينيها، تلقّتها أطراف أصــ,,ـابعه بحنان وقال بلهجة ناعمة: _ أنا جايبك أغلى مكان على قلبي، وهكشفلك سرّ مفيش مخلوق في الدنيا يعرفه. أضاءت كلمــ,,ـاته ومضة الفضول داخلها لتنظر حولها، وإذا بها ترى لافتة منقوش عليها: “مشفى الأمراض العقلية”.
فقطبت جبينها قائلة باندفاع: _ هو أنا كنت متأكدة مليون في المية إنك مجنون، بس إنك تبقى معترف بدا لا، صدمتني الصراحة! ضحك رائد بقوة على حديثها وقال عندما هدأت ضحكاته: _ هو أنا مجنون آه، بس مش للدرجة دي! يلا انزلي، في حد لازم أعرّفك عليه جوا. استجابت هند لطلبه وترجلت من السيارة، وتبعته إلى الداخل، ووقفت بانتظاره عدة دقائق حتى أنهى حديثه مع ذلك الطبيب، ثم توجه نحوها وأخذها من يدها دون حديث وتوجه بها إلى إحدى الغرف.
وما إن فتح الباب حتى وجدت تلك السيدة الجميلة جالسة على سريرها ناظرة إلى الأمام، فلم تنتبه لدخولهما، بل الأحرى أنها لا تنتبه لأي شيء مما يدور حولها. اقترب منها رائد مُقبّلًا يدها وجبينها قائلًا بحب: _ وحشتيني يا أمي. نزلت الكلمة على هند كالصاعقة! هل فعلًا هذه المرأة تكون والدته؟ فالجميع يعلم أن عائلته متوفــ,,ـاة وهو طفل صغير! فكيف تكون تلك المرأة والدته؟ هل يُعقل أنه أوهم الجميع بقصة والديه المحزنة تلك؟!
لم تلتفت السيدة تجاههما، وكما توقعت هند فهي تعيش في عالمٍ خاص بها يختلف تمامًا عن عالمهم، لكن ذلك لم يثنِ رائد عن الحديث معها ومحاولة إقحامها داخل ذلك العالم، لتجده يحــ,,ـادثها وكأنها تسمعه: _ عارف إني اتأخرت عليكِ وإنك أكيد زعلانة مني، بس غصب عني صدقيني. لكن أنا النهارده قررت أصالحك، وأجبلك حد غالي عندي أوي، وكان نفسي تتعرفي عليه من زمان. اختتم جملته ثم رفع يده ومدّها إلى هند التي ترددت لحظات قبل أن تضع كفها فوق كفه الممدود تجاهها، وتقدمت نحو السرير الخاص بتلك السيدة.
لكن ما زاد من صدمتها تلك الكلمــ,,ـات التي قالها رائد لأمه: _ دي هند اللي حكتلك عنها يا أمي، دي أغلى إنسانة عندي في الدنيا بعدِك، وأكتر إنسانة اتظلــ,,ـمت معايا وبسببي. جبتها هنا النهارده عشان أعتذرلها قدامك، وأقولها إنها غالية عندي أوي، وإني ناوي أعوضها عن كل حاجة وحشة شافتها معايا… بس هي تقول “مسامحة”. ثم نظر إليها قائلًا برجاء: _ ها، مسامحة ولا لأ؟ هطلت العَبرات من مقلتيها دون أن تكون لها القدرة على إيقافها، فتلك الكلمــ,,ـات الحانية التي تخرج من بين شفاهه تزيد من ألمها وعذابها.
فكيف لها أن تتركه بعد ما فعله الآن؟ كيف لها أن تكسر قلبه بعد تلك الوعود التي طالما تمنّت أن تسمعها منه؟ فهي الآن تجد نفسها أمام خيارين كلاهما أصعب من الآخر: أن تنجو بعائلتها من بطشه وذلك الانتقام الذي كلفها الكثير من المعاناة ولا تدري إلى أين سيأخذهم؟ أم تتراجع عن قرارها بهجره وتجازف بأن تنكشف أمام يوسف الحسيني، الذي قد يهدم العالم فوق رؤوسهم؟ لا تعرف ماذا تفعل، فللقلب رأيٌ متناقض تمامًا عن رأي العقل، وهي حائرة في المنتصف لا تدري ما عليها فعله.
أنقذها دخول الممرضة التي نادت على رائد لتبلغه بأن مدير المشفى يريد الحديث معه، فتركها بمفردها مع والدته قائلًا إنه لن يتأخر. نظرت هند إلى ملامح تلك السيدة المسالمة، والتي تبدو وكأنها نسجت عالمًا ورديًا في خيالها لتعيش فيه هربًا من قسوة هذا العالم، وللحظة شعرت بأنها تحسدها وتتمنى لو تفعل مثلها. لكن ما باليد حيلة، فقد فُرِض عليها العيش في كل هذا العذاب دون القدرة على الاعتراض حتى… قامت هند بالجلوس بجانبها وقالت بلهجة يائسة:
_ أنا معرفش إيه اللي حصل وصلك للحالة دي، بس أكيد حاجة كبيرة أوي اللي توصلك إنك تخلقي عالم جواكِ وتعيشي فيه. أكيد الدنيا كانت قاسية عليكِ أوي.