تنهد واصف بحزن وقال:
_ دي بت غلبانة ويتيمة وملهاش حد واصل، چار الزمن عليها و وجف لها ناس كيف الشيطان والحمدلله ربنا نچدها منيهم وبعتها ليا أكسب فيها ثواب. تستمع له في صمت ونظراتها التي علم ماهيتها:
_ في حاچة يا چليلة؟. لوت شفتيها جانباً وأجابت:
_ و حد جالك إن دارنا فتحنها ملچأ يا حچ!، وبعدين دي مش عيلة صغيره، دي شابة يعني كنت عطتيها الي فيه النصيب وهملتها تروح علي أي مطرح.
حدجها واصف بسخط وقال:
_ حرام عليكي يا وليه، البت صغيره لسه مكملتش ال18سنة، وچت تتحامي فيا يرضيكي أهملها لكلاب السكك ينهشو فيها! . زفرت بضيق وقالت:
_ تجوم چايبها وعنديك شابين علي وش چواز، واحد منيهم لو شاف قطة يچري وراها، ولا ناسي كل شوي أمشي البنته الي كانو بيچو يخدمو عندينا؟. _ هملي أمر زكريا ده عليا لحد ما الأمور تهدي، وإكده ولا إكده أنتي موچودة وفاطمة كمان عاتروحو فين عاد! . تشدقت بتهكم:
_ يا حلاوة، وكمان رايد منينا نجعد نحرسها! .
رمقها بتحذير قائلاً:
_ جليلة، أني جولت الي عندي البت دي أمانة في رجبتك، أنتي عندك بت والي عتسويه معاها سواء خير أو شر هيجعد ليكي. نهضت جليلة محدقة إياه بإمتعاض:
_ ماشي يا حچ، لما أجوم أحضر العشا. نظر من حول يبحث بعينيه فتسائل:
_ فينه بكر إكده؟ . أجابت وهي تدلف إلي المطبخ:
_ هتلاجيه في أوضته. نهض واصف وذهب إلي ولده، طرق الباب وقال:
_ أنت صاحي يا ولدي؟. أتاه صوت بكر من الداخل:
_ أتفضل يا والدي.
ولج إلي الداخل فوجد ولده واقفاً بإجلال له، يمسك بإحدي كتب الدينية التي لايمل من قراءتها ليتعمق في أمور دينه ويفقهها جيداً حتي يفيد بها صغاره اللذين يحفظون لديه القرآن في المسجد. _ أجعد يا بكر، رايد أتحدت وياك في موضوع إكده محدش هيعرفه غيرك. جلس واصف وتبعه بكر يرمقه بإهتمام، لايعلم لما يخفق قلبه للتو يبدو أن هذا الأمر هام وربما يكن متعلق به :
_ وأني تحت أمرك يا أبوي.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ أستهدي بالله يا سي رافع وهملها دلوق، كفايانا فضايح عاد.
صاحت بها نوارة وهي تمسك في زراعه لتمنعه عن الإمساك بشقيقته وإلحاق الأذي بها
ردت زينب من غرفتها فوالدتها تقف علي الباب لحمايتها من بطش إيدي شقيقها:
_ همليه يا نوارة، خليه يوريني كيف هيجرب مني إكده!. صاح رافع بصوته الغليظ:
_ وليكي عين تردي يا فاچرة، أني لو جبصتك في يدي ما هخلي فيكي عضمه سليمه، الي حايشني عنك چوزك الي زمانه عرف بالي سوتيه أبجي أستلجي وعدك منيه، خابره لو جطعك حتت ورماكي للديابه ما هحوشه عنك واصل. صرخت بإستنكار:
_ ماتجولش چوزي، و حرج الي چابوه مطرح ماهو جاعد، ربنا ياخدك أنت وهو في ساعة واحدة ويريح البشرية من شركو.
