زفرت مي بضيق وهي تفتح باب شقتها التي كانت تجمعهم سويًا فبعد إنصراف صديقتها من عندها قررت أن تذهب لشقتها تحضر بعض من اشيائها وتعمدت أن تتواجد في الوقت الذي هو به بالمشفى، فكانت تتحرك بخطوات ضعيفة وهي ترمق كل ركن بالشقة بإشتياق
وتمر أمام عيناها ذكرياتهم معًا تنهدت بعمق وهي تتطلع لتلك الأريكة الذي كان ينام عليها أثناء عدم تواجدها معه وتذكرت تلك الكلمات التي كان يخصها بها (مقدرتش ادخل اوضة نومنا وانتِ مش معايا ) و ظلت تتساءل ترى هل ما زال كذلك بعد كل ما حدث؟
ابتسمت بألم بعدما فرت دمعة من عيناها حصرتًا على ما توصلت لها حياتها ثم رفعت ذلك القميص الملقي على الأريكة بأهمال واستنشقته وهي تضمه لصدرها بقوة لثوانِ معدودة تنم عن أشتياقها له وافتقادها لكل شيء يخصه… تنهدت بحزن ثم وضعته من جديد بعدما قبلته وتوجهت الى غرفة النوم وعندها توقفت كل حواسها بصدمة عارمة؛ فلم تجد غرفتها التي تعودت عليها بل وجدت آخرى بتراث أحدث حتى طلاء الغرفة تم تغيره بلون آخر شهقت بقوة ودون وعي أجهشت بالبكاء بحــر .
ــقة بعدما أدركت انه تقصد أن يمحي ذكرياتهم معًا، ثوان وتناهى إلى مسامعها صوت فتح باب المرحاض لتدرك أنه هنا لتوليه ظهرها وتمسح عبراتها وتحاول أن تستعيد ثباتها.
أما هو فكان عاري الصدر ويحاوط خصره بمنشفة ويجفف خصلاته بآخرى حين صدم و وجودها أمامه، وإن تدارك الأمر همهم دون أن يعيرها أي اهتمام وهو يفتح خزانته ينتقي منها ملابس يرتديها:
-خير ايه اللي جابك؟ ألتفتت له وقالت بثبات اتقنته رغم رؤيتها لهيئته تلك التي بعثت بكافة جسدها القشعريرة وتداركت حينها مدى اشتياقها القاتل له:
-جيت أخد بقيت حاجتي اللي هنا ده لو معندكش مانع
حانت منه بسمة هازئة وقال ببرود:
-حاجتك انا لميتهالك وكنت هبعتهالك عند مامتك مكنش ليه لازمة تتعبي جنابك تنهدت بخفوت تحاول أن تكبح رغبتها بالبكاء من جديد بعدما افحمها بفعلته لتهمهم بنبرة مهزوزة:
-كتر خيرك يا دكتور انا هاخدهم
وأمشي وإن كادت تخطو مبتعدة عنه باغتها بسؤاله ببرود جمد اطرافها:
-مقولتليش ايه رأيك في أوضة النوم الجديدة؟ التفتت له بعيون غائمة وقالت بنبرة ضعيفة تحمل بقايا كبريائها:
-انت فكرك لما غيرتها انك كده محيت كل حاجة تخصني انا متأكدة اني لسه جواك
ضحك هو بملء صوته الرجولي ساخراً منها ورد بلا مبالاه افحمتها:
– ايه الغرور ده…انا غيرتها علشان العروسة الجديدة مينفعش تدخل على عفش قديم ميصحش لوهلة شعرت أن كل شيء يدور بها وتلك الكلمات تتردد بأذنها بلا إنقطاع لتهمهم بضعف وعدم استيعاب:
-انت هتتجوزها فعلاً ياهاشم أجابها بثقة دون تردد:
– وايه اللي يمنع اني اتجوزها انا اكتشفت أن في حاجات كتير اهم من الحب يا مي وكل الحاجات دي لقتها في نيرة ابتسمت ببهوت وردت بنبرة متألمة خالية من كبريائها:
-وانا…وانا يا هاشم خلاص حكايتنا خلصت حكمت عليا و ريحت ضميرك
أجابها بحزم قاطع:
-ايوة خلصت وانتِ اللي خطيتي نهايتها بأيدك نكست رأسها وإن كادت ان تتحدث قاطعها هو بعدما اقترب منها بهدوء مريب أَهب حواسها حين رفع بأنامله رأسها إليه لينظر لعيناها ثم همس بخفوت مثير أمام وجهها:
-بس ده ميمنعش أن لو نفسك فيا انا مستعد ألبي كل رغباتك احترقت غابات الزيتون خاصتها بلهيب الخذلان وقالت بعدما انسلتت دمعاتها الحارقة دون إرادة:
-متعملش كده ياهاشم بلاش تحاول تشوه صورتك في عيني…انت مش كده
لاحت بسمة هازئة على ثغره وهدر ببرود جمد أوصالها:
-لأ أنا كده ومش هكون غير كده من هنا ورايح… وخليكِ متأكدة أن هاشم اللي تعرفيه مبقاش ليه وجود
وضعت يدها على وجهها بعدما تزايدت شهقاتها وتراجعت عدة خطوات للخلف بعدما أصابها ذلك الدوار اللعين الذي يراودها منذ أيام وجلست على طرف الفراش بضعف تحاول أن تكبح دمعاتها لكن دون جدوى ليأتيها نبرته القوية القاســ . ــية التي لم تتعود عليها منه:
-وفري دموعك واتفضلي علشان عايز ألبس علشان متأخرش على نيرة وياريت بلاش جو الصعبانيات ده مش هيدخل عليا
رفعت نظراتها الدامية إليه وهي مفحومة من حديثه القاســ . ــي لها، لتتناول نفس عميق تسترد به ثباتها ثم تنهض وهي تمسح عبراتها وتغادر كما أراد دون أن تتفوه بشيء اكثر
أما عنه بعدما تأكد من خروجها من الشقة زئر بغضــ . ــب وقام بتكسير كل شيء داخل تلك الغرفة اللعينة ليصبح حطام مثل قلبه الذي هدمته بأفعالها.
—————-
تجمعوا على مائدة الطعام يتجاذبون أطراف الحديث بينهم وبين الحين والآخر تحثه فدوة بعينها على الحديث مع خالتها لكنه لم ينصاع لها
لشعوره بالقلق عليها من ذلك القرار المتسرع حتى وإن كانت هي احلته من ارتباطهم تظل هي ابنة خالته التي تربت على يده وتعني له.
مالت هي على اذنه متذمرة:
– كلمها ياصقر انا عمالة اغمزلك من الصبح وانت مش فاهم هز رأسه بهدوء ورد عليها بخفوت حتى لايلفت نظر والدته:
-انا قولتلك هحاول بس لما اتأكد الاول من صاحب العرض واعرف تفاصيل ومش معني انك حلتيني من خطبتنا اني اسيبك تسافري من غير ما اكون مطمن عليكِ
تنهدت هي بقوة ومطت فمها وقالت بخفوت مماثل:
– بس انت وعدتني هز رأسه لها، وقبل ان يجيب قاطعتهم هند بتهكم:
– ايه عمالين تتوشوشو ولا عاملين اعتبار لحد خلاص الحب مقطع بعضه اعتدلت فدوة بجلستها ونكست رأسها بحرج ليهدر محمد عم صقر بنبرة هادئة طيبة:
-سيبيهم ياهند براحتهم كفاية انهم قاعدين وسطينا و مونسنا ليؤشر بيده لصقر بدعابة ويقول:
-كمل يا ولد وشوشة ملكش دعوة بأمك ضحك صقر بأتساع وهو يقول:
-والله انت راجل سكرة ياعمي ربنا يخليك لينا
نهضت فدوة وقبلت عمه من وجنته قائلة بأمتنان وبكل تلقائية:
-انا بمــ . ــوت فيك ياعمو يا بخت خالتو بيك ده انت اكيد مدلعها وهنا صرخت هند موبخة:
-بنت احترمي نفسك واتفضلي كملي اكلك
اندثرت بسمة فدوة و أومأت لها بحزن وهدرت بعدما شعرت بالحرج:
-لأ انا شبعت وهطلع أوضتي عن اذنكم لتنصرف بينما هو
ظل ينظر لآثارها بضيق و هدر موجه حديثه لوالدته: -امي ليه بتعامليها كده فدوة مش عيلة صغيرة علشان توجهي فيها علطول هي مغلطتش
تنهدت هند بسأم وردت بلامبالاه:
-متكبرش الموضوع ياصقر هي معندهاش أعتراض على طريقتي ولا تكون اشتكتلك اجابها هو منفعل:
-امي انتِ بتستغلي أنها مبتقدرش تزعلك و بتفرضي عليها تحكماتك هتفت هند بسخط:
-انا بتحكم فيها علشان هي كل قراراتها غلط ولا نسيت -سيبيها تغلط وتتعلم من اخطائها هي مبقتش صغيرة زفرت هند وردت بتأفف:
-يوووه انت مالك متحامل عليا ليه ومحموق أوي كده قاطعهم عمه:
-اهدوا يا جماعة و انتِ ياهند انا شايف أن صقر عنده حق فدوة مش صغيرة
هتفت بعصبية وبأندفاع دون تفكير في خطورة ما سينتج بعد حديثها:
-برضو هتقولي مش صغيرة ده ناقص تقولي اسلمها ميراثها كمان تتصرف فيه ما خلاص هي كبرت عليا، وعندما تلقت تلك النظرات المشدوهة تداركت زلفة لسانها لتزوغ نظراتها بينهم بتوتر وتبتلع ريقها في حين
حانت منه بسمة هازئة على ما تفوهت به واستأنف ساخراً:
-ده كل اللي يهمك مش كده يا أمي حتى إصرارك عليا ارتبط بيها كان علشان خوفتي تطالبك بميراثها ويضيع من تحت ايدك لما تتجوز واحد تاني مش كده
رفعت رأسها له بجبروت وهدرت بحقد دفين: -اصلاً ده حقي انا… انت عارف أن بابا كان بيفضل امها عليا وبيديها اكتر من حقها ليستأنف عمه بخفوت لم تلتقطه:
-ليه حق ما انتِ طماعة عايزة تكوشي على الدنيا كلها
نهض صقر بعصبية وقال بنبرة صارمة غير قابلة للنقاش:
-انا ندمان اني سمعت كلامك و ارتبطت بيها بس انا كنت فاكرك بتعملي كده علشان بتحبيها وبتحاولي تعوضيها عن يتمها بس الظاهر كان ليكِ حسابات تانية يا هند هانم ياعزازي انا كنت غافل عنها على العموم انا وهي فسخنا خطوبتنا ودي رغبتها هي، وانا غصب عني وعنك لازم نحترمها وميراثها هترجعيه ليها على داير المليم ولو مش عايزة انا هديهولها من نصيبك في الشركة لتعترض هي بقوة وتصيح بهستيرية:
– انت اكيد اتجننت مستحيل طبعاً
قاطعها هو بصرامة وبنبرة قوية:
-امي انا اللي عندي قولته وانتِ عارفة اني مش بتناقش في قراراتي
يا تديها حقها يا أما انا هتصرف عن اذنكم انا طالع اطيب خاطرها لتنظر هي لأثره بغيظ فهي تعلمه تمام المعرفة لا يحيد عن قراراته ليقول عمه بعدما نهض من مقعده :
-ياريت هم الدنيا كلها فلوس يا هند مكنش حد غلب وبعدين انتِ ناقصك ايه ده خلاص مبقاش في العمر باقية الحقي اعملي لأخرتك واعملي حساب انك هتقفي قدام ربنا وتتسألي عن مال اليتيمة دي… رجعلها ميراثها ياهند
صرخت هي به بغضــ . ــب بعدما أزاحت الصحون بيدها واوقعتهم على الأرض:
– انت عايز تنقطني انت كمان انتم ايه اللي جرالكم وهنا ضــ . ـرب كف على آخر و هز رأسه بيأس وانسحب وهو يدعو بصلاح حالها. الرابع عشر
بعد أن عادت إلى منزلها أرادت أن تريح أعصابها قليلًا وتتناسى ما حدث ولكن دون جدوى فقلبها تنهشه الغيرة من تواجده مع آخرى
ولكن واست نفسها ان صقر لن يتخلى عنها، وسيترك فدوة وحينها ستتخلص من تهديد أكمل لها؛
فرغم انه ابتزها إلا انها تعلم أن عشقه لتلك الفدوة صادق
فعندما كانت برفقته في ذلك اليوم المشؤوم كان يهزي بأسم فدوة ويناجيها بتوسل ويهيأ له أنها هي…و رغم كل ما يبدر منه إلا أنها لديها يقين أنه ليس بهذا السوء الذي يدعيه خاصتاً عندما يتعلق الأمر بفدوة فهي تعلم انه يعشقها بل مهوس بها ولكن ماذا عنها هل غفرت له وتبادله أم لا؟
