تنهد “صابر” مرهقاً ، بعدما أرهقه الحديث : – طيب نامي يا صافية عشان اشغالنا بكره نهضت “صافية” عن الفراش واتجهت نحو إضاءة الغرفة ، تُطفئ نورها ، ارتعشت يدين صفا وقد أنسابت دموعها فقد اصبحت عبأ ثقيلاً علي أسرة عمتها وزادتهم هماً فوق همهم وهي أكثر الناس علماً بحالهم صفا : انا لازم ادور علي شغل ، حتي لو هضطر أخدم في بيت البيه اللي كانوا بيتكلموا عنه ………………… – شغل إيه اللي خرجتي تدوري عليهم يا صفا ؟
تسألت عمتها بعدما عادت في الظهيرة من المزرعة التي تعمل مُرهقة ، فلم تجدها بالمنزل ..، وعندما همت بالخروج للبحث عنها وجدتها قادمة نحوها – ارجوكي يا حببتي ، خليني اشتغل اقتربت “صافيه” منها وقد ارتسم فوق ملامحها الحزن وقلة الحيله – انتي نفسك في حاجة يا بنتي ، قوليلي أجبهالك .، صدقيني مش هتأخر عليكي وسقطت دموعها وهي تتذكر شقيقها – عايزه حسن يزعل مني يا صفا اسرعت “صفا” نحوها وضمتها إليها ..، تُشاركها في بكائها
– أنا محتاجة أخرج من البيت يا عمتي ، يمكن أنسي شويه ..، انا مش عايزه اشتغل عشان الفلوس ..، انتوا مش مخليني محتاجه حاجة هكذا صنعت كذبتها ، حتي لا تشعر عمتها بقلة الحيلة وفقرها ، ولكن يجب عليها العمل حتي تصرف علي حالها فلن تظل عالقة برقبتهم طيلة العمر – لا يا صفا ، ده أنتي مهندسة يا بنتي ..، عايزه أزاي تقفي في محل هدوم – الشغل مش عيب يا عمتي ، وانتي عارفه حال البلد هنا ..، شغلها علي قدها ..، ولازم تروحي المدينة وبرضوه مافيش شغل ..
واردفت متحسرة علي السنوات الماضيه بعد تخرجها مباشرة من الجامعه ..، وكان عليها البحث عن وظيفه مهما كانت صعوبتها ..، ولكن تركت حالها لحياة الدلال جانب والديها ..، فما هذا الذي يُجبرها علي أن تتحمل اعباء العمل وصفاقة أصحابه ولكن اليوم علمت أن الظروف تُجبرنا من اجل لقمة العيش – متحوليش تقنعيني يا صفا ، عمك صابر عمره ما هيرضي يا بنتي “والسيد صابر” لم يكن حديثه مختلفاً عن عمتها ، ولكن مع إصرارها وإلحاحها أخبرها أنه سيرها لها عملاً في المزرعة يليق بمكانتها ..، كمشرفة للعمال أو في الحسابات
ابتسمت وهي تستمع لأقتراحه ، فأي شئ هي راضيه به ..، حتي لو ذهبت لمنزل ذلك السيد وعملت به كما سمعت من حديث عمتها وزوجها ليلة أمس. دلفت الغرفة التي تقيم بها مع “جنه” التي لم تعد إلي الأن من محاضراتها .. انسحب “صابر” نحو غرفته تتبعه “صافيه” وقد طالعها بنظرة قد فهمتها – لا مش معقول تكون سمعتنا ليلة أمبارح يا صابر – البنت مصممه علي الشغل يا صافيه ، ديه بقالها شهور معانا ..، اشمعنا النهارده خرجت تدور علي شغل
اتجهت “صافية” فوق الفراش المتهالك بعض الشئ ، وقد أتي عليه الزمن ..، تخفض رأسها وقد اصاب الهم قلبها – هنبهدل بنت حسن يا صابر..، اخويا مش هيرتاح في تربته جوارها “صابر” رابتًا فوق كتفها – خليها تجرب يا صافيه ، يمكن خروجها ينسيها شويه ..، واحنا مش هنعيش ليهم طول العمر .. اقتنعت بحديثه بعض الشئ ، وتسألت – وتفتكر فتحي هيوافق يشوفلها شغل ، ما أنت عارفه مطلع عنينا في الأرض – هحاول معاه يا صافيه..، صفا معاها شهادة ماشاء الله عليها ..، وانا سمعت منه بيدور علي حد يمسك الحسابات
واردف بعدما مسح فوق جبينه – بس أنتي اعمليلي كام فطيرة حلوين ، وادبحي دكرين بط ..، ما أنتي عارفه فتحي ………………………………………………………… وقف داخل غرفتها وهو يعرف إنها مستيقظة ..، توقف في سكون ينظر إليها ولكن هي كانت تشعر بها من رائحته التي عبأت رئتيها ..، إنها تشتاق له ، تشتاق لأول فرحتها .., لاول من سمعت اسمها من شفتيه ..، ابنها البكر الذي يشبه والده في كل شئ حتي في قسوته ..، تعلم بخطأها ولكان الزمن قد عاقبها فلم لا يرحمها ويغفر لها ذلتها
التمعت الدموع في عينيها ، وابتسمت وهي تهتف باسمه : ناهد : انت هنا ياعامر صح ، انا شامه ريحتك ياحبيبي وبحس بوجودك ابتلع “عامر” تلك الغصه المريرة بحلقه فهو لا يعرف لما قلبه قاسي هكذا عليها ولا يُسامح ، طالعها في صمت ..، يتأمل تفاصيل وجهها وقد اخذ الزمن الكثير من جمالها واصبحت ذابلة حاولت النهوض من فوق الفراش حتي تقترب منه وتتلمسه بيديها ، ولكن ساقيها قد خذلتها ..، اسرع نحوها يمسك ذراعيها متسائلاً بقلق
