تناثر الألم من عينيها وهي تتابع: _ أنا بتمنى أكون زيك، بس للأسف عندي ناس تانية أخاف عليهم، ناس مقدرش أتخلى عنهم، ناس بحبهم لدرجة إني مستعدة أدوس على قلبي وعلى سعادتي عشان بس أحميهم. تحولت نبرتها من الحزن إلى القهر حين قالت: _ مقدرش أستسلم وأسيبهم يواجهوا أخطائي ويدفعوا تمنها، أرجوكي سامحيني، وقوليله يسامحني، مش هقدر أضحي بيهم حتى لو على مــ,,ـوتي. لازم أحارب عشانهم، وعشان أحميهم من الناس اللي مبترحمش. تعانقت أوجاعها مع قلّة حيلتها وأمنياتها المستحيلة حين قالت:
_ ياريتني قابلته في مكان وزمان تانيين، مكنتش هتخلى عنه أبدًا. قوليله إني يهون عليّ المــ,,ـوت، ولا إنه يسيبه يواجه العذاب دا كله لوحده، بس غصب عني مش هقدر… مش هقدر. أنهت كلمــ,,ـاتها ثم فرت هاربة تبكي حبها المحكوم عليه بالمــ,,ـوت، وقد حسمت أمرها بأنها ستفعل أي شيء مقابل حماية عائلتها، حتى لو كانت ستعيش بلا قلب، فهي تركته معه. _ والله يا رائد بيه، دا اللي حصل بالظبط، أنا معرفش مين الشخص اللي جه سأل عنك هنا.
هو جه سأل الأمن ومشي على طول، بس الكاميرات جابته من ضهره، وتقريبًا كان واخد حذره عشان ميتصوّرش. تلك كانت كلمــ,,ـات مدير المشفى لرائد الذي اندهش من حديثه، وأخذ عقله يعمل في كل الاتجاهات، فذلك المكان لا يعلم أحد عنه ولا أن والدته هنا، فقد أخفاها جيدًا عن العيون، فالكل يظن أنها ميتة، حتى عمه. فمن الذي يراقبه ويسعى خلفه؟ حتى كاميرات المراقبة لم تنجح في إظهار ملامح ذلك الشخص، فمن هو إذن؟ لم يسعفه عقله بإجابة، وخاصة عندما ظهرت تلك الممرضة التي كانت تهرول تجاههم قائلة بذعر:
_ الحقني يا دكتور! الست اللي تبع الأستاذ دا جالها حالة انهيار عصبي! ******** متقلقيش يا آنسة سهى، إحنا كلنا حواليكِ ومأمّنينك كويس. كانت هذه كلمــ,,ـات يوسف المطمئنة وهو ينظر في المرآة إلى سهى التي تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، وتلك التي كانت تستشيط غضــ,,ـبًا من تلك الفتاة التي لا تُخفي إعجابها الشديد بيوسف، ومما زاد من حنقها تلك الكلمــ,,ـات التي أجابته بها، وتلك النبرة الرقيقة المفتعلة كما وصفتها كاميليا. _ مش قلقانة يا يوسف بيه، أنا واثقة في حضرتك!
تنفست كاميليا بصوتٍ مسموع وهي تطرق بأصــ,,ـابعها فوق تابلوه السيارة، فتلك كانت وسيلتها للتنفيس عن غضــ,,ـبها، لتُعدل سهى من حديثها قائلة بتوتر: _ أقصد واثقة فيكوا كلكوا، وبعدين كارما وغرام دول أصحابي من وإحنا لسه صغيرين، وزي إخواتي، وممكن أعمل عشانهم أي حاجة. لم يُجبها يوسف خوفًا عليها من تلك النمرة المتوحشة التي تكاد تفتك بها، وإنما صوب كل انتباهه إلى مدخل بيت ذلك المعيد، وما أن لمحه يستعد للخروج من باب البناية حتى تحدث مع سهى بنبرة جافة:
_ ماجد نازل. جاهزة؟ ارتعبت سهى من لهجته، لكنها أجابت بنبرة ثابتة نوعًا ما: _ جاهزة. _ مش محتاج أفكرك، لازم تاخدي بالك كويس أوي، وتمثّلي دورك بالحرف. الغلطة هنا بفورة. لم ينتظر إجابتها، إنما أمرها بالنزول فورًا، فأطاعته دون جدال. وما أن اقتربت من ماجد الذي كان على وشك الصعود إلى سيارته حتى نادت عليه: _ دكتور ماجد! دكتور ماجد! التفت ماجد إلى ذلك الصوت ليتفاجأ بسهى تقف على بُعد سنتيمتراتٍ منه، فقطب جبينه باستغراب قائلًا:
_ سهى! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ توترت سهى بعض الشيء، لكنها استجمعت شجاعتها وقالت بصوتٍ أنثويٍ رقيق: _ بصراحة كنت عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع. _ والموضوع ده مكنش ينفع تأجليه لما نتقابل بكرة في الجامعة؟ أجابته سهى بلهفة: _ لا، الموضوع ده مينفعش يتقال في الجامعة، ومينفعش يتأجل أكتر من كده! ذمّ ماجد شفتيه، فهو لا يريد التأخر على لقاء حبيبته، فأجابها بملل: _ خير يا سهى، موضوع إيه اللي مينفعش يتأجل ولا يتقال في الجامعة؟!
