هيام بانفعال
_ كمان. والله ما لينا دعوة بالبت دي. تتطلق ولا تتصلح بعيد عننا. مرارة الخذلان كانت قاسية ولكنها جعلته أشد صلابة من السابق لذا بدا جامدًا للحد الذي كان مُدهشًا لجابر وهو يستمع إليه حين قال بجفاء
_ ليه يا هيام ؟ تعرف جيداً ما يجيش بصدره و ما يُخفيه خلف تلك النظرات الجامدة، فهي الوحيدة التي شهدت على لحظات ضعفه و ألمه التي حولته إلى هذا الرجل لذا هتفت بغضب
_ من غير ليه . البت دي ملناش دعوة بيها و خلاص
لأول مرة كان مُجبر أن يقسو عليها فتحدث بنبرة حادة
_ عقل أختك يا ياسر و عرفها أننا مبندخلش مشاكلنا الشخصية في الأمور اللي زي دي. _ جابر. هكذا هتفت هيام بصدمة من حديثه ليُقاطعها ياسر بنبرة جافة
_ هيام عاقلة و عارفة الكلام دا كويس، و هي زيها زي غيرها من اللي بنقعد في قعداتهم. تصبحوا على خير. غادر ياسر تاركهم خلفه لتلتفت هيام ناظره إلى جابر بعتب تجلى في نبرتها حين قالت
_ كدا بردو يا جابر! يهون عليك ياسر!
الموقف برمته لا يُعجبه لذا قال بنبرة حادة بعض الشيء
_ ياسر زي ابني يا هيام و أنتِ عارفه دا، لكن مش معنى كدا اني أصغره قدام الناس. الموضوع مش هيتخبى. مسيره كان هيعرف. هيام بغضب
_كنت قولت للزفت مرزوق دا انك مالكش صالح بالقصة دي! _ ليه؟ _ يعني ايه ليه يا جابر؟ أعلن عن استفهام لن يُعجبها إجابته
_ يعني لما يسألني ليه مش عايز تقف جنب بنتي زي ما بتقف جنب الناس كلها أقوله ايه؟
لم تستطِع إجابته بلسانها، ولكن كان لعينيها رأيًا آخر حين ذرفت خوفها في عبرات لا حول لها ولا قوة، فتابع جابر بنبرة لينة
_ ياسر جدع، و راجل والموضوع دا انتهى بالنسباله من زمن. متفتحيش أنتِ في جرح طاب و تنبشي فيه من جديد. _ جرح ايه ؟ في حد متعور هنا؟ هكذا تحدث يزيد القادم من الخارج ليجد الحال غير مُبشر و الأجواء مُلبدة بالغيوم ليُشير جابر بعينيه إلى هيام العابثة فتحدث يزيد بتلقائية
_ مالها هيام؟ ايه فتحتي دماغ حد ولا ايه؟
ناظرته هيام بسخط تجلى في نبرتها حين قالت
_ لا بس ناوية. يزيد بتهكم
_ أنتِ عشان متجوزة كبير المنطقة و أخوكي دكتور قد الدنيا هتمشي تلطشي في الناس! تحدث جابر بنبرة ذات مغزى
_ هو في زي هيام في طيبة قلبها. دي عمرها ما تكسر بخاطر حد ولا ترد حد دق على بابها! يزيد باستهجان
_ ايه يوميات فاطمة كشري و عبد الغفور البرعي دي لا ارجعوا اتخانقوا أحسن. _ لا ربنا ما يجيب خناق. انا طالع انام تصبحوا على خير.
هكذا تحدث جابر وهو يتوجه إلى الأعلى و عينين هيام لازالت مُعلقة به بحزن فاقترب يزيد يتسائل بريبة
_ ايه يا هيام ؟ انتوا متخانقين ؟ هيام باختصار
_ يعني! يزيد بسخرية
_ انا حسدتكوا ولا ايه؟ _ ابعد عني الساعه دي يا يزيد انا مش فيقالك. خليني اشوف أخوك _ ماله ياسر؟ حصله حاجه. استفهم يزيد بنبرة مُتلهفة لتُجيبه هيام بأسى
_ البت اللي اسمها غنى دي. ابوها جه لجابر عشان يطلقها من جوزها، و البيه حددلهم قاعدة يوم الجمعة عشان يحل للهانم مشكلتها.
