Uncategorized

سطور عانقها القلب سهام صادق ١

وتابعت حديثها : الحب في وجهه نظرك تملك بالفلوس مش بالقلوب ليفيق من شروده بعد ذلك العذاب الذي يعصف به كل ليله ونهض من فراشه ليخرج الي شرفة حجرته الواسعه متنهدا بحراره مشتعله في اعماقه .. لم تطفأها الايام ولا حتي ذلك الهواء البارد ……………………………………………………… تأملت صفا الكتاب القابع بين يديها قليلاً لتقرء اسمه وتتخيل بأن كلماته حقا جميعها اليها فقط ..وأبتسمت وكأنها قد رأته هو وليس كتابه الذي يحمل أسمه عم محمود :مالك يا صفا ، عجبك الكتاب

لتتأمل صفا ذلك الكتاب قليلا حتي خرج صوتها الحالم بدعابه : نعم وجدا جدا كمان، سعره بقي كام ياعم محمود واوعي تقولي ان حتي الكُتب بقيت اسعارها فوق فوق فيبتسم “عم محمود” وقد كان رجلاً طيبً ، ثم أخذ يمسح فوق خصلات شعره التي أصابها الشيّب وسط تلك الاغلفه القديمه والحديثه من الكتب عم محمود : تسعين جنيه!! فتحدق به “صفا” مصدومة مما تفوه به ، كالطفله البلهاء التي حين يبدء والديها بأن يعلموها أحرف أسمائهم فتنظر إليهم بتعجب حتي تخرج من فمها الصغير بعد مشقه أسمائهم التي لا تنطق منها سوي حرفين وفقط

صفا: نعم قول تاني كده ياعم محمود ، الكتاب بسبعين جنيه ، لا خلاص خذ كتابك ياراجل ياطيب فهتف العم محمود ضاحكا ، واخذ يرفع من صوته : بقولك بتسعين جنيه يا صفا مش سبعين صفا : لا انا سمعته سبعين يا عم محمود ، وأنت عارف أنا سمعي عشرة علي عشرة فعادت ضحكات العم محمود تعلو مجدداً من مشاغبتها ومازحها المحبب : خدي الكتاب من غير فلوس ياصفا هو انا عندي اغلي منك ، بس هما يومين والاقي الكتاب عندي سامعه !!

ارتسمت ابتسامة واسعة علي وجه صفا ، وطالعته بأمتنان هاتفة – أنا لو عليا أشتريه ، بس أعمل إيه الحكومة عندنا في البيت حالفة لو أشتريت كتاب تاني هتولع في كل اللي عندي

لم يكف “العم محمود” عن الضحك الذي افتقده منذ زمن ، متفهما ما تعانيه من والدتها حملت الكتاب منه ، بعدما أصر علي إعطاءها له ، انصرفت من امامه سريعا ، تشعر بالشوق لتلك اللحظة التي ستختلي بها بهذا الكتاب وكاتبها المفضل ..، انتبهت علي رنين هاتفها ، فانحنت نحو حقيبتها تُخرج الهاتف منها .. لتبهت ملامحها وهي تري أسم والدتها مُفكرة بالحجة التي ستخبرها بها بسبب تأخيرها وعدم شرائها حتي الأن للخضار ومستلزمات البيت:

– يالهووي ديه بطه هتمـ,ـوتني لو عرفت إني لسا مروحتش السوق لا وكمان جيبت كتاب جديد وبقيت زي المتسولة بشحت الكُتب توقف الهاتف عن الرنين واكملت خطواتها بخطي سريعه نحو السوق حتي تشتري ما دونته لها والدتها ، ولكن فجأة تراجعت للخاف وسقط هاتفها منها تستمع لصوت أحد المارة ينهرها بصوت غاضب – مش تحسبي يا أنسه وعندما وقعت عينين الرجل نحو الكتاب الذي تحمله ، تمتم بمقت – وكمان واحده مثقفة بتاعت كتب تجاوزها الرجل حانقاً ، وقد اتسعت عينيها ذهولاً من عبارته الاخيرة ..، فاسرعت بالركض خلفه تساله عن مقصده ، فتوقف الرجل مستاءً