تقدمت سهى منه ونظرت داخل عينيه وهي تقول بخفوت: _ دكتور ماجد، أنا… _ إنتِ إيه يا سهى؟ هكذا أجابها ماجد بنفاد صبر. _ أنا معجبة بيك من زمان أوي، وكنت عايزة أصارحك، بس مكنتش بتيجي فرصة مناسبة. قطّب ماجد جبينه بإندهاش قائلًا: _ إيه؟! معجبة بيا أنا! تقدمت سهى منه خطوة أخرى وقد أتقنت لعبتها جيدًا، وتفنّنت في اللعب على أوتار كبريائه المجروح قائلة: _ ومالك مستغرب أوي كده ليه؟ إنت ألف واحدة تتمناك، بس إنت اللي كنت مغمّض عنيك ومش شايف غير واحدة بس.
أجابها ماجد بسخــ,,ـرية: _ وبما إن الواحدة دي مخطوفة أو مش موجودة حاليًا، فقلتي تستغلي الفرصة! أجابته سهى بلهفة وقد اغرورقت عيناها بالدموع: _ لا والله، أنا مش كده، وأوعي تفكر إني فرحانة في خطف صاحبتي، أبدًا. بس غصب عني، لما لاقيتك مش مهتم بغيابها، وحتى مش باين عليك إنك متأثر، قولت يبقى الطريق لقلبك بقى مفتوح. أنا آسفة لو كنت ضايقتك بكلامي، بس إنت أكتر حد عارف إننا ملناش سلطة على قلوبنا. نجحت سهى في استفزاز رجولته، خاصةً عندما هطلت دموعها، وذلك الضعف الذي ظهر في صوتها، فأخذ ماجد ينظر إليها لا يدري ماذا يقول، لتبادره هي قائلة:
_ يظهر إني غلطت لما جيتلك وصرّحتلك بمشاعري، أنا آسفة. أنهت كلمــ,,ـاتها تزامنًا مع دوخةٍ بسيطة اعترتها، فكانت على وشك السقوط حتى امتدت يد ماجد لتلتقطها، فاقتربت منه للحد المرغوب لها ولتنفيذ خطتها، ليقول ماجد بلهفة: _ سهى! إنتِ كويسة؟ أودّيكي المستشفى؟ أنهت سهى ما جاءت لأجله فقالت بقوة حاولت رسمها: _ أنا كويسة، متقلقش عليّا، أنا محتاجة أمشي، وياريت تنسى كل اللي قولتهولك. أنهت كلمــ,,ـاتها وهي تعتدل في وقفتها محاولةً إظهار كونها أنثى جُرحت بشدة وتحاول لملمة شتاتها، فقالت بكبرياء:
_ أنا مش هعطّلك عن مشوارك أكتر من كده. واضح إنك كنت مستعجل، أنا بس جتلي لحظة شجاعة محبتش أضيّعها، بس الظاهر إني كنت غلطانة… اتفضل امشي. توتر ماجد بصورةٍ ملحوظة عندما رن هاتفه، وقال محاولًا التخفيف عنها: _ بصي يا سهى، أنا مستعجل دلوقتي، لكن أوعدك إننا هنقعد مع بعض ونتكلم كتير، بس أنا مضطر أمشي دلوقتي. عن إذنك. كان كل هذا يحدث أمام أنظار يوسف وكاميليا، التي كان الغضــ,,ـب والغيرة يأكلانها بلا رحمة، ولم يَخفَ هذا على يوسف الذي كان أكثر من مستمتع بغيرتها تلك. فبادرته كاميليا بالحديث قائلة:
_ جدعة أوي سهى! أجابها يوسف بتأكيد: _ آه، بنت ممتازة. زاد غضــ,,ـبها أضعافًا من حديثه عنها، لتحاول التحكم في نفسها قدر الإمكان قائلة: _ وأمورة كمان! فأجابها يوسف بتأكيد: _ آه فعلًا. أخذت درجة حرارتها تزداد شيئًا فشيئًا فقالت بسخــ,,ـرية: _ إيه رأيك نشوفلها عريس؟ يعني بنت جدعة وممتازة وكمان أمورة، منضيعهاش من إيدينا. كان يوسف يسايرها في الحديث وهو يكتم ضحكاته بصعوبة، فأجابها بنبرةٍ لا مبالية: _ هي فعلًا خسارة تضيع من إيدينا، بس أنا مش خاطبها يا روحي.
علت نبرة كاميليا بعض الشيء وهي تقول بغضــ,,ـب: _ أممم، ولا ندورلها على عريس ليه؟ ما العريس موجود أهو، وعجباه كمان، لا، وفي نظرات وابتسامــ,,ـات! أخذت تُقلّد لهجتها بسخــ,,ـرية: _ “واثقة فيك يا يوسف”، و”معرفش إيه يا يوسف”، وأنا أباجورة قاعدة جنبك! أجابها يوسف بلهجةٍ محذّرة: _ كاميليا، صوتك ما يعلّاش، ومتنسيش إننا لولاها مكنّاش عرفنا نوصل للي خطف بنات خالتك، فبطّلي جنان. أغضــ,,ـبتها لهجته وعرفانه بجميلها، فهذا الرجل يثير جنونها؛ فتارةً يكون حنونًا للدرجة التي تجعلها تذوب بين يديه، وتارةً يكون باردًا غير مبالٍ بوجودها، وتارةً أخرى يكون قاسيًا في تحذيره، فكيف يمكنها التعامل معه!
_ تصدق؟ عندك حق، أنا مجنونة فعلًا! بس مش عمياء، وشايفة نظراتها ليك عاملة إزاي! _ أديكي قلتيها: نظراتها. وأنا مش مسئول عن نظرات الناس ليا، وياريت تقفلي الموضوع بقى. أحزنتها كلمــ,,ـاته، لكنها الحقيقة، فهو غير مسئول عن ردود أفعال الفتيات تجاهه. لكنها نوبات الغيرة الملعونة التي تصاحبها عندما يتعلق الأمر به، لا تدري ماذا تفعل، فآثرت الصمت، ووجهت أنظارها لتلك الفتاة محاولةً كبت دموعها التي تهدّد بالانفجار. ولأنها جزء لا يتجزأ منه، فألمها يؤلمه، لكنه يعلم أن هذا ليس الزمان ولا المكان ليرضي جنونها.
رأى يوسف ماجد يهمّ بالانصراف، فقام بالنظر إليها وإدارة وجهها نحوه، ناثرًا اعتذاره فوق جبهتها وآخر بجانب فمها، وقال بصوتٍ خفيض خرج من قلبه إلى قلبها مباشرة: _ أنا مبشوفش غيرك، مفيش واحدة ست في العالم ممكن تهزّ فيا شعرة في غيابك، مابالُك بوجودك بقى! هطلت الدموع من عينيها كالشلال، ولم تستطع أن ترد عليه، ليحتويها وهو يقول بحب: _ دموعك دي أغلى من إنها تنزل على حاجات تافهة زي دي.
أنهى يوسف كلمــ,,ـاته، ثم ترجل من السيارة وذهب إلى مكانها، وفتح الباب، وقام بإخراجها ليحتويها بقوة أمام سهى القادمة تجاههم، والتي كانت مصدومة مما رأته، وخاصةً وهي تراه ينثر عشــ,,ـقه فوق وجهها قبل أن يقول بلهجةٍ حانية اخترقت مسامع سهى: _ خلي بالك من نفسك يا قلبي، إن شاء الله مش هتأخر عليكِ. صُدمت كاميليا من حديثه فقالت: _ إيه ده! هو أنا مش هاجي معاكوا؟ قال يوسف بصوتٍ خفيض لكن صارم:
_ مش هينفع يا كاميليا. إنتِ طلبتي تيجي معانا وتشوفي بعينِك هيحصل إيه، وخلاص لحد هنا. مش هقدر أعرّضك للخطر. تتفضّلي تروحي من غير مناقشة، وإن شاء الله مش هنتأخر عليكِ. التفت يوسف تجاه سهى قائلًا بوقار: _ شكرًا يا آنسة سهى، لحد هنا دورك انتهى، تقدري تتفضّلي، العربية هتوصلك. لم ينتظرها أن تجيبه، إنما اتجه تجاه دكتور رامي الذي كان أدهم ينظر له وكأنه فريسة وهو الصياد، ليقول يوسف بصرامة: _ دكتور رامي، هتروح توصل كاميليا وسهى البيت، وترجع لنا على طول.