لكزتها والدتها:
_ ما تنكتمي بجي يا بت ال….، ولا عايزاه يجطع چتتك وترچعي تولولي كيف كل مرة. قال رافع والشر يتطاير من عينيه:
_ خليها ياماه تجول الي ريداه، تبجي توريني كيف هتنطج مع سليم وهو بيشرح چتتها و….. كاد يفصح عن ما ينوي عليه سليم لفارس لكنه ألجم لسانه
صاحت زينب بإعتراض بلا خوف:
_ لو راچل يبجي جرب مني والله لأوديكو في داهية، بلاغ صغير وهخليهم يريحوني منيه. قهقه رافع بسخرية فقال:
_ عقلي بتك يا أماه وفهميها هي متچوزة مين، ولا أجولك خليها تعرف بنفسها لما تجف قدامه تتحداه كيف ما تسوي دلوق.
ردت بتهكم رغماً من الرعب الذي دب بداخلها، فهي توقن جيداً بأن مايقوله شقيقها ليس هراء بل هذا جزء صغير من حقيقة سليم وما خفايا كان أعظم:
_ خوفت أني إياك! ، مابخافش غير من الي خلقني، الباجي والدور علي الي بيعملو حساب ليه وبيخافو منيه كيف الولايا. زمجر رافع وهم بالهجوم عليها عندما نعتته بالضعف والجبن مثل النساء، فصدته نوارة بتوسل ورجاء:
_ أحب علي يدك تعالي معاي ندخلو أوضتنا، وأنتي يا زينب كفاياكي بجي تردي علي أخوكي تعبتوني معاكو وجلبي واچعني، الله يسامحكو.
دفعتها والدتها إلي داخل غرفتها:
_ وأنتي كمان أقصري الشر و همي چوه ومتطلعيش بره أوضتك طول ماهو موچود. دلفت وهي تزفر بغضب وبداخلها تسب هذا السليم بكل اللعنات. وبداخل غرفة رافع ونوارة بعدما أغلقت الأخري الباب، جلست جوار زوجها وتربت علي صدره قائلة:
_ معلش يا أخوي، ما أنت خابر خايتك زين، دي غلبانه وجلبها كيف الحليب، إلا جولي مين الي خابرك إنها راحت القسم لواد عمك؟.
أخرج سيجارة وأشعلها بالقداحة فوضعها بفمه وزفر دخاناً كثيفاً:
_ كنت معاود من مشوار إكده وجعدت علي الجهوة ويا الواد دبيكي نشربو حچرين معسل، أسمع شوية عيال فرافير علي التربيزة الي چارنا چايبين في سيرتها وإنها كانت هربانة بعد ما سوت عمله مهببه، و واحد رد عليه جاله إنه لسه شايفها خارچة من القسم وربنا يستر علي ولايانا، الدم فار في عروجي، جومت دشملت الكراسي فوج روسهم وچيت علي أهنه. لطمت علي صدرها وقالت بخوف وقلق عليها:
_ أوعاك تكون بلغت سليم بيه بالي حوصل!.
إبتسم بتهكم وأجاب:
_ أنتي غلبانه يا نوارة، رچالته مرشجين في كل مكان بالنچع، ده لو دبانه طارت بيبجي عنده خبر مكان ما هتدلي، فكرك ما هيعرفش بالي هببته خايتي!. شهقت وعينيها تتسع بخوف:
_ يا مُرك يا زينب، ياتري ناوي لك علي أي!. زفر دخان سيجارته وينظر نحو الفراغ ويقول بداخل عقله:
_ ناوي يحرج جلبها علي حبيب الجلب، يلا هي الي سوت فيه إكده، خليها تشرب.
ــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ في وقت الفجر يعم السكون ويقاطعه أصوات الطبيعة كحفيف أوراق الشجر و بعض الحيوانات والحشرات كالضفادع وصرصور الليل، وهناك عيون يغلبها النوم وأخري يجافيها والسهاد رفيق لياليها.
بصيص من نور مصباح العمود الكهربائي المزروع أمام نافذة الزنزانة يتسلل إلي داخلها، ينعكس علي تلك العيون الرمادية، يشغل ذهن صاحبها أمر يجهله، كاد يُجن كلما تذكر رؤيتها في زيارتها له وماذا كانت تقصد بأن يسامحها!، ود لو يحطم ذلك الجدار بكل قوته ويخرج ليكتشف ما يحدث في الخارج، وما يخبأه له القدر من إبتلاءات أخري.
بينما هو شارداً، هناك عيون تراقبه عن كثب تنوي له علي الغدر القاتل، تنتظر أن ينهض ليحتك صاحبها به وتكون بداية الشرارة.
وبالفعل عندما دوي آذان الفجر بصوت الشيخ واصف العذب، نهض فارس ليستعد للصلاة بالوضوء، وقبل أن يتوضأ ربت علي صاحبه منصور ليوقظه:
_ منصور، يا منصور.
أصدر الآخر همهمات يغلبها النعاس، أردف:
_ يلا جوم الفچر بيأذن. أستدار منصور علي فرشته البالية الممدة علي الأرض الباردة:
_ روح أنت يا فارس وشوي إكده وهحصلك.
زفر فارس بسأم وقال:
_ أني خابرك ياصاحبي هتكسل تجوم ويفوتك الفچر حاضر. نهض منصور بجذعه متأففاً وقال:
_ أديني جومت أهه، يلا خلص أتوضا وأني بعديك. _ ماشي لما نشوف.
سار متجهاً نحو بيت الخلاء المحاوط وعبارة عن مكان صغير لقضاء الحاجة يتسع لشخص واحد بصعوبة يُحاط بستار داكن، وقبل أن يدلف أوقفه هذا الشخص المريب والذي دلف إلي السجن منذ يومين، يمد يده ويمنعه من الدخول قائلاً:
_ رايح علي فين يا شبح؟.
ومن لهجته أدرك فارس بأنه غريب عن هنا وسري بداخله شعور بأن هناك خطب ما ويجب أن يتخذ حذره، أبتعد فارس خطوتين إلي الوراء وقال:
_ عايز أي يا چدع أنت؟. وضع الشاب يده خلف ظهره وألتقط شيئاً من خلف طيات ثيابه، إنها مُدية قام بإشهارها نحو نحره وقال بتهديد صريح:
_ عايز رقبتك الحلوة دي يا قمور. حدجه فارس بقوة وبحده مباغتاً إياه بالقبض علي رسغه:
_ بعد عن طريجي أحسن لك، واضح إنك غريب عن النچع ولو الي حواليك دول صحيو وسمعو الي عتجوله هيجرجشوك بأسنانهم.
إبتسم الشاب بشرٍ وقال بسخريه:
_ بتتحامي فيهم يعني، طيب يا حليتها وريني هيعملولك أي وأنا بقطعك دلوقت.
وفاجاؤه بللكمة قويه، تفادها فارس بأعجوبة وأنحني أسفل زراع الآخر وقام بجذب ساعده ليثنيه، لكنه تلقي ركلة في ساقه من الشاب جعلته وقع علي الأرض، أستغل وقوعه فرفع المُدية لأعلي ليهبط بها عنقه قاصداً ذبحه، أوقفه منصور الذي نهض للتو يمسك بساعده ليمنعه حتي يتمكن فارس من النهوض.
بدأ يشتد العراك بينهما و فارس يدافع عن منصور والآخر يفعل المثل، تلقي منصور لكمة قويه فأختل توازنه أستدار له فارس ليطمأن عليه فأستغل الشاب بأنه يعطي له ظهره وكاد يطعنه لكن منصور قام بدفع فارس من أمامه وكانت اللحظه الغادرة، تلقي هو الطعنه القاتلة بدلاً من فارس أستقرت في صدره، صاح فارس بأعلي صوته:
_ منصور.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يلا يا ولاد الفطور چاهز.
قالتها جليلة، نهضت فاطمة من الفراش ونظرت نحو تلك النائمة فوق الأريكة بشفقة بعدما قصت عليها حكايتها المأساوية ، وبرغم تحايلها عليها بأن تنام بجوارها لكن قمر أصرت النوم علي الأريكة فكانت يعتريها الإحساس بالخجل والحرج الشديد وإنها ضيفة غير مرغوب بها بعد أن وصل إلي سمعها بعض من حوار جليلة مع زوجها عنها. تثائبت فاطمة وتقدمت نحوها لتوقظها:
_ قمر، أصحي يا قمر، أمي عتنادم علينا. نهضت بفزع تنظر بخوف من حولها، أردفت فاطمة لتطمأنها:
_ ماتخافيش دي أني الي بصحيكي.
تساءلت وهي تتذكر أحداث أمس:
_ أني فين إكده؟. _ أنتي في دارنا، دار الشيخ واصف أبوي. نهضت وأعتدلت قائلة:
_ أيوه صح أفتكرت، معلش بجي يا آنسه فاطمة تجلت عليكي عاد. أبتسمت لها فاطمة وقالت:
_ متجوليش إكده، أعتبريني كيف خايتك، أني معنديش أخوات بنات، مليش غير زكريا وبكر. وحين ذكرت إسم الآخر خفق قلبها وكاد يقتلع ضلوعها، فكانت بالأمس لم تنتبه بأنها في دار عائلته بقدر إنشغالها في مصيبتها، بادلتها البسمة وقالت:
_ الله يخليكي، وميحرمكيش منيهم.
قامت فاطمة بفتح النافذة لدخول أشعة الشمس وتهوية الغرفة:
_ يلا جومي أغسلي وشك وتعالي نفطرو، زمان أمي حضرت لنا فطور هتاكلي صوابعك وراه. نظرت لأسفل بخجل:
_ معلش روحي أفطري معاهم، أني مينفعش أخرچ من أهنه. رمقتها فاطمة بتعجب فسألتها:
_ ليه عتجولي إكده؟. أجابت ببراءتها الغير مصتنعة:
_ أصل أني منتقبة كيف ما خابرتك ليلة إمبارح. تركتها فاطمة قائلة:
_ ثواني.
وأتجهت إلي خزانتها وأخذت تبحث عن شيئ ما حتي وجدت ضالتها، أغلقت الخزانه وعادت إليها:
_ أتفضل يا چميل، نقاب وصاية.
رمقت مابين يديها بعدم تصديق والبسمة تعتلي ثغرها، فسألتها:
_ أنتي كمان منتقبة؟. أومأت لها بالنفي وقليل من الحزن علي ملامحها:
_ أدعيلي بأن ربنا يهديني وألبسه، أني كنت وخداه من بكر أخوي لما چاب بضاعه، أصله بيتاچر في الخمارات والنقاب وچلاليب البيضا وسبح وسچاچيد صلاه، لاجيت عنديه النقاب الحلو دي عاچبني وعطهولي، جالي بإذن الله هيكون حلو عليكي، ومن وجتها وأني ركنها في الدولاب، وأهه چه له وجت منفعه، طلع من حضك ونصيبك. تناولته من يديها تنظر له بإنبهار:
_ شكراً جوي جوي يا فاطمة، معرفاش أجولك أي بچد، فعلاً شكله حلو جوي.
ربتت فاطمة عليها:
_ وهيبجي أحلي عليكي، جومي يلا ألبسيه وحصليني. تناولت منشفة قطنية الخاصة بها وألقتها فوق كتفها وخرجت، وجدت عائلتها يجتمعون حول مائدة الإفطار ماعدا زكريا :
_ صباح الخير. بادلوها التحية، فتساءل إبيها:
_ أومال فين قمر يابتي؟.
وكان نفس السؤال يتساءله بكر بينه وبين نفسه، وعينيه تختلس بعض النظرات نحو غرفة شقيقته، يريد أن يطمأن عليها بشده لاسيما بعد علمه بكل شئ عنها وما حدث معها بعد ما أخبره والده وأوصاه عليها، لكن ألقي عليه جملة زلزلت كيانه حيث قال والده بأن يضعها بداخل عينيه مثل شقيقته فاطمة، كيف يراها شقيقته وكلما سمع إسمها قلبه يخفق ويتراقص رغماً عنه. أجابت فاطمة علي أبيها:
_ عتلبس نقابها وخارچة ورايا. نظرت جليله بتهكم دون أن تعقب بكلمة خشية من لوم زوجها لها، فقالت:
_ أومال فين أخوك يا بكر؟.
أجاب بصوته الهادئ العذب:
_ خرچ من إمبارح وما رچعش، هتلاجيه بايت في المصنع أو عند چماعه أصحابه. عقبت بسخريه:
_ أو تلاجيه ويا واحده من إياهم. رفع بكر كتفيه قائلاً:
_ الله أعلم، إن بعد الظن إثم يا أمي، وأدعيلو بالهداية. _ ربنا يهدي البيت كله يا ولدي، ويكفينا شر المستخبي. _ صباح الخير.
صوت رقيق تتراقص له القلوب عند سماعه، يخشي أن يستدير نحوه ويرتكب ذنب النظر إليها، ردد التحية مع والديه، فقال واصف:
_ يلا يابتي الواكل هيبرد، خالتك أم زكريا عليها صحن فول بالطماطم حكايه.
لاحظت جليلة تخضن وجنتي بكر بالدماء، فسري الشك في قلبها بأن هناك خطب ما، فقالت:
_ خليها علي راحتها يا حاچ وأني هچهزلهم الفطور في صينيه وياخدوه چوه، كيف ما أنت شايف لابسه نقاب وماتعرفش تاخد حريتها قدامنا. وجد زوجته علي صواب، فقال:
_ الي تشوفيه يا أم زكريا.
وبعد إنتهاء الجميع من تناول الفطور، خرجت قمر من غرفة فاطمة تحمل صينية الطعام لتضعها في المطبخ، رأت البخار يتصاعد من براد الشاي، فأوصدت الموقد وقامت بسكب الشاي في الأكواب، حملت الصينية، وفي طريقها للخروج كادت تصتدم به وتقاذف القليل من الشاي علي جلبابه، أمسك منها الصينيه قبل أن تنزلق من يديها، صاحت بإعتذار :
_ أني أني آسفة ماكنت أجصد واصل. رد بدون أن يحملق في عينيها:
_ أهدي مفيش حاچة حصلت لكل الخوف والجلج دي.
ردت بعفوية:
_ خلاص روح أجلع الچلابيه وناولهالي أغسلهالك جبل ما بجعة الشاي تلزج فيها ومتطلعش بسهولة. إبتسم رغماً عنه من عفويتها وإهتمامها الجلي به وبدون أن يشعر بما يقوله:
_ فداكي مليون چلابية. غرت فاهها تدرك ما قاله، وحين أنتبه لما تفوه به، أنطلق كالريح من أمامها.
ما زالت تقف مذبهلة تعيد كلماته مراراً وتكراراً في عقلها، أنبلجت فرحة عارمة علي ملامحها وثغرها الباسم من أسفل غطاء وجهها، قاطع إبتسامتها دلوف فاطمة التي قالت:
_ ما تضحكينا وياكي إكده.
_ كيف عرفتي أني كنت بضحك؟. ضيقت عينيها بمكر، فهي قبل أن تدلف رأت شقيقها يسرع خطواته و وجهه شديد الإحمرار، يبدو أن هناك قصة حب وليدة اليوم وربما منذ أيام.
_ تجدري تجولي إنها إبتسامة مش ضحكة ودي بتبان في العيون أكتر. فرت قمر من نظرات فاطمة وأسرعت إلي الغرفة، فهي عندما ترتبك هكذا لا تستطيع التحدث. ولنذهب إلي منزل الجحيم التي هربت منه بأعجوبة، كان يتمتم عامر مع نفسه حتي أنتبه لشقيقته وهي تعطيه كوب الشاي:
_ يا خيبتك القوية يا نفيسه في أخوكي.
حدجها بإمتعاض وقال:
_ كنتي عايزاني أسوي أي أكتر من إكده، أني لافيت النچع كله شبر شبر ملجتهاش، فص ملح وداب. _ ما دورتش في الدور المهچورة نواحي الترب؟. أرتشف من الكوب القليل وأجاب بتوتر:
_ أيوه دورت في كل دار فيهم. رمقته بعدم تصديق:
_ متوكد، أصلي خابراك زين، بتترعب من ضلك، كيف بجي دورت چوه دور مليانه باللهم أحفظنا!.
نهض وترك لها الكوب فارغاً:
_ ما خلاص بجي يا نفيسه، جولتلك دورت وملجتهاش، يمكن حد خطفها ولا ندهتها النداهة وغرجت في الترعة.
نظرت بغل وحقد قائلة:
_ يسمع من خشمك آمين، لكن الي كيف الحربايه دي هي الي تخطف بلد وتخلي النداهة ترمي نفسها في الترعة، ياما شوفت علي يدها من خالها الله يسامحه مطرح ما راح.
وفي إحدي الأركان كان يختبأ الصغير ويبكي بدون صوت عندما علم بهروب قمر والسبب والدته وخاله حلفاء أبليس اللعين، فكر قليلاً حتي أتت في ذهنه فكرة ستكون الملجأ الوحيد للوصول إليها، قائلاً بصوت لايسمعه سواه:
_ هو مفيش غيره الشيخ بكر هو الي هيساعدني ألاجيها وبالمرة أخابره بالي سمعته لأچل ينقذها من أمي وخالي ، الله عليك يا عمر يا أبو الأفكار.
تنهد وأردف داعياً ربه:
_ يارب ياقمر تكوني زينة وبخير لحد ما نعتر عليكي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظ من نومه علي رائحة طعام شهية تضورت لها معدته من الجوع، فنهض مسرعاً يتبع مصدر تلك الرائحة حتي وصل إلي المطبخ، توقف عند رؤيتها تغني بصوت جميل ورائع، تُعد الطعام وتتناول ملعقة تتذوق ما قامت بطهيه بتلذذ، لعقت شفتيها بطريقة جعلته يقف متسمراً وبحركة غير إرادية لعق شفتيه هو أيضاً وكأنه يتذوق خاصتها.
أستدارت لتجلب الصحون فتفاجاءت به، شهقت بفزع وتمسك بحجابها لتتأكد من وجوده عاي رأسها :
_ واه، أنت واجف من ميتي؟.
حك فروة مؤخرة رأسه بتوتر مبتسماً:
_ من وقت يا صباح الخير يالي معانا و وصلة أم كلثوم. توهجت وجنتيها إحمراراً من الخجل، تركت ما بيدها علي طاولة المطبخ الرخامية، وهمت بالذهاب، وقف أمامها قائلاً:
_ رايحه فين بس، مش هتكملي الأكل، أنا هموت من الجوع وبصراحة صحيت علي الريحة والي جابني هنا معدتي، يعني مش زي ما فهمتي. أطلقت زفره كمحاولة لتصديقه، فقالت:
_ طب تعال ناولني الصحون، و حط لنفسك صينية لحالك وأني هاخد صينية لحالي أفطر في الأوضة.
_ طيب ممكن عشان خاطري تفطري معايا النهاردة، أنا من طبيعتي مبفطرش وبكتفي بفنجان إسبريسو بس عشان ماكلتش من إمبارح فصاحي جعان أوي.
