بعد وقت قليل توقف هو بسيارته أمام ذلك المكان القريب على قلبه ويذكره بأول لقاء جمعهم:
-يلا انزلي رمشت بأهدابها عدت مرات بعدم استيعاب وهمست بريبة:
– انت جايبني هنا ليه انا بخاف من المكان ده مد يده داعب وجنتيها وهو يشملها بدفء عيناه وقال بنبرة حنونة مطمئنة:
-متخافيش من حاجه وانا معاكِ وبعدين المكان ده ليه ذكرى عمري ما هنساها، عقدت حاجبيها باستفهام
ليستأنف هو:
-لما تنزلي هحكيلك
أومأت له بانصياع وترجلت من السيارة ليسحبها من يدها برفق ويجلس معها على مقعده الرخامي المعتاد.
ابتسمت بهدوء عندما داعبتها نسمات الهواء و تطايرت خصلاتها ليته بها فهي تبدو فاتنة بحق وعندما جال بخاطره ذلك اللقب الذي أطلقه عليها ستيف شعر أنه يناسبها كثيرًا ليتنهد في عشق وهو ينطق به:
-فاتنة صقر ألتقطت همسه وتساءلت:
-بتقول ايه؟ ابتسم بدفء وقال بعدما احتضن كفها:
– قوليلي ليه بتخافي من المكان ده
تنهدت بحزن وهي تسترجع تلك الذكرى البعيدة:
– بعد وفـ . ـاه ماما الدنيا اتقفلت في وشي وحسيت اني مش هعرف اعيش من غيرها فا فكرت أروح لها وأرتاح…وكنت عايزة امــ . ــوت نفسي
تنهد بتثاقل وهو لا يحيد بنظره عن عيناها يحثها أن تستأنف
لتسترسل هي بحزن:
– بس في حد منعني ومفتكرتش حاجة بعدها و تاني يوم لقيت نفسي في مستشفى ومعرفتش ايه اللي حصل ولا مين اللي وداني كل اللي فكراه اني جريت على البيت بعدها
ابتسم وتسائل بنبرة هادئة:
-واللي منعك ده منعك أزاي متفتكريش تنهدت وهي تحاول اعتصار عقلها:
-مسكني جامد وقعد يطمني
وقالي اني ادعيلها بالرحمة وانه حرام أمــ . ــوت كافرة وكمان خوفني لما قالي………قاطعها هو:
-المــ . ــوتة مش حلوة والميا هتلاقيها تلج.. عقدت حاجبيها بذهول وتمتمت:
-عرفت منين؟
رفع عينه لها وهو يزيح خصلاتها التي تتناثر مع الهواء و يضعها خلف أُذنها واستأنف بنبرة عا .ـشقة:
-كان المطر مغرق الدنيا نزلت من عربيتي واتمشيت، لقيت بنت بلآلئ فضي خطفت قلبي
و حسيت أن الزمن وقف بيا لما وقعت في حــ . ــضني وكنت هتجنن لما رجعت المستشفى وملقتهاش ومن يومها وانا ما نسيتهاش ولما ببقى مخنوق باجي هنا علشان المكان ده بيفكرني بيها
لغاية ما شوفتها تاني وحسيت أن روحي رجعتلي تاني…
كانت تستمع له ودمعاتها تتسابق على وجنتها لا تصدق انه هو من أنقذها يومها:
– انا مش مصدقة علشان كده حسيت ان صوتك مش غريب عني وكنت بحس اني سمعته قبل كده بيطمني…ده كان انت ياصقر قاطعها صقر بنبرة تفيض بعشقه لها:
-انا وانتِ قدر بعض يافتون ابتسمت بسمة ممزقة رغم دموعها التي تغرق وجهها وتمتمت وهي تشعر بقلبها يتلوى بين ضلوعها من فكرة فقط خسارته:
– انا بحبك اوي يا صقر اوعدني انك متتخلاش عني اوعدني انك متجيش عليا زى ما الدنيا كلها جت عليا قبل ما أعرفك
رفع يده يمسح دموعها بهدوء وهو يشملها بدفء عينه وقال:
-حبيبتي ايه لازمة الدموع ..لو في حاجة حاسة اني لازم اعرفها اتكلمي يافتون ومتخافيش هحاول اتفهم
زاد بكائها وضميرها ينهش بها لتضع يدها على وجهها تحاول كبح دموعها…
ليتفاجئ هو من ردة فعلها المبالغ بها وحينها ساوره الشك
فهيئتها تنبأه أنها تخفي شيء سيصعب عليه تقبله، زفر بضيق بعدما لم يحتمل رؤية بكائها وقام بسحبها لأحضانه وربت على ظهرها بحنان قائلًا بهدوء:
– متعيطيش علشان خاطري انا مش هضغط عليكِ لما تبقي مستعدة ابقي احكيلي دثرت نفسها أكثر بأحضانه وهي تشعر أن روحها تنسلت منها ببطئ فهي تشعر أن فراقهم قد أوشك لتهمهم بخفوت:
– انا هحكيلك على كل حاجة وهسيب القرار ليك بس الاول عايزة اديك حاجة
عقد حاجبيه يحثها على المتابعة
لتخرج من احضانه وتفتح حقيبتها التي بجانبها وتخرج منها خاتم والدتها الملازم لها دائمًا
وتقول بحنين وهو تحتضنه بين راحتها:
– الخاتم ده كان بتاع امي وكان عزيز أوي عليها رغم انه تصميمه رجالي بس عمرها ما حكيتلي قصته ووصتني قبل ما تمــ . ــوت اديه للراجل اللي قلبي يختاره واني عمري ما أفرط فيه وانت الراجل ده ياصقر ولغاية اخر نفس فيا شعوري عمره ما هيتغير
أبتسم هو بحب ومد لها يده لتلبسه إياه ولكنها تراجعت واحتل الحزن عيناها حين وجدت تلك الحلقة الفضية الخاصة بفدوة ببنصره، لتحمحم ببسمة باهتة:
– ممكن البسهولك في الايد التانية لو تحب عقد حاجبيه وهو ينظر لمرمى بصرها ليتنهد بخفوت ويقوم بسحب تلك الحلقة من إصبعه بخفة ويتأملها بضيق لتهدر هي بعدما وجدت ردة فعله غير متوقعة:
– مالوش لزوم تقلع دبلتها دلوقتي أي نعم انا كنت هتجنن النهاردة لما لقيتها متشعلقة في دراعك وكنت همــ . ــوت من غيرتي عليك بس انت وعدتني مش كده
هز رأسه واجابها بضيق:
– مبقاش ليه لزوم تغيري منها انا وفدوة سيبنا بعض يافتون تهللت أساريرها وارتسمت بسمة بلهاء على ثغرها:
– بجد ياصقر
تنهد بعمق وقال وهو يغمره شعور الذنب:
-اللي خلاني ارتبط بفدوة هو إصرار امي عليا وانا كنت فاكر اني عمري ما هتجوز غير جواز تقليدى وعلشان كده شوفتها مناسبة وخصوصاً أنها اتربت قصاد عيني منكرش اني بعزها
و مكنتش هتردد في جوازي منها بس
لما قابلتك تاني زعزعتي قناعتي وهديتي حصوني وخلتيني عرفت الفرق بين اني اكون بحترمها وبقدرها وبين اني اكون بحبها
انا بجد ندمان على اني طاوعت امي
وسمعت كلامها بس انا كنت فاكرها عايزة تعوضها عن يتمها وعن الندل اللي سابها، انا عمري ما كنت اتخيل ان هي ليها اغراض تانية
تنهد بعمق وتابع حديثه بضيق:
-انا بجد مش عارف انا ازاي كنت معمي كده واللي بجد مضايقني هو أن فدوة عايزة تسافر وتسيب البلد و شاكك ان السبب في هروبها هو أنها لسه بتحب أكمل وجدت إجابة مُرضية لسؤالها، وذلك اشعرها بالراحة ورغم ذلك تسائلت وكانها تجهل الأمر كي تستمع لبقية الحديث منه:
-أكمل ده الندل اللي سابها قبل كده…
تنهد وأجابها بضيق:
-لما عرضت عليكِ الجواز انا قولتلك محتاج شوية وقت لأني من ساعة ما شفتهم بيرقصو مع بعض يوم الحفلة
وانا كنت شاكك انها لسه بتحبه بس بتقاوح عنيها كانت فضحاها و الطريقة المختلفة اللي بتبص له بيها أكدتلي ده رغم اني سألتها كتير قبل ما أرتبط بيها بس هي قالتلي انه انتهى من حياتها بس يظهر اني كنت غبي لما صدقتها ربتت هي على يده بمواساة وقالت بنبرة هادئة:
-حبيبي علشان خاطري متزعلش ده نصيب و بأيد ربنا وبعدين يمكن كل ده حصل علشان يكون السبب في أن أنا وأنت نتقابل تاني
عقد حاجبيه بعدم فهم وتسائل:
-مش فاهم تقصدي ايه؟ تنهدت وهي تجاهد أن تلتزم بثباتها ولا تزيدها عليه وتخبره على الأقل الآن:
-يعني ده قدر ياصقر وانت قدري الجميل اللي هفضل عمري كله أحمد ربنا عليه لتستأنف بخفة وهي تسحب يده:
-وعارف لو ملبستش الخاتم دلوقتي هنط من هنا واجبلك مصيبة لتتسع بسمته ويسأل مشاكسًا:
-انتي بتتلككي بقى!
هزت رأسها بخفة واجابته:
– ايوة بتلكك
اتسعت بسمته حين ألبسته اياه و احتضنت كفه بحنان بين يدها ليهمس هو بنبرة صادقة نابعة من صميم قلبه:
-بحبك يا فتون
ردت وهي تستند برأسها على ذراعه:
-وانا بمــ . ــوت فيك ياقلب فتون.
———————-
نظر لساعة يده بتأفف وهو ينتظر عودتها ليتناول هاتفه الذي تعالى صوت رنينه بإلحاح وأبتسم بمكر بعدما طالع رقم المتصل ليجيب:
-ازيك يافهد -تمام انا بتصل علشان اقولك ان كله تمام رجالتي في المينا هتتولي موضوع الشحنة واول ما توصل وهيحطوا الكوكايين المضروب زي ما اتفقنا لو اني شايف أنها فرصة متتعوضش وممكن نخلص منه للأبد
رد أكمل برفض قاطع:
-قولتلك ألف مره لأ خلينا زي ما اتفقنا والبلاغ هيتقدم في نفس اليوم وكده يبقى قضينا على سمعته في السوق نهائي وحلني بقى لما يكتشفوا انه دقيق مش كوكايين وحلال عليك المستثمرين الأجانب رد فهد بخـ . بث:
-بس انا عندي طلب تاني علشان نتمم اتفاقنا -طلب ايه؟ -البنت اللي معاه وساعدتك تخصني تجبهالي تحت رجلي -بس ده مكنش اتفاقنا -ده اللي عندي
ابتسم أكمل وقرر أن يستغل الأمر لصالحه ليجيبه:
-اتفقنا
ليغلق هاتفه ويشرد بالفراغ وهو يحيك برأسه مخطط آخر أكثر سوداوية
خرج من شروده على غلقها لباب الشقة ليهدر بحدة اجفلتها:
– ما لسه بدري كنتِ باتي معاه احسن شهقت هي بفزع بعدما رأته يجلس بأريحية على الأريكة ويضع ساق على آخرى:
-انت دخلت هنا ازاي! انت معاك مفتاح؟
ابتسم هازئاً:
-ده بيتي يا روح امك وادخل هنا في أي وقت ولا انتِ عندك مانع زفرت بضيق فهذا ما كان ينقصها الآن توجهت للمقعد المجاور له وقامت بخلع حذائها
ليتسائل هو:
-شكل في اخبار حلوة
نظرت له فتون وأردفت بتلعثم:
– هيتجوزني رمش عدة مرات بعدم تصديق ثم انتابته ضحكات هستيرية
لتثور هي:
-انت بتضحك ليه مش هو ده اللي انت عايزه ابعدو عن فدوة بتاعتك واهو حصل سابها وفسخوا خطوبتهم
هدأت ضحكاته تدريجياً وهو يحاول أن يخفي سعادته بذلك الخبر السار بالنسبة له وقال:
-بس انتِ طلعتي مش سهلة برضو أزاي أقنعتيه بالسهولة دي يتجوزك ويسيب فدوة
ردت فتون بدفاع:
– انا معملتش حاجة غير اني حبيته وهو كمان ايه المانع لو اتجوزنا……قطع حديثها صفعة قوية على وجنتها، لتنظر له بذهول وهي تتمسك بمكان صفعته ليهدر أكمل من بين اسنانه بعدما قبـ . ــض على خصلاتها:
-انتِ نسيتي نفسك ولا ايه انتِ يابت شمال فاهمة يعني ايه شمال فوقي عايزة تتجوزي صقر العزازي مرة واحدة ده ناقص تقوليلي ونعيش في تبات ونبات ونخلف صبيان وبنات صرخت هي بشراسة ودموعها تنسل منها تنعي ضعفها:
-ارحمني بقى ربنا بيغفر ويسامح وانتم يا بشر مش عايزين
انا نفذت كل اللي انت طلبته مني ومفتحتش بؤقي
ليهدر بغضــ . ــب اجتاح معالمه بعدما دفعها بقوة اسقطتها ارضًا متألمة:
– انا بس اللي اقول ايه اللي تعمليه وايه لأ انتِ هنا تحت رجلي وتنفذي اللي يطلب منك وبس وإلا انتِ عارفة انا اقدر اعمل ايه
همست هي بأنكسار وقلة حيلة ودمعاتها تهطل تغرق وجهها:
-عارفة بس انا حاسة انك مش هتأذيني علشان انت مش بالقسوة دي، القلب اللي بيحب مستحيل يعرف يأذي يا أكمل وانا واثقة ان جواك طيب وعكس اللي انت بتحاول تبينه
انا وافقت على جوازي منه علشان ابعده عنها علشان متأكدة انك بتحبها وهتعرف تسعدها لتستأنف بثقة :
– انا متأكدة انها هي كمان بتحبك بس بتقاوح وعلشان كده قررت تهرب عقد حاجبيه بعدم فهم بعدما احتل الغضــ . ــب ملامحه وسكن الجحيم عيناه وهدر بقوة:
-يعني ايه تهرب فهميني؟
ردت هي بذعر من هيئته التي لا تبشر بالخير وهي تتراجع للخلف بجسدها:
-يعني فدوة عايزة تسافر وتسيب البلد انحنى بجزعه عليها و قبـ . ــض على رسغها بقوة وهسهس بفحيح:
– متأكدة من الكلام ده هزت رأسها عدة مرات وأجابته:
-صقر بنفسه هو اللي قالي الكلام ده زئر بقوة وهم بالانصراف بخطوات غاضبة وهو يتوعد لفدوته كما يطلق عليها التي تتعمد بكل إصرار أن تبتعد عنه.
