
المضيفة الرائعة و الأربعيني
رقم الرحلة 702، المتجهة لنيويورك، كان المفروض يبقى رحلة عادية، هادية على عشر آلاف متر فوق الأرض.
بس الجو في الدرجة الأولى كان مختلف. الجو هناك مش بس فاخر، ده كأنه عالم تاني: مقاعد جلدية مريحة جدًا، إضاءة دافية بلون ذهبي، وريحة خفيفة من القهوة الطازة مع لمحة من العطر الغالي اللي بيخلي أي حد يحس إنه في صالون خمس نجوم.
الركاب كانوا كلهم من النوع اللي متعود على الهدوء والرفاهية: رجال أعمال، مستثمرين، وناس عايشة على الرفاهية بشكل طبيعي.
لكن من ساعة ما الطيارة أقلعت، كان فيه حد في المقصورة مسبب توتر واضح جدًا… وكل العيون عليه.
المقعد 4B.
رياض أبو المجد قاعد هناك.
رجل في منتصف الأربعينات، لابس بدلة إيطالية غالية، وساعة سويسرية على إيده، وشكله من بعيد يوحي بالنجاح والسلطة.
بس اللي كان بيشوفه عن قرب يعرف إن الراجل ده وحش مغرور و عصبي و كأنه بركان على الأرض.
من أول ما الطيارة طلعت، وهو بيصرخ في تليفونه و كأنه قائد في معركة، مش فارق معاه حد حواليه. صوته كان عالي لدرجة إن الركاب حواليه بدأوا يرموا نظرات مستنكرة لبعضهم.
رفع إيده وضــ,,ـــــرب بمسند الكرسي وقال بعصبية:
— أنا مش فارق معايا كلام النقابة!
عرفهم أنهم لو موقعوش العقد قبل الساعة خمسة… كلهم يمشوا! فاهم؟ كلهم! أنا ما بدفعش فلوس عشان أسمع أعذار!
كان في واحدة ست وراه قاعدة تضــ,,ـــــرب في كتابها بعصبية، ورجل كبير في الصف المقابل هز رأسه مستنكر، بس محدش كان يجرؤ يتكلم.
اللي كان باين على رياض إنه من النوع اللي بيحب السيطرة و متعود أن الناس بتخاف منه و دايمًا هو اللي ماسك زمام الأمور.
وبين كل ده، ظهرت ليليان. مضيفة جميلة اوي
مش أي مضيفة، دي كانت صورة الاحتراف كله.
ست في أوائل التلاتينات، ملامحها جميلة و عينيها فيها ثقة و كأن مش أي حد يقدر يوقف قدامها. سنين في مجال الطيران علمتها تتعامل مع أصعب الشخصيات بابتسامة هادئة.
كانت شايلة صينية فخمة عليها:
كوب مية بارد مع شريحة ليمون
سلة خبز طازة ولسه سخنة
وقفت جنبه، مستنية لحظة هدوء في مكالمته.
ابتسمت وقالت بهدوء:
— لو تسمح يا فندم… لاحظت إنك لسه ما أكلتش حاجة من ساعة ما الطيارة أقلعت. جبتلك مية وخبز، يمكن يفيدوك. رياض رفع عينيه ببطء، وبصّ لها بنظرة مليانة احتقار.
— إنتي بتقولي إيه؟
قال بغضب.
ثم ارتفع صوته عاليا:
— إنتي غبية ولا إيه؟ مش شايفة إني في مكالمة مهمة؟ أنا بقفل صفقة بملايين الدولارات… وإنتي جاية تقدميلي عيش؟
ليليان حاولت تفضل هادية:
— أنا بس كنت بحاول أخلي رحلتك أريح شوية يا فندم…
رياض مقفلش على الكلام، رفع يده وضــ,,ـــــرب الصينية بعنــ,,ـــــف. المية انسكبت على السجادة والخبز وقع على الأرض.
الركاب اتلفتوا فجأة على الصوت.
صرخ رياض بعنــ,,ـــــف:
— امشي من هنا! إنتي مجرد خدامة في الطيارة! لما أحتاجك أناديكي… غير كده تبقي مختفية!
ليليان جمعت الكوب والمنديل بهدوء، عينها كانت هادية لكن فيها لمعة مختلفة، زي حد أخد قراره ومستعد يمشي عليه.
قالت بصوت بارد:
— حاضر يا فندم… زي ما تحب.
مشيت ناحية منطقة الخدمة، والركاب حواليها بيبصوا بتعاطف، وبعضهم بيهمسوا عن وقاحة رياض.
بس اللي رياض مكانش يعرفه… إن الحكاية لسه مكملتش. وقفت ليليان قدام نافذة صغيرة، نظرت للسحاب، وأخذت نفس عميق.
طلعت التابلت من شنطتها الخاصة، مش بتاعة الطاقم، ودخلت رمز سري.
ليليان مش أي مضيفة… اسمها الكامل: ليليان زين الدين .
مؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة الطيران دي. وكمان، صاحبة الأغلبية في صندوق استثماري ضخم كان بيصرف فلوسه على شركات زي شركة رياض.
عندها عادة غريبة: مرة كل شهر، تلبس زي المضيفات وتشتغل متخفية وسط الموظفين.
كانت بتحب تعرف كل حاجة بنفسها عن شركتها.
بس النهاردة… شافت شيء خلى الدم يغلي.
فتحت ملفات الاستثمار، ولقت اسم شركة رياض النجار ، وملفات التمويل اللي كانت الشركة بتسنده.
لقيت إن شركته كانت على وشك الإفلاس، ومستنيه استثمار بـ 15 مليون دولار من صندوقها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
اتصلت بالكابتن:
— كابتن… وصل التابلت بالشبكة الأرضية، عندي أمر تنفيذي لازم يتنفذ فورًا.
بعد شوية، خرجت ليليان تاني للمقصورة. المرة دي مكنتش شايلة الصينية، شعرها مفتوح، جاكيت أنيق، وشارة ذهبية على صدرك مكتوب عليها: الرئيسة التنفيذية.
مشيت بثقة ناحية المقعد 4B.
رياض كان بيكتب على اللابتوب. لما شافها، تنفس بصعوبة.
— قلتلك امشي من هنا…
قال بزعق خفيف.
ليليان قاطعته بصوت هادي لكن جامد:
— أستاذ رياض… اقفل اللابتوب. دلوقتي.
رفع رأسه متعجب، ولما بص على الشارة… دماغه اتقفلت.
— إيه ده؟
قال بصوت متوتر.
جلست ليليان قدامه، سايبة مساحتها الشخصية، وعيونها في عينه بثبات.
— من شوية سألتني لو كنت غبية… دلوقتي أنا بسألك… إنت عارف أنا مين؟ رمقها بهدوء ظاهري وبدأ يحاول يركب اللغز. SkyPrime Airways… صندوق Vanguard… ليليان زين الدين…
اتكلم رياض بثبات
— أنا ماكنتش أعرفك
ليليان بصوت بارد:
— كنت فاكرني ولا حاجة… عشان بقدملك مية. فتحت التابلت وورته العقد:
— شايف العقد ده؟ ده تمويل شركتك… 15 مليون دولار. الاستثمار ده كان المفروض يتحول الأسبوع الجاي.
مررت إصبعها على الشاشة:
— تم إلغاء التحويل.
أضافت:
— وأمرت القانوني يسحب استثماراتنا من شركتك.
رياض قعد ساكت، عينه على الشاشة، مش مصدق اللي حصل على الرغم من أنه يملك البديل بس اتضايق من نفسه و كمان لأول مرة يحس انه مضغوط، مهزوم قدام الست اللي شافت كل حاجة من البداية.
ليليان وقفت، رفعت رأسها، ونظرتله بصرامة:
— آه… وشيء تاني، اسمك اتضاف لقائمة الركاب الممنوعين من السفر مع شركتنا. الركاب بدأوا يصفقوا بهدوء.
أما رياض… قعد صامت طول الرحلة، يبص من النافذة وهو بيحس بالدرس الموجع اللي اتعرضله
بعد ما ليليان مشيت من قدامه والشاشة قفلت على وجهه المصدوم، رياض قعد شوية ساكت، عينيه على النافذة وهو بيفكر… مش مصدق اللي حصل.
بس حاجة غريبة بدأت تتحرك جواه… إحساس غريب، مش بس احترام، لأ… نوع من الإعجاب. الست دي، اللي قدامه كانت بتحكم في كل حاجة، كان عندها شجاعة وذكاء وهدوء غير طبيعي… حاجة ما شافهاش قبل كده في أي واحدة. وهو بينزل من الطيارة في نيويورك، دماغه مش سايبة الموضوع. كل خطوة بيخدها وهو في المطار، عقله بيرسم كل كلمة قالتها، كل نظرة، كل حركة.
بعد كام يوم، بالصدفة، أو يمكن بالقدر، لقى نفسه قدام مطعم فاخر في الشارع اللي دايمًا بيحب يقعد فيه. ولما دخل، لقى ليليان قاعدة عند طاولة، بتراجع أوراق على التابلت بتاعها.