يزيد بلا مُبالاة
_ طب ايه المشكلة مش فاهم! جن جنونها من حديثه و لا مُبالاته فهتفت بغضب
_ أنت في الطراوة يا واد انت! ولا جالك زهايمر؟ _ أيوا انا بحب اقعد في الطراوة فعلا بس دا ايه علاقته بالزهايمر ؟ هكذا تحدث يزيد بهدوء اغضبها أكثر فهتفت بحنق
_ واد انت بطل استعباط. انت تطلع دلوقتي تسأله هو في دماغه يقعد في القاعدة دي ولا لا؟
كان يعلم بأنها ستطلب منه أن يفعل ذلك، و لذلك كان يحاول الهروب من هذا المأزق، ولكنها لم تيأس لذا حاول الوصول معها إلى نقطة التقاء حين قال
_ اولًا مش هيرد عليا علشان عارف انك اكيد بعتاني أسأله، و ثانيًا افرضي أنه قرر يقعد هتعملي ايه؟ _فال الله ولا فالك يقعد فين ؟ دا احنا ما صدقنا أنه نسيها. قالت جملتها الأخيرة بتحسُر، فهتف يزيد بنفاذ صبر
_ بس هو منسيهاش، وانا و أنتِ عارفين دا.
_ و انت ايه عرفك دا أن شاء الله ؟ يزيد بتهكم
_ واحد بيرفض كل العرايس اللي بتجيبيهاله من غير سبب، و بيرفض حتى أنه يذكر اسمها ومانع حد فينا ينطقه على لسانه، دا حتى مبيعديش من قدام بيتهم زي اللي بيخاف لا يلمحها، و كتر التجاهل دا اهتمام في حد ذاته. دا أي حمار يعرف الكلام دا هيستنتج أنه لسه بيحبها. تعاظم غضبها من حديثه لتهتف بحنق
_ زي سعادتك كدا ما استنتجت.
يزيد باندفاع
_ بالظبط. لم تستطِع الصمت أكثر فهتفت بغل
_ اه ياني ياما دا مُر و بيشُر. اوعى من وشي. يزيد بصدمة
_مُر و بيشُر ! بيشُر ايه مش فاهم! استني طيب. ايه المثل دا؟ لم تُجيبه بل تابعت الصعود إلى الأعلى وهي تُحدث نفسها بغضب. يا رب إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي.♥️
★★★★★★★★★ _ أنت فين يا دكتور؟ هكذا تحدثت نبيلة بغضب في الهاتف ليُجيبها عُمر الذي كان يقود سيارته بانتباه خاصةً و أن الرواق الذي كان يسير به ضيق
_ في الشارع يا ماما في حاجه؟ نبيله بحنق
_ مانا عارفة انك في الشارع مانت خلاص بقيت تخصص شوارع. عمر بسخرية
_ تسلمي يا ماما يا حبيبتي. في ايه كنتِ بتتصلي عايزة حاجه ؟ تبدلت لهجة نبيلة إلى الحنو المُصطنع حين قالت
_ ابني حبيبي وحشني قولت اتصل اقولك تيجي بدري بقالنا كتير مقعدناش مع بعض.
انكمشت ملامح عمر بعدم تصديق تجلى في نبرته حين قال
_ ابنك، و حبيبك ،و وحشتك! ماما أنتِ سخنة ولا ايه؟ دي تقريبا أعراض حمى أو شيخوخة. نبيلة بتوبيخ
_ شيخوخة أما تشيخك. مين دي اللي عندها شيخوخة ؟ انا لسه في عز شبابي يا واد. عمر بتهكم
_ ايوا كدا ارجعي أمي اللي اعرفها. انا كدا اطمنت عليكِ انك بخير. زفرت نبيلة بحنق قبل أن تتحدث بنفاذ صبر
_ قصر في الكلام يا عمر. انا عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم. متتأخرش النهاردة.
ما كاد أن يُجيبها حتى سمع صرخات استغاثة من حوله جعلت الهاتف يسقط من يديه و قام بالضغط على فرامل السيارة بقوة حتى لا يدعس تلك الفتاة التي لا يعلم من أين ظهرت ؟
ترجل من سيارته بسرعه و تجمهر المارة حول الفتاة التي من حسن حظها كان الاصطدام بسيط
_ أنتِ كويسة؟ هكذا استفهم عمر بلهفة فحدجته الفتاة بغيظ تجلى في نبرتها حين أجابته
_ كنت هبقى كويسه لو حضرتك مخبطنيش!
تفاجيء عمر كثيرًا من حديثها و نبرتها وخاصةً و أن السيارة بالكاد لمستها لذا تحدث بسخرية
_ لا أنا كدا اطمنت عليكِ. اطمن بقى على العربية اللي زمانها اتخضت لما شافتك طالعه في وشها. تفرق المارة بعد أن اطمأنوا على جميلة التي قالت بحنق
_ أنت كمان بتهزر! عمر باستنكار
_ و مهزرش ليه ؟ عليا اقساط ولا حاجه؟ زفرت بحنق قبل أن تقول بتقريع
_ ما شاء الله و كمان ظريف!
لم يكد يُجيبها حتى جاءهم صوت حاد من الخلف
_ جميلة.
التفت ناظرًا للصوت و معه الفتاة التي هرولت تجاه شقيقتها تقول بلهفة
_ انا كنت جايه في الطريق والله بس غصب عني اتأخرت بسبب الأخ. اقتربت شروق منه قائلة بنبرة مُتزنة
_ حصل اي؟
كانت عينيه تطوف فوق ملامح تلك الفتاة الجميلة ذو الشعر الأسود الحالك السواد كليل طويل لا نجوم فيه يوازي ظلــ,,ـــــمته عينيها التان يُحيط بهم سياج من الرموش الكثيفة تظلل سماءها الواسعة، بملامح رقيقة يٌميزها فم يُشبه حبات التوت، لم تكُن جميلة بدرجة كبيرة ولكن يُحيط بملامحها هالة من البراءة التي جذبت أنظاره لثوان كانت كافية لجميلة لكي تقص عليها ما حدث فتوجهت بخطوات ثابتة الى حيث يقف بعد أن اطمأنت بأن شقيقتها بخير و قالت بنبرة هادئة تُشبِهُها
_ انا بعتذر لحضرتك على أسلوب جميلة في الكلام هي بس مندفعة شويه.
هتفت جميله بحنق
_ مين دي اللي مندفعة ؟ و بالنسبة لأنه داخل زي القطر في وسط حارة مليانه بني أدمين ماشيين على رجليهم دا يتقال عليه اي؟ _ متهور! هكذا تحدث عمر بمرح مما جعل عينيها تتوسعان باندهاش فتابع حديثه الذي كان يحمل تقريع خفي
_ بس لأن حضرتك بتتكلمي بسبعين لسان مدتنيش الفرصة اني اعتذر. يبقى الغلط عند مين؟ أوشكت جميلة على الرد حتى أوقفتها شروق قائلة بجدية
_ أيا كان الغلط عند مين خلاص الموضوع خلص.
اُعجب بجديتها الجديدة كليًا عليه فحاول التصرف بسلاسه حين قال
_ طب متعرفناش بقى اسمك ايه؟ باغتته حين قالت بنفس لهجتها دون أن تتغير ملامحها
_ عن اذنك. أنهت جملتها و التفتت تحاوط كتف شقيقتها و تغادر دون أن تفكر حتى بالالتفات إلى الوراء ليشعر بالحرج يغمره من تصرفها فأخذ يتلفت يمينًا و يسارًا قبل أن يقول بسخرية
_ الحمد لله اني جاي لوحدي، كان زماني طلعت على الفضائيات دلوقتي. الهيبة لسه مكانها يا واد يا عمر.
أنهى جملته و توجه إلى سيارته فوجد هاتفه يرن فالتقطه مُجيبًا بنفاذ صبر
_ بيتكوا فين يا أبني ؟ انا كان هيتفرشلي الملاية من شويه. الله يخربيت دا مشوار. أجابه ياسر على الطرف الآخر
_ اوصفلي أنت فين بالظبط وانا هطلعلك.
أخذ عمر يصف له المكان المتواجد به ليغلق الهاتف وهو يتوجه إلى الخارج يتمنى لو لا يلتقي بشقيقته حتى لا تُثير ذلك الموضوع الشائك مرة أخرى، ولحسن حظه فقد تحققت أمنيته، ولكن القدر له رأيًا آخر فحين كان يقود سيارته متوجهًا إلى حيث ينتظره عمر تفاجيء حين وجد سيارة ذلك الرجل الذي ظفر بامتلاك أثمن أمنياته في هذه الحياة وهو يتوجه إلى طريق تمنى لو سار به و لو كان مفروش بالجمرات.
تنهيدة حارة شقت جوفه، و ابتسامة ساخرة غزت ملامحه وهو يتمنى لو يعود للخلف و يخبر شقيقته بأن لا تقلق فالزوج المُحِب جاء ليُراضي زوجته.
في السابق كان ينعيها بالبكاء ولكن الآن أبى كبرياؤه عليه أن يفعلها فتحجرت الدماء في عينيه لتتفجر بهم شرايين الغضب فكان وكأنهم جمرتين من لُظى الجحيم.
أوقف سيارته ليتوجه إلى عمر الذي كان يستند بجسده فوق مقدمة السيارة و يلهو بهاتفه و ما أن رأى ياسر حتى استقبله بحفاوة وهو يقول بشوق
_ ياسور. واحشني يا باشا. حاول ياسر تجاهل انين قلبه و عانقه بقوة وهو يقول بشوق
_ وانت كمان يا عمر. عامل ايه يا غالي؟
_ الحمد لله. طمني عليك أنت عامل ايه؟ ياسر بهدوء
_ في نعمة الحمد لله . أخذ الصديقان يتبادلان أطراف الحديث لبعض الوقت الى أن استفهم عمر قائلًا
_ مفكرتش بردو تنزل الصعيد ؟ ياسر بتهكُم تشوبه المرارة
_ هنزل ليه ولمين؟ عمر بتفكير
_ مش لحد معين. بس دول أهلك بردو يا ياسر، و دي بلدك. انت اكتر حد فينا كنت مرتبط بيها و بجدي الله يرحمه.
كان كما لو أن القدر اقسم أن يُذكره بجميع خيباته دفعة واحدة ليحاول قمع حزنه قدر الإمكان يستبدله بالجفاء الذي خالط لهجته حين قال
_ اديك قولت كنت. انما دلوقتي انا ابن المكان دا، و الناس دول هما أهلي. هما اللي كبروني و قدروني. انما اللي بتقول عليهم أهل دول أول ناس داسوا عليا وعلى ابويا الله يرحمه.
لامس الحزن والخيبة في حديثه رغمًا عن محاولاته المستميتة في اخفائهم عنه، ولكنه كان هُناك وشاهد مدى الظلــ,,ـــــم الذي وقع عليهم لذا هتف بتساؤل
_ في سؤال محيرني اوي يا ياسر. ليه عمي ربيع محاولش يدافع عن نفسه و يبرأها من التهمة دي؟ أسوء ابتسامة يُمكن أن ترتسم على شفاه المرأ هي التي يسخر بها من حاله، و خاصةً حين تكُن البديل الوحيد أمامه لكي لا يبكي.