كان كل ذلك يدور برأسها وهي مستلقية بداخل حوض الاستحمام جاعلة المياه الدافئة تنساب عليها لعلها تهدئها قليلاً وتساعدها على النوم وبعد بعض الوقت خرجت وارتدت منامة قطنية من اللون الزهري دون أكمام وبنطال قصير يحتضن جسدها كجلد ثان لها وتركت خصلاتها لم تجففها وذهبت الى الفراش بتكاسل إلى أن تعالى رنين هاتفها لتتهلل اساريرها بعدما وجدت رقمه يزين شاشة هاتفها لترد دون تردد ويأتيها صوته الهادئ ونبرته العميقة التي أرجفت قلبها:
-لو قولتلك وحشتيني هتصدقي
اجابته بلهفة:
-اه هصدق علشان انت كمان وحشتني و ما بطلتش تفكير فيك تنهد بعمق ثم قال:
-طب ينفع تنزليلي انا واقف تحت بيتك عايز اشوفك نهضت بقوة من فراشها وهي مازالت معه على الخط وركضت إلى شرفتها تبحث عنه بعيناها لتشهق بسعادة بعدما وقعت عيناها عليه يستند على مقدمة سيارته ويرفع رأسه ينظر لها وعلى ثغره ابتسامة هادئة
لتستأنف حديثها معه بسعادة مفرطة:
– ده انت هنا بجد…انا مش مصدقة انا نازلة على طول
– بس الأول غيري هدومك يامجــ . ــنونة شهقت هي بعدما طالعت منامتها الكاشفة وهدرت بخجل وهي تتراجع الى الوراء: -انا نسيت ألبس الروب بتاعي من فرحتي انت نسيتني كل حاجة حتى نفسي ياصقر تنهد وأجابها:
– هستناكِ متتأخريش عليا واخر مرة تطلعي البلكونة بالمنظر ده مفهوم ردت بطاعة:
– حاضر أخر مرة…وثواني هغير وهنزل
اغلق هاتفه وهو يبتسم بهدوء
وركب سيارته من جديد ينتظرها فبعد ذلك الشجــ . ــار العنيف الذي دار بينه وبين والدته ومرضاته لفدوة خرج من القصر وتوجه إليها هي من ملكت قلبه لعله يشعر ببعض الهدوء والسـ . ــكينة بقربها
أما في ذلك الركن البعيد وخاصةً في واجهة بنايتها كان يجلس حارس البناية بأريحية يقص لشخص آخر يجلس بجانبه:
-زي ما بچولك إكده يا حسان دي ست استغفر الله العظيم مشيها بطال و كل يوم راچل شكل طالع نازل من عِنديها
-طب متطردوها من العمارة -اني هكلم صاحب المدعوچة دي يشوفله صرفه معاها أما عنها ظلت تحتضن الهاتف وتبتسم كالبلهاء لثوانِ معدودة ثم قامت بأرتداء ملابسها وصففت شعرها وتركته على ظهرها مثلما نبهها هو سابقًا وركضت اليه بخطوات سريعة وحين وصلت ركبت بجانبه واغلقت بابها وهي تبتسم بأتساع ليهتف هو بنبرة هادئة وهو يشملها بدفء عيناه:
-وحشتيني ومقدرتش اصبر لبكرة وبصراحة محتاج اتكلم مع حد رفعت كفها إلى وجهه وتحسست بأناملها وجنته وقالت بقلق:
-حبيبي مالك شكلك مضايق
سحب يدها وقبل باطنها وهدر بضيق:
-هحكيلك بس الأول هوديكِ مكان بحبه هزت رأسها موافقة لينطلق بسيارته ويتوجه بها إلى ذلك المكان الذي بدأ فيه كل شيء منذ سنوات ليهتف عبده وهو ينظر لآثارهم و يؤشر على سيارته من بعيد :
– أهو شوفت بنفسك ركبت مع الپيه العربية ولا هممها حد واصل
أومأ له الآخر بعدم رضا وظلو يتشدقوا
بالأقويل النابعة من نظرتهم الظاهرية للأمور.
———————