اغتاظ رامي من طلب يوسف، ليقول بحدة: _ واشمعنى أنا يا يوسف بيه اللي أروح؟ أظن اللي مخطوفة دي خطيبتي، وأنا أولى أكون معاكوا، تقدر تبعت أي حد تاني، وجودي مالوش لزوم. كانت كلمــ,,ـاته قد أشعلت فتيل أدهم الذي كان على وشك الانقضاض عليه، لولا نظرات يوسف المرعبة التي جمدته في مكانه، والذي قال بنبرةٍ أحرجت رامي: _ بصراحة يا دكتور رامي، كاميليا حالتها مش مطمئنة، وأنا مش هقدر أجازف إنها تتعب في الطريق ولا حاجة، وكمان إنت الدكتور بتاعها اللي متابع حالتها، وأكيد لو تعبت هتقدر تتصرف.
بدت حجته مقنعة، خاصةً حين أضاف: _ وتقدر تحصلنا بعد ما توصلها. كده كده الحراسة هتكون وراكم، وهيكونوا على علم بمكاننا عشان يحصّلونا. لم يُعطِ يوسف له الفرصة للاعتراض، حيث التفت لرئيس الحرس خاصته وقال بصرامة: _ نفّذوا اللي قولتلكوا عليه. انصاع رامي لطلب يوسف على مضض، وداخله يغلي من الغضــ,,ـب، خاصةً عندما رأى تلك النظرات الشامتة من أدهم له، فأخذ يسبّ ويلعن داخله. أما أدهم، فقد تنفس الصعداء عندما تخلّص من هذا الطبيب المزعج، حتى إنه لم يستطع أن يُخفي ضحكته، فباغته يوسف بلكمةٍ خفيفة على كتفه أيقظته من شروده، وقال له بلهجةٍ تحذيرية:
_ بطل تضحك زي الهِبل كده، ويالا عشان ورانا حاجات كتير هنعملها، ولينا قاعدة عشان شكلك عامل بلاوي كتير من ورايا. صعد يوسف إلى سيارة مازن الذي بادره بالحديث: _ جهاز التتبع اللي حطّته سهى في هدومه اشتغل، ودلوقتي نقدر نتــ,,ـحرك. _ تمام، يالا. وأنا كلمت الناس بتوعي وهيقابلونا على الصحراوي. _ وأنا كمان، قوات الدعم مستنيّة مني الإشارة عشان تتحرك. هكذا قال علي قبل أن تنطلق السيارة في وجهتها المجهولة… ********** ما إن ترك ماجد سهى وصعد إلى سيارته حتى فتح الهاتف الذي ظل يرن، وكان ذلك المتصل هو المدعو محمد، فبادره بالحديث قائلًا:
في إيه؟ كل دا رن! ما قولتلك جايلك في الطريق. البت اللي جوا دي مصدعانا من الصبح، عمالة تزعق وتصرخ، وأختها كمان لما سمعتها قعدت تصوّت زيها! وانت قولت جاي من ساعة وما جِتش، نعمل معاهم إيه؟ صرخ ماجد فيه قائلًا: أوعى تقربلهم! أنا جاي في الطريق، مسافة السكة وهكون عندك. وبالفعل وصل ماجد إلى وجهته، ذلك البيت المهجور بالقرب من إحدى الطرق الصحراوية، فوجد محمد وذلك المدعو حمو جالسين في مقدمة البيت، ويحيط بهما العديد من الرجال المسلحين، ولكنه لم يسمع أي صوت صادر من الغرف المحتجزة بهما الفتاتان، فقال بلهفة:
أنا مش سامع صوت للبنات ليه؟ أجابه حمو قائلًا: لأ، مفيش، أصلهم صدّعونا، فخوفناهم شوية عشان يسكتوا. ذُعِر ماجد من حديثه، فأمسكه من تلابيبه صارخًا في وجهه: عملت فيهم إيه يا حيوان؟ أنا مش قولت محدش يقرب منهم! دفعه حمو وقال بصوته الجهوري: إنت هتمد إيدك عليا يا حيلتها؟ لا، بقولك إيه، دا أنا أدفــ,,ـنك هنا! ارتعب ماجد من مظهر ذلك المجرم، وقد تأكد أنه ارتكب خطأً كبيرًا حين وثق بهؤلاء الأوغاد. ثم توجه إلى الغرفة المحتجز بها كارما، فصُعق مما رآه؛ فقد كان خدّها متورمًا وكانت ترتجف من شدة الرعب، فيبدو أن أحد هؤلاء الأوغاد قد صفعها.