– مالهم المثقفين يا استاذ ، أنا مسمحش ليك بالأهانة دية رمقها الرجل بنظرة قاتلة – لا ده أنتِ شكلك واحده فاضية موركيش حاجة ثم هبط الرجل لمستواها… فاشعرها بقصر قامتها هاتفا بتهكم : ابعدي عن طريقي يا شاطرة وانصرف من أمامها … ليتركها تتأمل أعين الناظرين لها بغرابه صفا : لازم اجيب لنفسي التهزئ يعني وتقليل القيمة، استغفر الله العظيم
……………………… عادت “صفا” لمنزلها بملامح متعبة ، مسحت حبات العرق فوق جبهتها بعدما وضعت الأغراض جانباً تهتف باسم والدتها وقد خرجت للتو إليها ، تلتقط الأغراض وتتأكد من جلبها لكل شئ دونته لها

– أول مره تجيبي كل حاجة طلبتها منك ، من غير ما تنسي غرضين رفعت “صفا” يدها كتحية تؤدي بها التمام لها، وتهتف بنبرة مازحة تشيط والدتها منها – أوامر السيدة “فاطمة” لازم تنفذ بالحرف ، هو أحنا عندنا كام بطه واسرعت في الاقتراب منها ، تلثم خدها بقبلة أزادت والدتها حنقاً ، فدفعتها عنها – بت أنتِ بلاش الشغل بتاعك ده ، أنا واثفة إن ورا الكام كلمة الحلوين حاجة تراجعت “صفا” للخلف قليلاً ، تحك خدها ، فتركتها السيدة “فاطمة” في وقفتها واتجهت نحو المطبخ لتُكمل طهي طبختها هاتفة

– حصليني علي المطبخ ، وطلبك مرفوض قبل ما تطلبيه يا صفا ………… أبهرها ذكاءه و وسامته ..، أرادت أثبات حضورها أمامها حتي تلفت نظره ، ولكنه كان كلما ناقشته في شئ يخص العمل ..، يُجيبها ببضعة كلمات منهياً الحديث .. ليتعمق في حديثه أكثر مع والدها أنتبه “عاصم” نحو تلك النظرات التي اطربت قلبه ، فعلي ما يبدو إنه سيجني صفقة أخري مع السيد “محسن” ، أنتهي الأجتماع أخيراً .. فزفر “احمد” أنفاسه بأرهاق ..، فالعمل علي هذا المشروع يتطلب جهداً كبيراً ، اراد المغادرة بعدما أنصرف الجالسين ولم يبقي إلا السيد “محسن” وابنته “فريدة”

– احمد هتف بها “عامر” بعدما وجد شقيقه يُغادر الغرفة ..، التف “احمد” إليه بنظرات متسائله..، فابتسم “عامر” وهو يُقدم إليه “فريدة” بطريقة أخري – بشمهندسه فريدة بنت محسن بيه لم يكن يحتاج لتوضيح أكثر عن هوية الجالسة ، فاستطرد “عاصم” في توضيحه وإلقاء علي مسمعه مزايا الجالسة – هتكون معاك في كل خطوة في المشروع ، اتمني تتفقوا علي كل حاجة ثم اردف مازحاً ، ينظر نحو السيد “محسن” – أنا ومحسن بيه هنكون مجرد مشرفين علي المشروع ده ، ولا أنت إيه رأيك يا محسن بيه

– طبعا ، طبعا يا عاصم بيه – أنا متحمسة جداً للمشروع ده هتفت “فريدة”عبارتها بحماس حقيقي ، فتنحنح “احمد” بعدما شعر بسعي شقيقه وراء شئ يجهله – لكن أنسه “فريدة” متوقعش هتحب الأشراف علي الشغل في الصحرا انتقلت عينين “محسن” نحو ابنته ، وقبل أن يهتف “عامر” بشئ .. نهضت هي تسير نحوه بخطوات واثقة – جربني الأول واحكم يا بشمهندس ، وعلي فكرة أنا بنسي خالص في الشغل إني البنت غنية

لا ينكر إنه راقه حديثها بل أعجبه ، مدّت إليه كفها كي تصافحها ، فابتسم “احمد” والتقط كفها مصافحاً ونظرات كلا من “عاصم” و “محسن” تخترقهما في أمل ………. مضغت طعامها ببطء ، تُفكر في كيفية إقناع والدتها لحضور حفل زفاف رفيقتها ، لم تكن السيدة “فاطمه” من الأمهات اللاتي يعطون بناتهن السماح بالخروج كثيراً والأختلاط بالناس خشية عليها ، فهي أبنتها الوحيدة ولم تنجب غيرها .. طالع والدها شرودها ،فابتسم بعدما تناول قطعة الخبز وغمسها بطبقه

