تلعثمت هي:
-أصل سمعتك بتتألم وقلقت اقتربت منه بحذر تتحسس جبينه ليرفع هو عيناه المشتتة لها يطالعها عن قرب وهنا لم يتحمل وأزاح بيدها بعيدًا هادرًا بعصبية بعدها:
– قولتلك انا كويس
لتتقلص ملامحه من الألم الذي يعتري معدته من جديد ورغم ذلك جاهد أن يكون ثابت أمامها حتى أنه قال بنبرة حادة آمرة:
-روحي نامي علشان معاد بكرة لتهمم هي بعناد بعدما استشعرت كونه ليس على ما يرام:
-مش هنام واسيبك كده انت شكلك تعبان
طب قولي حاسس بأيه علشان اساعدك
-لأ…امشي هدر بها بصراخ اجفلها ورغم ذلك لم تستسلم وجثت بالأرض مقابل لفراشه وتمسكت بيده في حنان وتحدثت بنبرة راجية:
– علشان خاطري بلاش تعاند وتكابر اكتر من كده سيبني اساعدك سحب يده كالملسوع ووضعها على عينه بعدما أسقطت نبرتها الحنونة حصونه المنيعة ليستأنف بعدما هدأت نبرته قليلاً:
-معدتي بتتقطع من ساعة ما شربت الكاس اللي السمج ده أصر عليه انا اصلًا معدتي حساسة وعلى طول تعباني هزت رأسها لأنه افصح لها وتخلي عن جموده اخيرًا وهمست:
-هجبلك حاجة سخنة تشربها من تحت وهشوفلك حاجة من الصيدلية
لتحمحم بخجل بعدما والته ظهرها:
-بس بالله عليك ألبس هدومك عقبال ما اجي.
لم تنتظر رده فكانت بلمح البصر قد اختفت من أمامه أما هو شبـ . ــح ابتسامة متعبة كادت أن تغزو طرف فمه وهو يتطلع لأثرها…. بعد عدة دقائق عادت إليه وبيدها كوب ساخن وبعض الحبوب العلاجية وضعتهم على الكومود وحاولت أن تساعده أن يعدل جلسته ثم ناولته الكوب وقام بشربه ثم ناولته الحبوب بعدها ليقول هو بهدوء بعدما شعر بأهتمامها المبالغ به:
-شكرًا يافتون تعبتك روحي نامي وانا هبقى احسن
هزت رأسها برفض قاطع وقالت بإصرار:
-لأ انا مش هسيبك غير لما اطمن انك بقيت احسن لتسحب مقعد جانب فراشه وتجلس عليه وتربع ساقيها بعفوية قائلة:
– يلا غمض عينك وحاول تنام ابتسم لها بضعف وأغلق عينيه بتثاقل وسقط بالنوم دون شعور لتهيم هي به و بملامحه الساكنة بشرود تام، وبعد عدة دقائق تتنهدت بعمق و همست بخفوت لنفسها:
-شكل كلام فرحة صح و انا وقعت على بوزي وحبيتك يا يوچين بعد بعض الوقت فتح عينه بتمهل وعدل من جلسته بعدما شعر بأنه أفضل يطالعها غافية ومنكمشة على مقعدها ليتأملها لبرهة ثم يهمس بأسمها:
-فتون…
رفرفت بأهدابها بخفة حتى استفاقت مذعورة وصاحت:
-ايه اللي حصل هااا انا فين؟ – اهدي يا فتون انتِ نمتي وانتِ قاعدة ابتسمت هي براحة عندما وقع نظرها عليه وتسألت:
-انت احسن دلوقتي؟ أومأ لها بامتنان وقال:
-الحمد لله قوليلي ايه الاعشاب دى طعمها حلو وريحتني جدًا -دي خلطة سحرية كانت ماما الله يرحمها بتعملهالي لما بتعب رد صقر بنبرة هادئة:
-ربنا يرحمها شكراً يا فتون تعبتك – مفيش تعب أهم حاجة انك بقيت كويس أومأ لها بأمتنان ثم عقد حاجبيه بدهشة بعد أن لفت نظره هيئتها ليباغتها بسؤاله:
– مش ده الچاكت بتاعي؟
ضحكت فتون بخجل وتلعثمت:
-اه بتاعك بس بصراحة مش ناوية ارجعه أصل حبيته أوي وبيدفيني نظر لها بتمعن و همس بخفوت:
-ميغلاش عليكِ…بس الجو مش ساقعة ده إحنا في عز الصيف ابتسمت ببهوت ولا تعلم بماذا تخبره أتخبره بتعذيب والدها لها ودوافعها النفسية وراء شعورها الدائم بالصقيع، نفضت أفكارها ونهض قاصدة العودة لحجرتها وهي تهمهم:
-الحمد لله انك بقيت أحسن انا هروح أوضتي
تحمحم يعترض دون تفكير:
-استني خليكِ شوية انا مش جايلي نوم تعالي نقعد شوية في التراس
لم تفكر حتى و هزت رأسها بموافقة فقد شعرت بأنها لا تريد أن تبتعد إنش واحد عنه وخصوصًا بعد استرساله معها بالحديث وتخليه عن جموده. جلسوا يتسامرون ويتجاذبون أطراف الحديث برحابة فهو فاجأها كثيراً فخلف شموخه ورسميته يوجد شخصية حنونة داعمة مراعية وفوق هذا متواضعة بشدة تنهدت وهي تجول ملامحه الرجوليه بإعجاب شديد وهو مستمر بالحديث بحماس عن شركته وطموحه وأفكاره الجامحة بخصوص العمل توقفت الكلمات بحلقه بعدما لاحظ تمعنها به يطالعها بعينان دافئة تخفي الكثير هامسًا بتشتت:
– بتبصيلي كده ليه…
تحمحمت هي بحرج بعد ما تصبغت وجنتيها بحمرة الخجل:
-آسفة مش قصدي انا كنت سرحانة بس يظهر اني عايزة انام ده النهار طلع محسناش – مش كان نفسك تشوفي الشروق من هنا اديكِ شوفتيه هزت رأسها بنعم وهي تتسأل عن أي شروق يتحدث هي لم تلحظ غيره لم تزيح نظرها عنه وهل هي بذلك الغباء حتى تفوت عليها التمتع بتلك الدقائق بقربه، تنهدت بخفوت وقالت بعدما نهضت وخطت خطوتان بعيد عنه:
– تصبح على خير يا مستر صقر
أومأ لها وإن التفتت وولته ظهرها أتاهها سؤاله بغتة -كان بيقولك ايه؟ هزت رأسها واستدارت له وجاوبته بعد أن تفهمت بفطنتها من يقصد بسؤاله:
-كلام عادي نصه مجاملات سخيفة رد صقر بتفهم:
-ياريت بعد كده متجامليش حد وتفضلي قاعده في مكانك ومتتحركيش إلا بإذني ابتسمت فهي لأول مرة تستشعر أنه يكن لها شيء من المشاعر لذلك حاولت أن تسبر أغواره لعله يظهر تعلقه بها و يريحها:
– انا بشتغل معاك بشكل مؤقت متنساش اني هرجع القسم بتاعي أول ما نرجع
هز رأسه بقوة مستنكر الأمر وأردف بتسرع وهو يقترب يمسك ذراعها برفق:
-انتِ مش هتسيبيني انتِ فاهمة رقص قلبها وارتجف بين ضلوعها حتى أن بسمة مفتونة ظهرت على ثغرها، ولكنه نظر لها لبرهة واحدة كان كفيلة أن يتدارك زلفة لسانه:
-قصدي على الشغل انا اخدت عليكِ…
اندثرت بسمتها وهزت رأسها بخيبة أمل ودثرت نفسها بسترته أكثر واحتضنت جسدها بعدما تسرب إليها نسمات الصباح الباردة ليفاجأها هو عندما رفع يده دون ارادة منه وكأنه مغيب بها، يخلص تلك الخصلة الطويلة العالقة بداخل السترة ويفركها بين يده و يشملها بعيون مشتتة أربكتها لتعض على طرف شفاهها بخجل و تنحصر عينه على شفتاها ويقترب برأسه بهدوء أفقدها صوابها، زفرت هي الهواء قاصدة تهدئة وتيرة أنفاسها المتلاحقة من تأثيره عليها لتلفح جانب وجهه وعندها شعر أن جميع حصونه قد حطمت تحت قدمها، فذلك القرب المهلك بالنسبة له؛
يعد الجحيم بحد ذاته ولم يستطيع كبح رغبته أكثر مال برأسه قليلاً نحوها بعدما حاوطها بيده يريد أن يهدأ تلك النيران المندلعة به ولن يخمدها سوى ارتوائه من ثغرها.