جنّ جنونه وخرج ثانيةً ليهاجم ذلك المجرم حمو، ولكمه لكمة عنيفة أطاحت به ليسقط أرضًا، ثم أخذ ينهال عليه بالضــ,,ـرب حتى تطاير الدم من فمه. وما إن كاد يوجه له الضــ,,ـربة القاضية حتى فوجئ بضــ,,ـربة مفاجئة على رأسه من الخلف؛ فقد كان محمد في الحمّام وخرج على صوت الشجار، فلما رأى ماجد على وشك ــ,,ـ حمو، ضــ,,ـربه بالمطرقة على رأسه لإنقاذ صديقه. نظر محمد إلى ماجد بخوف وقال: يا نهار ازرق! ليكون مــ,,ـات؟ قال حمو وهو يحاول الوقوف:
مــ,,ـات ولا غار في داهية، إيده طايرة ابن الكلب! ساعده محمد وغسل وجهه بالماء قائلًا: هنعمل إيه دلوقتي يا حمو؟ أجابه ذلك الشيطان قائلًا: إحنا نكتّف الكلب دا ونرميه في أي أوضة، ونستمتع إحنا بالمزّتين الحلوين دول. أتبع كلامه بضحكة كريهة، فأُعجب محمد بمخططه وقال بسخــ,,ـرية: على رأيك، واهو نلبّسها للعاشق الولهان دا، ونبلّغ عنه، ونخلع إحنا بالفلوس ونسيبه يلبسها هو. أيوه كده يا أبو حميد، فتح مخك معايا، هي دي الخطط ولا بلاش؟ يلا بقى، أنا هاغسل وشي وأجي أجهّز عشان أشوف المزة اللي جوه دي نظامها إيه.
كانت غرام ترتجف خوفًا على شقيقتها التي هدأ صوتها، فقد مرت الأيام الثلاثة عليهن وكأنها دهر؛ فلم تكن ترى أحدًا سوى ذلك الشخص الملثم الذي يدخل ليضع الطعام أمامها ثم يخرج دون أن يتفوه بحرف واحد. كانت تصرخ وتصرخ على أمل أن يسمعها أحد، ولكن دون جدوى. وكانت كارما ما إن تسمعها تصرخ حتى تشاركها الصراخ، وأحيانًا تنادي عليها باسمها لتطمئن أنها بخير. فيأتي ذلك الكريه ويضع لاصقًا على فمها ليمنعها من الصراخ. لكن اليوم، أتى ذلك النذل وصفعها صفعة مدوية أخرستها، وجعلت الألم يشتعل في خدّها، وأوصالها ترتجف من الخوف.
خافت أكثر على أختها التي هدأ صوتها هي الأخرى، مما يدل على أنها نالت صفعة من ذلك المجرم. وعندما خُطِفت كانت قد استطاعت أن تنزع القناع عن أحدهم، وأقسمت أنها رأته من قبل، لكن ذاكرتها لا تسعفها لتتذكر أين رأته ومن يكون. كانت كارما ترتجف خوفًا عندما أتى ذلك المجرم وصفعها بوحشية، فأخذت تبكي في رعب، لكنها صُدمت حين رأت ماجد يدخل الغرفة. إذن فقد كان هو مختطفها! وهو نفسه الشخص الذي يرتدي القناع والذي كان يأتي كل يوم طوال الأيام الثلاثة الماضية، يجلس أمامها ينظر إليها بعيون يملؤها الحزن والألم دون أن يتفوه بحرف واحد مهما صرخت عليه.
