الفصل التاسع
في تلك المدينة الصاخبة التي يعمها الضجيج وخاصًة في ذلك المطعم الراقي الذي تقصد حجزه بأكمله لإقامة اجتماعه به، جلس هو بشموخه ورسميته المعتادة يرتدي حلته السوداء أسفلها قميص أبيض يبرز قسمات جسده بحرفة مما جعل طلته تبدو منمقة للغاية ذات جاذبية خاصة بها.
فكان ينظر إلى ساعة يده كل دقيقة، يعلم أنه حضر مبكرًا عن الموعد ولكن ظل ينتظر مرور الدقائق بفارغ الصبر فهو يتوق لرؤيتها بذلك الثوب الذي انتقاه لها بعد عناء ليناسبها وأصر أن يكون ذو مواصفات خاصة حتى لا يلفت الأنظار لها، حانت منه بسمة هازئة على تفكيره بها يستغرب تصرفاته المتناقضة فهاهو لأول مرة يشعر أن بداخله حرب ضارية بين متطلبات قلبه وقرارات عقله الطاغية.
بعد وهلة احتبست انفاسه بصدره بعدما سقطت عينه عليها بذلك الثوب اللعين الذي توهم له أنه لا يلفت الأنظار؛
فما زادها إلا فتنة فهو يحتضن جسدها الممشوق بشكل متناسق شل عقله، وما زاد الأمر سوءٍ عليه هو رفعها لخصلاتها على هيئة ذيل حصان ليكشف عن عنقها بشكل مغري للغاية، لوهلة شعر أنه يود أن يتناسى كل شيء ويدفــ . ــن رأسه بين ثنايا عنقها… ليخرس ذلك القلب اللعين بداخله و كعادته العقلانية نفض أفكاره العابثة بعيداً واخذ يمرر يده على ذقنه برزانة و بثبات حاول أن يتقنه متسائلًا:
-اتأخرتي ليه؟ ابتسمت بهدوء وهي تشير لساعة يدها:
-متأخرتش دي لسه سبعة إلا عشر دقايق
تنهد وازاح رأسه عنها
لتشاكسه هي:
-على فكرة شكلك مش حلو عقد حاجبيه بدهشة لتستأنف هي:
-قصدي…وانت مكشر… ابتسم على الأقل علشان ضيوفك استمر على ثباته دون رد حتى أنه اشعل سيجاره كي ينفث به ما يختلج بصدره من حرب موقدة.
لتتنهد هي بيأس وتقول:
-على العموم شكرًا على الفستان ذوقك حلو
شملها بنظراته وأكتفى بهز رأسه ثم حثها على الجلوس، لتتنهد وتنصاع له دون حديث
فقد دام صمتهم لثوانِ لحين كسره وصول أعضاء اجتماعه المنشود.
فقد استقبلهم برحابة واهتمام وشاركته هي الترحاب بهم برسمية فكانوا ثلاث اشخاص من بينهم مترجم لهم نظرًا أنهم لا يتحدثون سوى الانجليزية
ليتحدث أحدهم ويدعى مارك :
We were pleased to meet with you as you seem to say about you and is committed to respecting deadlines
(لقد اسعدنا ان نجتمع معك فيبدو انه كما يقال عنك أنك ملتزم وتحترم المواعيد
أجاب صقر بإمتنان وعملية وهو يؤشر للمترجم أنه من سيقود الحديث :
It is my pleasure to cooperate with me and with my compan
( من دواعي سروري تعاونكم معي و مع شركتي)
ليستأنف الآخر ويدعى ستيف وهو يرمق فتون بإعجاب واضح: Your wife and beautiful suits you
(زوجتك جميلة و تلائمك)جمدت نظراته عليها بمشاعر متضاربة لا يعلم ماهيتها وهي تفرك يدها و تستمع لحديثهم بأهتمام ليتحمحم ويستأنف بثبات:It’s not my wife only assistant
(ليست زوجتي انها فقط مساعدتي)
ليضحك ستيف ويخبره بدعابة:
Sorry but your looks so excited me so that I almost called the Vatnh sqr
(عذرًا لكن نظراتك اشعرتني بذلك حتى كدت أن أطلق عليها فاتنة صقر)
تشابكت نظراتهم لثوانِ معدودة بارتباك بَين بعدما تفوه ستيف بذلك اللقب ليحمحم صقر وهو يحاول أن لا يتخلى عن رسميته :Be better to talk about the work so as not to waste time
(يكون من الأفضل أن نتــ. ــحدث بخصوص العمل حتى لا نهدر وقتنا ) رمقته بغيظ بعدما تفهمت حديثه لتزيح برأسها وهي تتمتم بخفوت من بين اسنانها:
-مغرور أوي…والله ستيف ده بيفهم عنه لتتسع عيناها بمفاجأة عندما وقعت عينها على ذلك البغيض خاصة الصباح يتقدم منهم ويغمز لها بوقاحة تأففت بضيق وعدلت جلستها تتابع ترتيب الأوراق خاصة الاجتماع
لحين قاطعهم وصوله الى طاولتهم فهو يكون الطرف الثالث
باجتماعهم ليعتذر بلباقة عكس طباعة الفذة، ويجلس بجوارها
تنهدت هي وقلبت عيناها بسأم وهي تلعنه بسرها بعدما شعرت أنه تعمد الألتصاق بجانبها وبعد بعض الوقت
ظلو يتناقشون ويتبادلون أطراف الحديث بعملية حتى انتهى اجتماعهم الذي لم يخلو من تراشق النظرات الحادة بين صقر وفهد ليتحدث فهد بغلظة وهو يرمق الآخر بخـ . بث:
-لازم نشرب toast احتفالًا بلامتنة الحلوة لم ينتظر رد أحد وأشار للنادل بإحضار الخمر
بينما تجهمت ملامح صقر من طلبه الغير مستحب بالنسبة له فهو لا يحتسي المشروب بتاتًا لذلك تحمحم بحرج والنادل يسكب له:
-انا مبشربش
ابتسم فهد بخـ . بث بَين وتهكم:
-معقولة برضو مش هترحب بضيوفك عيب يا صقر بيه دى عندهم اسمها قلة تقدير هو انا اللي هقولك…
ابتسم له بأقتضاب فهو على يقين تام أنه يتعمد أن يحرجه أمامهم فقد أمسك كأسه وارتشف منه رشفة واحدة وابقاه بيده، ليتحدث بنبرة آمرة للنادل الذي يتوجه نحوها وكاد أن يسكب لها مثلهم:
– هي مش هتشرب هاتلها عصير ابتسمت له بأمتنان انه تدارك الموقف دون حرج.
أومأ لها ببرود وباشر الحديث مع البقية…ليستغل فهد إنشغال صقر بالحديث و يميل برأسه يهمس لها:
– مش هعدي اللي عملتيه الصبح رفعت فتون حاجبها بتذمر وهمست بخفوت حتى لاتلفت النظر لحديثهم الجانبي:
-تستاهل علشان تحرم تتمادى
ابتسم فهد بخـ . بث وهدر بخفوت مشابه:
-طب ايه رأيك لو مقومتيش رقصتي معايا وهوريكِ بقى التمادي بيبقى أزاي يا قطة ابتلعت ريقها بتوتر وهي تلاحظ عيون صقر تتابعهم لتزيح برأسها تلعن ذلك الفهد في حين هدر صقر من بين اسنانه موجه حديثه ل فهد:
-لو في حاجة عايز تستفسر عليها اسألني احسن…ابتسم الآخر بمكر وأضاف بنبرة متبجحة استفزت الآخر:
– لا انا كنت بقول نقوم نرقص
رفق قوله بفعله أن نهض وهو يغلق ازرار حلته ومد لها يده لتشاركه الرقص تبادلت النظرات بينهم بضياع تنتظر أن يعترض لكن نظراته كانت مبهمة لم تتفهم منها شيء، شهقت بخفوت بعدما جذبها فهد لمستواه وهمس من بين اسنانه ببسمة سمجة للغاية:
– عيب لما تكسفيني قدامهم تناوبت النظرات بينهم لترى عيون الجميع تتربص بها وخاصًة ذلك المغرور الذي لم يكلف ذاته ويخلصها منه وكأنه لا يهمه أمرها… لذلك هزت رأسها ببسمة مغتاظة وتوجهت معه إلى حلبة الرقص تاركين خلفهم صقر الذي يجاهد على ثباته وابتسامته المجاملة وهو يطالعهم يتمايلون على أنغام تلك الموسيقى الهادئة.
فقد احتضن فهد خصرها بحميمية غير عابئ بتأفأها وامتعاض وجهها وهمس:
-اضحكي عيب بيتفرجوا علينا ما تبوظيش برستيچي قدامهم لتبتسم فتون بإصفرار وتهدر بجوار أذنه بشراسة:
– ابعد شوية أحسن تلاقي ضــ . ـربة تحت الحزام …مش تقضي على برستيچك لأ على رجولتك كمان ضحك فهد بملء صوته الرجولي على شراستها وثقتها الزائدة بنفسها ليرفع حاجبيه باستمتاع ويهمس:
-رغم شراستك لكن عجبتيني بمــ . ــوت انا في الستات الجامدة نظرت له شذرًا وبملامح متقززة تلعنه بسرها
أما عن صقر ظل يطالعهم و الدماء تندفع إلى رأسه جاهد أن يلهي نفسه عنهم لكن يشعر أن بركان ثائر وقد تفاقمت حممه برأسه فلم يشعر بذاته إلا وهو يقبـ . ــض على كأسه بغيظ ويرفعه إلى فمه يتجرعه دفعة واحدة. بعد عدة دقائق مرت عليه ببطء مميت
حمد ربه أن أفراد اجتماعه استأذنوا بالانصراف بعد اقتراحه عليهم أن يتم استضافتهم باليخت خاصته يوم غد، فقد رحبوا بدعوته بأمتنان وتبادلوا التحيات على أمل اللقاء في اليوم التالي ليتقدم فهد بعدما قطع رقصته وتحدث بعدما ألتقط عرضه المغري لهم:
-وانا مش معزوم معاهم
ابتسم بغيظ من بين اسنانه بعد أن كور يده بغضــ . ــب حتى نفرت عروقه يحاول كبح رغبته بلكمه وتحطيم رأسه:
-مظنش انك هتتبسط معانا تجهمت معالم فهد ونظر له بحقد بينما هو تابع بنبرة صارمة وهو يوجه حديثه لها:
-اتفضلي شغلنا خلص ولا تحبي تكملي السهرة مع البيه
هزت رأسها بنفي وسحبت حقيبتها واتبعته بعدما تجاهلت الآخر الذي كان ينظر لآثارهم بنظرة مسمومة لا تنبأ بالخير.
——————–
بعد يوم طويل بالعمل دلفت الى غرفتها قاصدة أن تأخذ جزء بسيط من الراحة إلا أن طرقات على باب غرفتها نبهتها أذنت للطارق بالدخول إذا بخالتها تدخل إليها:
-اتاخرتي ليه؟
– Sorry
يا خالتو بس كان عندي شغل ويدوب خلصت و همــ . ــوت وانام -عندي حفلة خيرية يوم التلات في الجمعية ومحتجاكِ انتِ وصقر علشان تساعديني وترقصي معاه زى كل سنة
تنهدت فدوة بقلة حيلة:
– انا بتحرج يا خالتو ومش بحب ابقى under the lights وكل مرة اقولك بلاش وبعدين صقر مش هنا ده مسافر من يومين ويرجع في نفس يوم الحفلة هو وصاني اقولك علشان انتِ كنتِ مشغولة بالجمعية أومأت هند بتفهم وتابعت بصيغة أمر:
-هتسمعي الكلام… من إمتى بتعارضيني يا فدوة ولو على صقر كلميه وقوليله مش هيتاخر عني ابني وانا عارفه لتستأنف بتفاخر:
– لازم الناس كلها تشوف هند هانم العزازي وهي بتسعى للخير ولازم الصورة تكمل بيكم واه أعملي حسابك فستانك انا اللي هختاره مش ناقصة حد يتكلم علينا ويقول هند العزازي خطيبة ابنها عرة وتشبه الخدامين في لبسها تنهدت فدوة بضيق من تسلط خالتها التي لا تقوى على معارضته:
-حاضر يا خالتو هعمل اللي انتِ عايزاه بس انا هلكانه ونفسي انام دلوقتي ردت هند بتحكم:
-هو النوم هيطير كلميه الأول
– حاضر بس شوية يكون خلص اجتماعه وهكلمه أومأت هند لها وانصرفت تاركة فدوة شاردة في أثرها فهي سأمت من تحكماتها الزائدة لكن شعورها بالأمتنان لها يتملكها دائمًا ويسلبها القرار .
——————–
ظل صامت يخطو بخطوات غاضبة غير عابئ أنها تتبعه إلى أن وصل أمام باب غرفته التي تجاور غرفتها تحمحمت هي بعدما فقدت الأمل من سماع صوته:
-تصبح على خير يا مستر صقر جز نواجذه ولم يعقب عليها لتسترسل من جديد:
– هو حضرتك ايه اللي مضايقك هو انا غلطت في حاجة!
أغمض صقر عينه بقوة يحاول كبح غضــ . ــبه وهو يهدر بنبرة جاهد لتكون هادئة:
-كل حاجة عملتيها النهاردة كانت غلط. عقدت هي حاجبيها بعدم فهم وقالت:
– انا مش شايفه اني عملت حاجة ده انا حتى كنت لطيفة معاهم رد صقر بغضــ . ــب من تبريرها:
– محدش طلب منك تبقي لطيفة معاهم ولا ترقصي بمياعة أجابته فتون بغيظ:
– انا مكنش ينفع اكسفه قدامهم وانا مكنتش بتمايع زي ما بتقول زئر هو بغضــ . ــب وهدر بعصبية غير مبررة:
– مبحبش المبررات وفي حاجات مبقبلش فيها نقاش الغلط عندي غلط مبعرفش اذوقه واحطه تحت بنود تانية
انفعلت هي واندفعت في الحديث:
-و انا مش مجبرة أبرر لك على فكرة انت بأي صفة محموق أوي كده اللي يشوفك يقول جوزي أو حبيبي وغيران عليا زاغت نظراته بصدمة من تهكمها الواضح فهي محقة… وهنا شعر بالخزي من مشاعره التي لم يعد يملك سُلطة عليها ليزفر بحنق وبعصبية مفرطة يدخل غرفته دون أن يعقب بشيء
انتظرت هي رده لكن لم تحصل عليه تتبعته بعيناها وهو يدخل غرفته ويغلق بابها بعنــ . ــف غير عابئ بها، لتضــ . ـرب الأرض بقدميها بغيظ من معاملته لها فهو يكاد يصيبها بالجنون احيانًا تستشعره يهتم لها ويختلس النظرات واحيانًا أخرى يتجاهلها ولا يعيرها إهتمام حتى حدته معها غير مبررة بكل مرة تحاول سبر أغواره محاولة منها استنباط شيء منه لكن دون جدوى، والآن لا تعلم سبب ضيقها أهو بسبب المخطط اللعين أَم رغبة بأنه يبادلها لو قليلاً مما تشعر به نحوه… هزت رأسها تلعن افكارها التي ستصيبها بالجنون حتمًا ثم دخلت لغرفتها.
———————-
بعد منتصف الليل بقليل ظلت تتقلب بفراشها بسأم بعدما راودتها تلك الكوابيس المعتادة التي تذكرها بقسوة ابيها عليها لتسري رعشة قوية بجسدها أرتجفت على آثرها.
نهضت بأرق تتفقد خزانتها لتجلب قطعة ملابس تشعرها بالدفء الذي تفتقده دائما ابتسمت بخجل من بين تخبط أسنانها وتلك الرائحة تتسلل لأنفها المنبعثة من سترته فهي احضرتها معها بغرض أن تعيدها له لكن في كل مرة تتراجع فهي تشعر دائمًا بدفئ واحتواء غريب عندما ترتديها، سحبتها بحذر من خزانتها واشتمت تلك الرائحة التي مازالت عالقة بها بانتشاء وبعيون مغلقة ثم ارتدتها ودثرت نفسا بها ثم عادت للفراش مرة آخرى تتحايل على النوم… وبعد مرور عدة دقائق من محاولتها تناهى إلى مسامعها همهمات متألمة لتنتبه حواسها وهي تتبع مصدر الصوت، وهنا شهقت بذعر بعدما تأكدت أن الصوت يأتي من غرفته المجاورة لها،
طرقت الباب عدة مرات متتالية لكن دون فائدة وعندما نفذ صبرها وكادت أن تصيح طالبة المساعدة فتح الباب وشهقت هي بخجل وهي تطالعه يرتدي بنطال قطني فقط وعاري الصدر و يتصبب عرقاً وخزها قلبها عندما لاحظت شحوبه وتمسكه لمعدته
لتتحدث بلهفة لم تستطيع كبحها:
-مستر صقر مالك حاسس بأيه اجيبلك دكتور تحاشاها وخطى نحو فراشه واستلقى عليه بوهن واستطرد بنبرة جاهد أن تكون ثابتة:
-انا كويس عايزة ايه؟ ايه اللي مصحيكِ لغاية دلوقتي!