– أنتي كويسه ابتسمت وقد لمعت عيناها من السعادة رغم انطفاء نورهما – أنا كويسه يا بني رفعت كفها تلمس خده ، ولكنه كالعادة كان يحرمها مما تتمناه ، خفق قلبه بشوق ورغبة مُلحة تُخبره أن ينفض قسوته ويرتمي بحضنها ..، ولكنه لم ينسي يوماً رحيله وتخليها عنهم دون رحمه بحالهم تمتم بحديث لم يأتي من اجله ، ولكنه كان الحل الأمثل ليتخلص من شعوره – حنان بعد شهرين هتمشي ..، حبيت ابلغك ..، في اي شروط عايزاها في المرافقه الجديده
عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها ، تُحرك رأسها إليه نافية ..، استمعت لخطواته وهي يغادر ، فحاولت النهوض مجدداً واتجهت نحوه بعدما التقطت عكازها الذي يرافقها – بقيت جافي عليا اووي ياعامر ، هتفضل لحد امتي تحملني الذنب فاغمض عيناه وقد عاد الماضي ينهش قلبه وتدافقت الذكريات المريرة عليها وما عاشاه بعد هجرها لهم – الدنيا مش بتعلم بالساهل يا بني ، وانا لازم كنت أتعلم واتعلم اووي كمان ، بس صدقني انا ماليش ذنب..، ربنا بيسامح له مش قادر تسامحني
لم يتحمل سماع حديثها ، فصرخ وقد تملكه القهر ..، فقد تخلت عنه هو وشقيقه من أجل حبها لرجلاً أخر ، تخلت عن أطفالها من أجل رغباتها – يوم ما أحتاجك جانبه ، اتخليتي عنه .. اترجاكي تفضلي معاه في محنته .. بس للأسف اول كلمه قولتيهاله طلقني انا مش هقدر استحمل الفقر معاك , وفضيحة أفلاسك سنتين ألم وعذاب قضاهم علي ذكراكي وهو بيحاول يقف علي رجليه ، بيحاول يحبنا رغم أنه بيشوفك في عنينا ، خايف لواحد فينا يطلع شبهك
سقطت دموعها ، فاقترب منها وقد ايقظت حقده – ناهد هانم طبعا تسكت لحد كده ، مينفعش ..، رفعتي عليه قضيه نفقة عشان تخدي كل حقوقك وانتي عارفه ان الديون بقيت كتير ، وانه خسر كل فلوسه في صفقه طلع في الاخر عشيقك وصاحب عمره هو السبب في خسرته صدحت ضحكته ، وقد تغللت المرارة في صوته – اتجوزتي صاحبه ، كنتوا متفقين تخسروه كل فلوسه .. احتل الغضب كيانه وخرج صوته المعذب يخترق قلبها الذي كان يوماً لا يملئه حب النفس
– عيشتي حياتك معاه ، ونسيتي ولادك عشان الحب الحب العظيم اللي كنا بنتفرج عليه أنا واحمد في صوركم في المجلات تسارعت انفاسه ، وهو يتذكر تلك اللحظات التي كنت تكسر فؤاده – يمكن قدرتي ترجعي حب احمد ليكي ، لكن أنا مبنساش أراد أن يوجعها بالمزيد من الكلمات ، فمن باعت اولادها من اجله تركها بعدما لم تعد تصلح – اظن عملت اللي عليا زمان ، ورجعتك تعيشي في بيت الراجل اللي بيعتي ،عشان راجل تاني رماكي بعد ما ..
وقبل ان يُكمل عبارته ، كانت تُخبره هي بما يُريده – بعد ما بقيت كفيفه صح ، مش هو ده اللي عايز تقوله يابني … وتحركت نحو صوته ، ثم اخذت تدور بجسدها تبحث عنه في الغرفة بعد أن وقف في ركن بعيداً عنها ، منزوياً بالامه ..، استمعت لصوت زفراته القويه ..، فشعرت بما يُعانيه ، فاصابها الحزن وتوغل في أعماق قلبها ، فكم كانت امرأه بشعة لا تستحق العيش – حفرتي القهر جو قلبي
ولاحت أبتسامة حزينه علي شفتيه يتابع حديثه وهو يري بؤسها ودموعها التي أغرقت خديها – حاولت أسامحك ، لكن معرفتش واقترب منها يمنحها قربه أخيراً ، ثم أمسك كفيها المرتعشتين بوجع بعدما رأي عكازها يسقط من يدها ،التقطه يضعه في يدها، واتجه بها نحو الفراش يهتف بجمود مصطنع – تصبحي علي خير! وسار بخطي سريعة نحو باب الغرفة يفتحه هارباً من مشاعره ، التف نحوها قبل أن يُغادر ويمنحها ويمنح حاله العزله ..، تأمل معالم وجهها الحزين ، وكاد أن يعود إليها إلا أن قسوة قلبه قد غلبته , فغادر مغلقاً الباب خلفه
خطي بخطوات سريعة ، متجهاً نحو غرفة مكتبه ، فكذا هو يهرب من مشاعره ..،وسط أعماله وصفقاته .. ، أنكب فوق ملفاته ولكن تلك المرة لم يستطيع ان يهرب من ذكري اخري أقتحمت فؤاده , ليتذكر حبيبته ، التي فقدها بسبب الماضي المرسخ داخله فضحك بعمق وهو يحادث نفسه : انت فاكر نفسك انك حبيت اميره ياعامر ، انت مكنتش عايز غير حبها ليك وبس وتذكر عبارتها الأخيرة إليه قبل رحيلها من حياته، مردداً عبارتها بابتسامه ساخرة : حب التملك