خامس عشر
بعد سطوع نهار جديد
استفاقت هي بنشاط على غير عادتها عازمة الذهاب للسنتر الخاص بها فبعد تلك القرارات الحاسمة خاصة أمس زادتها عزيمة وحب للحياة، و رغم أن خالتها احزنتها ولكن مراضاة صقر لها هونت عنها الكثير.
فبعد انتهائها من روتينها اليومي وارتداء ملابسها تدلت الدرج بخطوات سريعة قاصدة تتجنب مقابلة خالتها وإن همت بفتح الباب والخروج أتاها صوتهاوهي تصيح بغضــ . ــب: – رايحة فين يا هانم بدري كده؟ زفرت فدوة بخفوت والتفتت لها تجيبها:
-رايحة السنتر ياخالتو
-وبتتسحبي ليه كده هو انتِ فاكرة أن بعد الكلام الفارغ اللي قالو صقر امبارح عن فسخكم لخطوبتكم ان انا مش هيبقالي حكم عليكِ ولا ايه -انا مقولتش حاجة ياخالتو هدرت هند بجبروت وبنبرة متحكمة:
– لأ كمان قولي ما ده اللي ناقص يابنت اختي اسمعي الكلام يا فدوة وتحطيه في دماغك مش هتتجوزي غير صقر ومش هتخرجي من تحت طوعي طول ما انا عايشة فاهمة واول ما صقر يرجع تقوليله انك رجعتي في كلامك وميعاد الفرح زي ما هو
غامت عين فدوة بحزن من تحكمات خالتها التي لم تعير أي اهتمام لرغبتها ولا مشاعرها وهدرت بنبرة مختنقة وهي تحاول كبت دمعاتها:
-مش هعمل كده يا خالتو أنا مش لعبة تحركيها زي ما تحبي انا بني ادم وعندي احساس ومشاعر ردت هند ساخرة:
-ده من امتى يافدوة طول عمرك بتسمعي الكلام ايه اللي جد! غمغمت فدوة بعدما طفح بها الكيل:
-من ساعة ما بصيت لحياتي من زاوية تانية كنت غافلة عنها واكتشفت اني ممكن ابني حياة نظيفة من غير طمع ولا مطاردات ومن غير تحكمات
لتستأنف بعدما انسلتت دمعاتها دون إرادة:
– انتِ فاكراني مش عارفة ايه غرضك من جوازي من صقر …لأ انا فاهمة ياخالتو بس كنت بكدب نفسي انك مش عايزاني اطالبك بميراثي من امي بس احب اطمنك انا هسيبلك كل حاجة وهسافر مش عايزة منك حاجة غير انك تسبيني اعيش زي ما أنا عايزة تأففت هند وقالت بتبجح:
-ميراث ايه اللي انتم طالعين لي فيه ده انتِ اصلاً ملكيش حاجة عندي ده حقي دي فلوس ابويا اللي ديمًا كان بيفضل امك عليا ويدهالها
همهمت فدوة من بين دمعاتها:
-ياخسارة ياخالتو كنت شيفاكِ حاجة كبيرة قوي في نظري وكنت بسمع كلامك علشان كنت فكراكِ بتحبيني وعايزة مصلحتي لكن انتِ خالفتي كل توقعاتي رفعت هند يدها وهوت على وجنتها بصفعة مدوية آلمتها وارتدت على اثرها الى الخلف
وتلاها صراخ هند بوجهها:
– إنتِ قليلة الأدب وانا معرفتش اربيكِ رفعت فدوة نظراتها المنكسرة لها ولم تتفوه بشيء بل ركضت بخطوات غير متزنة الى الخارج وشرعت بركوب سيارتها تنطلق بها بسرعة متهورة.
—————