– مش عوايدك يا صفا ، تقعدي ساكته وإحنا بناكل طالعت السيده “فاطمة” زوجها وأبنتها فهتفت مازحه – سكوتها ده ورا حاجة لم تمهلهم المزيد من الوقت في التفكير ، بما تفكر به فهتفت علي الفور – معزومة علي فرح صاحبتي يا ماما ، وأنتِ زي العادة مش هتوافقي القت عبارتها ، ونهضت عن جلستها ..، حيث يتناولون الطعام ملتفين حول طرابيزة قصيرة الأرجل ، طالع والدها الفراغ الذي خلفته خلفها صغيرة متنهداً – كفاية حبسة للبنت يا فاطمة ، البنت بقي كل علامها الكتب ..، إحنا كده بنظلمها

– من خوفي عليها يا حاج هتفت بها السيدة “فاطمة” ، فنهض هو الأخر وهاتفاً – مسيرها في يوم هتواجه الدنيا لوحدها يا فاطمة ، مش هنعيش ليها طول العمر ………. وعلي طاولة طعام أخري أكثر فخامة ولكنها تفتقر دفئ الحديث ، كان يتناول “عاصم” وجبته مع شقيقه ..، تنهد “احمد” بضجر وشقيقه لا يكف عن مدح تلك التي تسمي فريدة وقد فرضها عليه شقيقه – هنفضل طول العشا ، مش بنتكلم غير عن فريدة بنت محسن باشا

ابتسم “عامر” وهو يري حنق شقيقه ، ثم تناول كأس الماء يرتشف منه القليل – البنت تستاهل المدح ولا أنت رأيك إيه – هي فعلا هايلة يا عامر، لكن اوعي تحلم بشئ زيادة القي “احمد” عبارته الأخيرة ، ناهضاً عن مقعده .. ينظر نحو ملامح شقيقه التي تجمدت وكأنه لم يكن ينتظر منه هذا الحديث ………

اختلت بنفسها داخل غرفتها حزينة علي حالها من رفض والدتها الدائم لكل شئ ، مُعلله أن هذا نابع من خوفها عليها ..،تعلقت عيناها بالكتاب الذي أعطاه لها “العم محمود” اليوم ..فأخذها الشوق نحو العالم الذي تجد به روحها ، وفور أن التقطته لم تشعر بحالها إلا وهي تستكين بين ثنايا سطوره وتذيب روحها مع كلماته ، غرقت في عالمها المنفرد تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة ، ثم رفعت عيناها عن صفحات الكتاب ، وتعالت تنهيداتها حانقة من حالها وهي تُحادث نفسها

صفا: جنه طلع معاها حق ، انا شكلي أدمنتك ومش هخف من أدمانك فاقت من حالتها علي صوت طرقات فوق باب غرفتها ثم دلوفها للغرفة ، وفور أن وقعت عينيها نحو الكتاب الذي تحتضن أبنته هتفت حانقة فاطمه : يابنتي ياحببتي ، الكتب الي بتشتريها ديه هي اللي لسعتلك دماغك ، اكتر ما أنتي لاسعه قومي معايا أتعلمي كام طبخه صدقيني هتفيدك ، مش عيب علطولك ده لما تكون بنت في سنك ولسا متعلمتش ازاي تطبخ ، ده اللي قدك اتجوزوا وخلفوا

أسترسلت والدتها في محاضرتها اليومية كالعادة ، حتي إنها اصبحت تحفظها: خضتيني يابطه فاطمه : بطه في عينك ، انا فعلا معرفتش أربيكي واردفت السيدة “فاطمة” بعدما جلست فوق الفراش ترثي حالها ببكاء مصطنع : اه يا أخرة صبرك يافاطمه ، بنتك الوحيده اللي مالكيش غيرها مطلعه عينك وكل عريس يتقدم ليها يا ما تطفشه من خيالها الواسع او هو يطفش لواحده ، قال ايه نفسها في راجل زي ابطال الروايات ..، أجبلها العريس الورق ده منين انا

علقت عينين “صفا” وقد فهمت أن حديث والدتها وندبها تلك اللحظه ، ينبأ بوجود عريس أخر أتي عن طريق أحد المعارف ..، وستستمر أسطوانة والدتها من الزن والندب حتي تُقابل العريس وينتهي الأمر كالعادة بالفشل : تاني ياماما ، عريس تاني وده من طرف مين المرادي .. انا قولتلك مليون مره انا مش عايزه اتجوز بالطريقه ديه ، غير انك مستعجله ليه علي جوازي انا لسا عايزه أحقق مستقبلي