كاد عقلها أن يجنّ! كيف يستطيع أن يفعل بها هذا؟ ويختطفها هي وشقيقتها ويحجزهما بتلك الطريقة غير الآدمية؟ لكنها لم تصل إلى إجابات بعد، لتتفاجأ بأحدهم يُلقي ماجد بجانبها وهو مقيّد وفــ,,ـاقد الوعي، فبدأت دموعها بالهطول. إذن، ماجد أصبح أسيرًا مثلها، وأصبحوا جميعًا تحت قــ,,ـبضة هؤلاء المجرمين. كانت غرام تبكي وتتضرع إلى الله أن يزيل ذلك الكابوس، وتعود هي وشقيقتها سالمتين إلى بيتهما، فإذا بذلك المدعو حمو يقتحم غرفتها وينظر إليها بنظرات يملؤها الشهوة، فازداد رعبها.
أخذ يتقدم منها ببطء حتى صار على بعد سنتيمترات قليلة منها، فقالت بصراخ: ابعد عني يا حيوان! إنت عايز مني إيه؟ قهقه حمو ضحكة كريهة تشمئز لها النفوس، وقال بمكر: إحنا هننبسط مع بعض شوية يا قطة. وما إن أنهى كلمــ,,ـاته حتى تقدم منها، فأخذت تصرخ رعبًا من مظهره المقزز ونواياه الخبيثة، فوصل صوتها إلى كارما التي شعرت بالخوف الشديد على شقيقتها، وأخذت تصرخ وتصرخ حتى جرحت حنجرتها، على أمل أن يسمعها أحد… *********** كانت السيارات قد وصلت إلى أقرب نقطة من ذلك البيت المهجور، لكنها توقفت خوفًا من أن يكشفهم هؤلاء المجرمون.
قام يوسف بأمر رجاله بتطويق المكان، وأرسل بعضهم ليتقدّموا زحفًا لمعاينة الموقع ورؤية عدد الرجال الموجودين، كما أخبر عليًّا بأن تتأهّب القوات في انتظار إشارة منه. ترجّل الأربعة، وكلٌّ منهم يمسك سلاحه الخاص، حتى عاد رجال يوسف وأخبروهم بأن هناك رجلين يقفان بأسلحتهما عند مقدّمة المنزل، وآخرين في الخلف، وأنهم سمعوا صراخ الفتيات. فانتفضت القلوب رعبًا مما قد يُقدِم عليه هؤلاء المجرمون، فانقسموا إلى فريقين: يوسف وأدهم من الجهة الخلفية، وعلي ومازن من الجهة الأمامية، تُحاوطهم القوات من جميع الاتجاهات.
ومع كل خطوة كان أدهم يتقدّمها، ويصل إلى مسامعه صراخها، كان يتمزّق داخليًا ويدعو الله أن يحفظها له، متوعِّدًا هؤلاء الأوغاد بأقسى أنواع العقاب. أسرع في خطواته تزامنًا مع علوّ صرخاتها، ليوقفه يوسف قائلًا بصوت حاد ولكن خفيض: اهدأ شوية يا أدهم، إنت كده هتكشفنا، وده ممكن يكون خطر على حياتهم. قاطعه أدهم غاضبًا، وقد كانت كل خلية في جسده تحترق رعبًا عليها: أهدى إزاي؟! مش سامع صوتها بتصرخ؟! أجابه يوسف مطمئنًا إياه: إن شاء الله هننقذهم، متقلقش.
أنهى يوسف كلمــ,,ـاته، ثم ألقى حجرًا ليلفت انتباه ذلك الذي كان يقف حارسًا للمكان ممسكًا بسلاحه، فتقدّم الحارس تجاه مصـ,,ـدر الصوت، فباغته يوسف بلكمة في منتصف رأسه، وكسر عنقه فسقط صريعًا في الحال. أما أدهم، فقد فاجأ الآخر الذي كان يعطيهم ظهره، فضــ,,ـربه بمؤخرة سلاحه فوق رأسه عدة ضــ,,ـربات أفقدته وعيه. وكذلك فعل عليّ مع الحارس في الجهة الأخرى، ومازن أيضًا الذي أخذ يلكم الحارس الأخير حتى آلمته قــ,,ـبضته، فقد كان يفرّغ غضــ,,ـبه في وجه ذلك القذر.
تقدّم أدهم، يقوده قلبه نحو صوت محبوبته، وكسر باب الغرفة ليجد ذلك الحيوان يحاول الاعتــ,,ـداء عليها، فجنّ جنونه وانقضّ عليه، ينهال عليه باللكمــ,,ـات أمام نظرات غرام المرتعبة، التي لم تصدّق أنه استطاع التدخّل في الوقت المناسب. لكن اتسعت عيناها ما إن لمحت القادم نحوهم وهو يحمل مسدسًا في يده، ليدفعها قلبها إلى الصراخ قائلة: حاسب يا أدهم!