أغمضت عيناها تحاول جاهدة أن لا تنهار بين يديه وان كادت تتلاحم شفاههم كان ذهنها وفعلها حاضر فقد أزاحت برأسها للجانب الآخر، أبتلع هو ريقه بحرج من ردة فعلها وانتفض بعيد عنها وإن كاد أن يتمتم بالأعتذار، تعالى رنين هاتفه بإلحاح ليزفر حانقًا ويتناول الهاتف وعندها تدارك فداحة فعلته الوشيكة بعد علمه بهوية المتصل، فقد هم بالخروج للشرفة ورد بأنفاس مضطربة أثر ثورته السابقة:
-فدوة عامله ايه؟
-محتاسة من غيرك انت مكلمتنيش ولا مرة وسايبني مع خالتو تستفرض بيه حرام عليك ارجع بقى -حاضر يا حبيبتي مش هتأخر – خالتو عاملة حفلة خيرية بعد بكرة وزي كل سنة عايزاك تحضرها علشان بتقول لازم نساعدها علشان الرقصة أكيد هتبقى من نصيبك زي كل مرة رد صقر ساخراً:
-والله امي دى هتجننى انا هاجي مهدود مفيش حيل للرقص و اظن بقى عازمة الاعلام كله علشان تتباهي بأعمالها الخيرية مش كده – بالظبط كده وحياتي متتأخرش يا صقر وتسيبني لوحدي
-حاضر هاجي من المطار على الحفلة علطول لا اله الا الله – محمد رسول الله توصل بالسلامة أغلق الخط وهو يستند على سور الشرفة بكفيه يلعن غبائه فأين ذهب ولائه لأبنة خالته هل سيخذلها ويكسر قلبها مرة أخرى كما فعل صديقه الغبي بها… لا لا هو لا يستطيع، نفض أفكاره بعدما تغلبت عليه ودلف إلى الداخل يطالع تلك المتخشبة بصدمة ويبدو أنها استمعت لحديثه ليهدر بعدما نفض رغبات قلبه و استرد جموده:
-واقفه كده ليه؟
-مين فدوة؟
هدرت بها بضعف ويتملكها رغبة شديدة بالبكاء أجابها بجمود بعدما أشعل سيجارة ونفث دخانها بهدوء مريب صدمها:
-بنت خالتي وخطيبتي -خطيبتك… نطقت بها بحروف ترتجف لتخرج من فمها…ليؤكد هو وكأن الأمر منطقي للغاية: -اه خطيبتي
ليتحمحم يحاول صياغة مبرر واهي لاقترابه منها:
-فتون انا…
قاطعته هي بنبرة تعكس كسرة قلبها:
-اسكت لو سمحت انت مش مجبر تفسر حاجة…عن اذنك
انصرفت بخطوات متعجلة الى غرفتها وهي تتوعد لذلك الأكمل فهي تفهمت الآن غايته من تورطها بذلك المخطط اللعين.
———————–
بعد أنتهاء يومها المشحون بالعمل جلست في أحد المطاعم المطلة على البحر بغرض تناول وجبة خفيفة تكافئ بها نفسها فقد رحل وتركها تتولى كل شيء بغيابه تنهدت بانزعاج فور تذكرها له وتلك الكلمة التي يتردد صداها بأذنها الى الآن الكلمة التي اعتقدت أنها فرصتها الثانية بالحياة؛ أصبحت كالفعل الموسوم الذي ادانها.
وهنا تمتمت لنفسها بغرور وكبرياء تمكن منها وهي تذم فمها بنزق:
-فاكر انه لما يختفي ويبعد عني هيعرف يعيش من غيري بكره هيرجع ويركع تحت رجلي علشان اسامحه على غبائه زي كل مره…قاطعها قول النادل بأحترام -تحبي تطلبي ايه يا فندم؟ نظرت له بأهتمام وإن همت للطلب قاطعهم نبرة رجولية مميزة تعرفها:
-هتلها ستيك واستأنف بعدما جلس على الطاولة مقابل لها:
– ياريت انا كمان زيها طالعته بذهول لأقتحامه خلوتها واستطردت بتذمر:
-انت بترقبني يا مازن عرفت منين اني هنا؟
ضحك بمكر وأجابها:
-حبيبتي دي صدفة انتِ ناسية أن المطعم ده ليه ذكريات معايا عقدت حاجبيها بعدم استيعاب وهي تجول المكان بزيتونتها فعلاً هو محق هنا كانا يلتقيان ولكنها تناست الأمر من كثرة ما اعتادت على زيارة المكان، فقد انتفضت متأففة عازمة المغادرة:
-اففف بقى انا ماشية وقف أمامها وهدر بتوسل:
-اقعدي يا مي عايز اتكلم معاكِ اديني فرصة واحدة بس هزت رأسها بعدم اقتناع وردت:
– مينفعش بعد كل السنين دي ليعقب هو:
-ليه انا عرفت انك اتطلقتي
شهقت هي بصدمة:
-انت عرفت منين! ابتسم بخـ . بث وقال:
-مفيش حاجة بتستخبى عرفت المستشفى كلها ملاحظين وملهمش سيرة غيركم
علشان هاشم عمره ما غاب كده هزت رأسها وهدرت بسأم:
-وانت كنت في المستشفى بتعمل ايه إن شاء الله تحمحم وهو يجذبها لتجلس من جديد:
-كان نفسي اكلمك واطمن عليكِ بس ملقتكيش واخر ما زهقت أقعدت تحت بيتك لغاية ما شوفتك النهاردة الصبح ليستأنف وهو يدعي الأسف:
– انا آسف على اللي حصل الصبح بس أنتِ عصبتيني
ردت هي بإندفاع:
-انت بتستغل الموقف لصالحك مش كده؟ عايز مني ايه يا مازن؟ انت عارفني مبعرفش اذوق الكلام و مبحبش اللف والدوران ابتسم مازن بهدوء وهو يسبل أهدابه قائلًا:
-ارجعيلي ونتجوز بعد ما عدتك تخلص ابتسمت ساخرة وهدرت بكبرياء:
-هو انت فاكرني تحت امرك ولا ايه مش موافقة طبعاً أجابها بنبرة حادة غاضبة من رفضها وهو يطرق على الطاولة بيده:
-ليه لأ ليه ايه اللي يمنع زمان وكنت مش أد المقام لكن دلوقتي انا بقيت اغني من اهلك كلهم اللي رفضوني
حديثه آثار حنقها وتلك النبرة التي استنبطت منها حقده الدفين أشعرتها بالنفور منه، فقد جالت المكان بعيناها بعدما وصل إلى مسامعها الهمهمات من زبائن المطعم فصوته كان كفيل بلفت كافة الأنظار لهم، لتزفر بقوة وتنهض عازمة الذهاب دون أن تعيره أهتمام لكن قبـ . ــضة يده القوية على رسغها استوقفتها ليتحدث هو بغيظ:
-انا مش بكلمك سيباني وماشية هو انا مش مالي عينك ولا ايه؟ هدرت هي بشراسة من بين أسنانها:
-سيب إيدي يا مازن أحسنلك
هز رأسه رافضًا…لترفع سبابتها بوجهه وتتابع بنظرات قاتلة:
-لو فاكر أنك هتخوفني بصوتك وهتخليني أغير رأي بالحركات الغبية بتاعتك دي تبقى غلطان أنت عارفني كويس فبلاش تراهن عليا…
أغمض عينيه بقوة يحاول أن يتغاضى عن تهديدها له وكبت غضــ . ــبه الذي سيفسد عليه كل شيء ليسترسل
حديثة بهدوء تفنن في تصنعه يحاول إقناعها:
-انا عارف أن يمكن شعورك اتغير من ناحيتي بس علشان بعدنا عن بعض سنين
خدي وقتك وانا هستناكِ تاخدي قرار
هزت رأسها دليل على رفضها و بداخلها تشعر بالضياع لا تعلم ماذا تريد فهاهو من تملك ذكرياتها وماضيها وأفكارها التي أطاحت بزواجها يطالبها بالزواج ولكن لما تشعر بالغرابة من ذاتها لمَ تشعر انه غير مألوف بالنسبة لها لمَ تنفر منه ومن تصرفاته، وهنا تأففت بضيق ونفضت يده وغادرت بتعجل دون ابداء رفض أو قبول لحديثه، بينما تتطلع هو لآثارها وتمتم متوعدًا:
-والله لكسر مناخيرك اللي في السما دي بس اصبري عليا وزي ما وقفتي في صف اهلك وخليتهم يستقلوا بيا هدمر حياتك وطلاقك ده اول خطوة في طريقي
ليراوضه تلك الذكريات
التي كلما تذكرها يلعنها ويلعن حظه التعس وقتها فقد كانوا يدرسون سويًا وكان هو من أسرة بسيطة للغاية وكانت امه هي كل ما لديه و كل آمالها متجسدة به عندما قابل مي شعر أنها ستكون طريقه المختصر للوصول الى طموحه نظراً لثراء عائلتها وامتلاكهم تلك المشفى الاستثماري العريق لم ييأس من التملق لأبيها وطلب يدها ولكن بكل مرة كان يقابله بالرفض إلى أن عرض عليها أن يتزوجها رغمًا عنه
ويضعه أمام الأمر الواقع لكن هي رفضت بشدة حتى لا تغضــ . ــب والدها ليقرر هو السفر غير عابئ لحزن والدتها وتركها وحدها وقبل سفره بعدة أيام توفيت والدته حصرتًا عليه، نفض ذكرياته بقوة وتناول هاتفه ومتعلقاته والقى بعض النقود بأهمال على الطاولة وغادر المكان وهو يلعن حياته السابقة بكل ما فيها.
—————