تجهمت ملامح “فاطمة” وهي تستمع لعبارتها ، فعن أي مستقبل تتحدث به أبنتها ..، ومنذ أن تخرجت من كلية الهندسة “قسم الاتصالات” جلست جوارها خائبة الرجا لا تفعل شئ سوا قراءة الكتب والغوص في الخيال – مش موافقة اقابل العريس يا ماما ، وبقولها ليكي أه ، عشان متجبيش عريس تاني ومتحرجيش نفسك مع حد ازداد حنق “فاطمه” ثم نهضت تلتقط ببعض الكتب والروايات التي تتناثر علي درج مكتبها تهتف ساخره – : ما اه باين المستقبل يابنت بطني ، عايشالي في الخيال ..، متخلنيش أحلف يا صفا إني احرقهوملك

تمتمت السيدة “فاطمة” عبارتها الأخيرة بوعيد ، ولكن عندما رأت نظرتها الكسيرة ..، تراجعت وتنهدت بتعب ، فابنتها عنيده كحالها في شبابها : انا وابوكي يابنتي نفسنا نخلص من حملك لراجل يصونك .. خايفين عليكي من الدنيا وانتي ولا ليكي اخ ولا ليكي اخت وهكذا كان الحديث الذي تكسب فيها السيدة “فاطمة” قلب أبنتها وتعاطفها ، اسرعت “صفا ” في الأقتراب منها ، تضمها بقوة خوفًا من الفقد الذي تتحدث عنه والدتها

: بعيد الشر عليكم ياماما ، متقوليش كده ، انا هعمل كل اللي يريحك ولو علي الروايات والقرايه خلاص مش عايزاهم ومن بكره صدقيني هنزل أدور علي شغل .. بس بلاش الجواز اللي بطريقه ديه ياماما فابتعدت عنها السيدة “فاطمة” تنظراليها بسعادة لرضوخ ابنتها الحبيبة ، ثم أحتضنها بقوة : انا مش عايزاكي تشتغلي ، انا عايزه يبقي ليكي بيت وزوج اطمن عليكي معاه مالبثت أن انتهت من السيده “فاطمه” من عبارتها حتي تعالا رنين هاتف “صفا”

جنه : انتي طلعتي أرحم من عمتك ياصفا ، عمتك جيبالي عريس وبتقولي لازم اتجوزه .. طالعت “صفا” نظرات والدتها المحدقه ، ثم تعالا الحنق فوق ملامح وجهها وهي تستمع لضحكات أبنتها وتلك النظرة التي ترمقها بها. …………………………………………………………. انتهي العرض ،وبكده اكون وضحت ليكم كل حاجه! فتنفتح الانوار فجأه ، ونظر كل الجالسين ، وقد أخذوا يُطالعوه بعينين منبهرة لما قد عُرض من خطة لبداية فوريه في مشروعهم الذي تم توقيعه وجاء وقت البدء علي ارض الواقع، وقف عامر مصفقاً بحرارة وفخر لشقيقه

عامر :هايل يابشمهندس ، تطلع محنك ، ومخطط هندسي علي أعلي مستوي حتي جدولة الربح والتكلفه ممتازه ليجلس أحمد بإسترخاء علي مقعده كفرد من أفراد مجلس الأداره ويمد يده بالاوراق التي تخص المشروع أحمد : أنسه دينا هتوزع علي حضرتكم كل التفاصيل اللي تقدروا تقيموا بيها المشروع وينتهي أجتماعهم المغلق ،ويغادر الحاضرون قاعة الاجتماعات وهم يتهامسون ، ويبقي أحمد واقفًا يجمع اوراقه ليغادر ايضا فقترب عامر منه بسعاده : انا النهارده فخور بيك يا احمد ،وتأمل عامر ساعة يده الفاخمه بهدوء

عامر : اوعاك تنسي عشا النهارده ، مع محسن باشا وفريدة ..، وحاول تدي نفسك فرصة وتقرب من فريدة يا احمد وتنسي الماضي والماضي الذي يتحدث عنه شقيقه ، مهما مرت السنين لن يستطيع تجاوزه ..، لقد خسر محبوبته وزوجته ، خسرها قبل أن يمنحها ما تستحقه.

انت في الصفحة 2 من 12 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى