الثالث عشر
ظلت تتقلب في فراشها طول الليل تنتظر سطوع الضوء بفارغ الصبر فكادت أفكارها تطيح بعقلها فقد سئمت كل شيء و رغم محاولاته العدة معها ولكن لن ينطلي عليها اسبابه الواهية لتركها فيكفي ما نالته منه من خذلان وبعد ذلك العرض الذي عرضه عليها آسر قلب موازينها وجعلها تنظر إلى حياتها من منظور آخر.
زفرت بقوة وهي تنهض من فراشها وقامت بروتينها اليومي عازمة أن تزور صديقتها وتخبرها بكل ما يؤرقها
بعد وقت قليل من وصولها إلى هناك وبعد أن تناولوا الفطور سويًا انسحبت والدتها لتتركهم بمفردهم وعندما طال صمتها هدرت مي بسأم:
-اتكلمي يا فدوة مش هنفضل طول اليوم قاعدين كده ردت هي بدهشة:
– هو باين عليا اوي كده اني عايزة اقول حاجة هزت مي رأسها بنفاذ صبر وقالت بأندفاع كعادتها:
-انتِ هتشليني يا بنتي يعني جيالي الساعة سبعة الصبح ومصحياني من احلى نومة وبتقوليلي شكلي باين عليه… اه ياستي باين…اتكلمي بقى تنهدت فدوة بعمق ثم همست مترقبة:
– أكمل يا مي برقت عين مي وهدرت متسائلة:
– مالو سي أكمل مش كنا قفلنا السيرة دي
قصت فدوة كل شيء على صديقتها وبعد أن فرغت كل ما بجعبتها صرخت مي بها بحدة اجفلتها:
– انتِ اكيد مجــ . ــنونة انتِ فرحك أخر الشهر اغمضت فدوة عيناها تحاول أن تلملم عزيمتها و قالت دفعة واحدة:
-انا مش عايزة اتجوز صقر صرخت مي بها بعدما قبـ . ــضت على ذراعها وهزتها بقوة:
-بتقولي ايه…انتِ عايزة تسيبي صقر علشان البني ادم ده انتِ محرمتيش غامت عين فدوة وفاضت بكل ما يعتمل بصدرها:
– يا مي افهميني انا مش هسيب صقر علشان أكمل انا زي ما قولتلك قبل كده وهفضل اقول لغاية أخر يوم في عمري اكمل حكايته خلصت والجرح اللي هو جرحهولي مستحيل تداويه كتر السنين…أفهميني…انا زهقت يا مي كل حاجة حواليا بتضغط عليا خالتو وتحكماتها وأكمل ومطارداته ليا وصقر وجوازي منه اللي مش قادرة اتخيل أن هيتقفل عليا انا وهو باب واحد وانا عمري ما حسيته غير اخويا الكبير انا عايزة اهرب من كل ده واشوف مستقبلي بعيد عنهم انا نفسي ابقى حاجة غير اللي هما فرضوها عليا افهميني يا مي وساعديني أخد القرار محتجاكِ تقويني مش تكسري فيا زيهم
كانت تتحدث ودمعاتها تنهمر دون انقطاع وكأنها كانت تدخرهم لسنوات من الكتمان اقتربت مي منها واحتضنتها بقوة وقالت بنبرة متفهمة:
– اعملي اللي انتِ شيفاه صح يافدوة ملكيش دعوة برغباتهم هما اعملي اللي انتِ حباه وشايفة انك هتلاقي نفسك فيه دي حياتك انتِ متسمحيش لحد انه يتحكم فيها أكتر من كده واتأكدي اني هبقى معاكِ في أي قرار تاخديه طالما بعيد عن سي أكمل ده…أومأت فدوة لها وقالت وهي تمسح عبراتها:
-انا جايلي عرض حلو أوي في باريس وحاسة أني هحقق طموحي هناك واعمل اللي مش عارفة اعمله هنا انا هكلم صقر وانا متأكدة انه هيفهمني ويدعمني
قالت مي تحاول ان تشد من أذرها :
– كلميه يافدوة انا متأكدة انه مش هيقف في طريق مستقبلك شددت فدوة اكثر من احتضانها وقالت بأمتنان:
-لو سافرت هتوحشيني يا قطر ومش هعرف اعيش من غيرك… تنهدت بعمق وقالت بنبرة يشوبها الألم والندم معًا:
-كل اللي بحبهم بيسبوني مجتش عليكِ خرجت فدوة من احضانها ونظرت لها بعدما تفهمت مغزى حديثها:
– هاشم هيرجعلك يامي ده روحه فيكِ وانتِ عارفة
ابتسمت ببهوت وهمهمت وهي تحاول أن تكون ثابتة وان لا تنهار وتزيد الأمر على صديقتها فيكفي ما بها:
– عارفة…لتستأنف مغيرة مجرى الحديث:
-عادي يادودو متشغليش بالك وبعدين في برامج كتير على Social Media نقدر نتكلم طول النهار والليل صوت وصورة كمان
يعني مش هتخلصي مني ليبتسمو الاثنان معًا بعدما عزمت فدوة وأخذت قرارها أن تخوض المعركة وتنتشل ذاتها من كل ذلك.
———————
احضرت هي قهوته الصباحية ودخلت إليه بطلتها المذهلة ترتدي فستان فيروزي يضاهي لون مياه البحر الصافية المشابهة بنقائه قلبها المتيم به ورفعت شعرها على هيئة كعكة منمقة بعدما تركت خصلاتين على وجهها لتهمهم ببسمة هادئة
بعدما طالعته منهمك بالعمل:
– صباح الخير رفع رأسه من على الورق الذي بين يديه ونظر لها بإعجاب شديد واعتلى ثغره ابتسامة رزينة مميزة حين همس:
-صباح الخير ايه الجمال ده
ليؤشر لها أن تقترب، أبتسمت بخجل و وضعت قدح القهوة على سطح المكتب ثم اقتربت من مقعده ليتمسك هو بيدها بحنان ويرفعها الى فمه و يلثمها بهدوء مهلك ويتحدث بعدما رفع عينه الدافئة لها:
-مش عارف كنت عايش ازاي من غيرك يا فتون تنهدت هي بعمق وردت بنبرة غامضة أثارت ريبته:
– ولا أنا…بجد مش عايز افتكر حتى حياتي قبلك…انت عوض ربنا ليا عن حاجات كتير أوي اتحرمت منها نهض مقابل لها وأستند بكفيه على سطح المكتب يحاصرها متسائلًا بفضول وهو لا يحيد بنظراته عنها:
-ليه دايماً بحس انك مريتي بتجارب صعبة ومأثرة فيكِ
أجابته فتون بصدق دون لحظة ترويٍ واحدة:
-انا من يوم ما شوفتك ونسيت كل حاجة وحسيت اني اتولدت من جديد اوعي تسبني يا صقر ولا تتخلى عني مهما حصل حانت منه بسمة عا .ـشقة وهمس بكل ثقة وهو يرفع خصلاتها يضعها خلف اذنها:
-ما أقدرش أسيبك ده انا روحي فيكِ ومصدقت لقيتك بعد السنين دي كلها رفعت رأسها له وتسألت بنظراتها ليبتسم هو ويستأنف:
-متستغربيش ايوة انا شوفتك من سنين أبتلعت غصة بحلقها وفرت الدماء من وجهها وتسائلت بخوف احتل تقاسيمها:
-أزاي شوفتني فين فاهمني ياصقر
استغرب ما أصابها وتسائل وهو يتحسس وجنتها:
-مالك اتخضيتي كده؟ نفت برأسها وحاولت ان تغتصب بسمة على ثغرها:
-ابدًا بس استغربت مش اكتر هز رأسه وقال مطمئنًا:
-متستغربيش وهبقى اقولك بس في الوقت المناسب أومأت له ومازال الخوف يغزو قلبها، ولكن بسمته طمئنتها بعض الشيء فهي لاتنبأ بشيء سيء يمسها…لتتنهد وتخرج من مرمى يده قائلة:
– طيب مش هعطلك اكثر من كده كمل شغلك وانا هروح على مكتبي
أعتراض هو:
– ماشي بس مش قبل ما تديني بوسة
قلبت عيناها بتذمر وقالت قاصدة التهرب :
-لأ…إحنا اتفقنا قبل كده مفيش الكلام ده رفع حاجبه بمكر وقال بثقة: -انتِ عارفة اني اقدر اكسر الاتفاق عادي بس انا محترم و بستأذنك