قلبه اتسارع… دي فرصته. و خصوصا أنها كانت بطلة أحلامه طول اليومين اللي فاتوا
مقدرش يقاوم، قرب منها وقال بابتسامة ثقة:
ـ تعرفي أني عمري ما في واحدة ست نجحت تلفت انتباهي…
سكت شوية قبل ما يكمل
ـ بس إنتي عملتي ده… ليليان رفعت عينيها ونظرت له بنظرة مفاجأة، وابتسامة صغيرة اتشكلت على وشها، لكنها حاولت تخفي إعجابها… بس واضح إنه أثر فيها.
رياض كمل بثقة:
— وعشان كده… انا بشكر الصدفة اللي جمعتنا النهاردة ليليان ضحكت بخفة، وعينيها بتلمع.
— كويس انك بتعرف تشكر حد. بس أهم حاجة إنك تعرف تتحمل توابع الكلام الكبير ده. رياض جلس قدامها، بدأ يغازلها بابتسامة خفيفة وحركاته مليانة جاذبية. وبدأوا يتكلموا، يضحكوا، وتبادلوا نظرات مليانة لعب وذكاء… كل واحد بيحاول يتحدى التانية بطريقة غير مباشرة، بس في نفس الوقت فيه انجذاب طبيعي بيكبر كل ثانية. رياض بدأ يحكي لها عن شغله، عن السفر، عن مغامراته، بس بطريقة خفيفة… و ليليان كانت تستمع، تضحك، وتعاكسه بنظراتها وأسلوبها اللي فيه ثقة وجاذبية.
في اللحظة دي، رياض حس إن الست دي… مش بس قوية وذكية، لأ… كمان مثيرة وغامضة بطريقة تجعله عايز يعرف كل حاجة عنها، وعارف إنه هيحاول يقرب منها أكتر وأكتر. و ليليان كانت سامعة كله بعناية، برده بحذر، زي ما بتحمي قلبها، لكنها مش قادرة تخفي الإعجاب اللي جواها. — عارفة؟
قال جوليان وهو بيضحك بخفة
ـ أوقات الواحد بيتعلم أكتر من اللي حواليه، وانا من أول مرة شفتك فيها اتعلمت منك.
اتعلمت ايه
قالتها ليليان فجاوبها بنبرة فيها غزل
ـ اتعلمت اسيطر على انفعالاتي وان الهدوء اوقات كتير بيكسب و يهزم الغضب، و كمان اتعلمت أن القوة و الجمال ممكن يتجمعوا في شخص واحد ليليان رفعت عينيها و بصتله بخجل من كلامه، وحاولت ترد بجدية:
— كل دا اتعلمته مني اعتقد انك بتبالغ… أنا مجرد مضيفة عادية…
— لا إنتي مش عادية
رد رياض بسرعة
ـ وده اللي خلاني اصمم أعرفك أكتر… الضحك بدأ يملأ الطاولة، ومزيج من اللعب والتحدي خلا الجو أخف، و رياض كان مركز كل كلمة بتقولها، و إعجابه بيها عمال يزيد بيها.
مع الوقت، بدأوا يحكوا عن حاجات شخصية أكتر… ذكريات الطفولة، لحظات ضحك، وحتى مخاوفهم… كل كلمة كانت بتقربهم من بعض أكتر وأكتر. رياض حس إنه مش بس معجب بيها، ده هو واقع في حبها. و ليليان، بالرغم من تحفظها، قلبها بدأ يذوب قدام صدقه وروحه المرحة وثقته في نفسه… وسمعته اللي كانت دايمًا إيجابية عند الناس حولها، خلته أكتر جاذبية بالنسبة لها. بعد العشاء، رياض قرر ياخد خطوة:
— ليليان..
قال وهو بياخد نفس عميق
ـ تتجوزيني ؟
ليليان اتكسفت اوي ولكنها قالت بتحفظ
ـ مش شايف انك استعجلت في طلبك دا؟ رياض بقوة
ـ لا. شايف اني بحبك و عايزك جنبي ليليان بخجل
ـ أنت صريح اوي. رياض بمرح
ـ اتعلمت منك. ابتسمت و حست انها فعلا عايزة تكمل حياتها معاه و حست إنها عرفت الشخص اللي ممكن تثق فيه، اللي ممكن يحبها من قلبه ويحميها…
اتخطوا كل الحواجز، وكل التحفظات، وقرروا يرتبطوا رسميًا.
الزواج كان حفل صغير وفخم بنفس الوقت، محاط بأحبابهم، ولكن الأهم، محاط بالحب الحقيقي اللي بدأ من الرحلة دي، من أول مرة شافوا بعض فيها في السماء… وبعدين من أول لقاء مصادفة في المطعم… رياض و ليليان عاشوا قصة حبهم اللي بدأت بالغضب والمواجهة، وتحولت لضحك، احترام، مغازلة، وفي الآخر… حب حقيقي ما اتغيرش أبدًا. ❤️ بقلم نورهان العشري