لاحظ علي ملامحها شئ من الرفض أو المعارضه، فأكمل برجاء:
_ أعتبري نفسك في مطعم وأنا زبون ملقتش مكان فاضي أقعد فيه فحبيت أشاركك في الطربيزه الي أنتي قاعده عليها. إبتسمت بسخرية وقالت:
_ ماشاء الله عنديك قوة إقناع ماتخيبش عاد. إبتسم بزهو وفخر قائلاً:
_ حُكم المهنة بقي. _ حيث إكده روح أنت وأني هاحضر الحاچة وچاية.
وبعد ذهابه إلي المرحاض وقيامه بغسل وجهه وأسنانه، بدل ثياب نومه بأخري، و ذهب لتناول الفطور برفقتها، وعندما جلس وجد أمامه فنجان القهوة الخاصة به، أمسكه وأرتشف منه بإستمتاع:
_ تسلم إيدك، عملاها مظبوط زي ما بشربها بالظبط، واضح إنك شاطرة وبتتعلمي بسرعة. رمقته بإبتسامة صفراء وهي تمضغ الطعام وبعدما أبتلعت ما بفمها، ألقت عليه نفس كلماته بنفس أسلوبه:
_ حُكم المهنة بجي.
قهقه من سخريتها له، ظلت تحدق به ولأول مرة تتحقق منه، فملامحه تنضح بالوسامة رغماّ من تخلل الأبيض خصلاته السوداء ويتوسطها القليل من الرمادي، مهلاً عينيه لونها كزرقة مياه البحر تجذبك للتحديق بها بدون إرادة.
توقف عن الضحك وصمت منتبهاً لتأملها في وجهه، أنتبهت لملاحظته إياها، وبخت نفسها قائلة بداخل عقلها:
_ فوجي يابت وأتلمي، مالك عتبحلجي في الراچل إكده من غير خشا ولا حيا، عچبك أهو خد باله. نظرت إلي صحنها الفارغ بخجل، فسألها بمكر :
_ مالك كنتي سرحانه في أي؟.
أزدردت لعابها وأجابت بتوتر:
_ مفيش، جصدي كنت بفكر في زينب يا تري لاجيتوها ولا رچعت البلد ولا لساتها هربانه؟. تبدلت ملامحه إلي التجهم المصتنع، فهل سيخبرها بأنهم وجدوها بالفعل وعادت إلي أهلها وستصبح زوجة صديقه خلال أيام، لكنه يخشي ما بعد ذلك وهي مطالبته بأن تعود إلي بلدتها وتركها وشأنها، مجرد فكرة إبتعادها عنه غير مقبولة ولا يعلم ماسبب هذا الإصرار. _ ياه للدرچدي الإچابة محتاچة للتفكير كل دي. تهرب من النظر إليها حتي لاتكشف كذبته، رد قائلاً:
_ لاء، بس أفتكرت حاجة مهمة.
نهض ومسح يديه بالمحرمة:
_ تسلم إيديكي علي الفطار اللذيذ، متعمليش حسابي علي الغدا ممكن أرجع متأخر شوية. رمقته بتعجب وتمتمت بدون أن ترفع صوتها:
_ شوف الراچل عيتحدت وكأني مارته. وصلت جملتها إلي أذنه فأبتسم وأراد مشاكستهاغقال وهو يذهب إلي غرفته:
_ لو مراتي، مكنتش روحت الشغل وقعدت أتغديت وحليت كمان معاها بس مش علي السفره. ألتفت إليها وأردف بخبث مشيراً إلي غرفته:
_ في أوضة النوم.
شهقت بخجل من وقاحته وحديثه الجرئ.
وبعد إنتهائه من إرتداء ثيابه والإستعداد للذهاب إلي عمله، خرجت من المطبخ بعدما قامت بجلي الصحون وترتيب كل شئ في مكانه، أوقفته ولم تنظر إليه:
_ أستاذ صلاح؟. وقف أمامها، يعقد رابطة عنقه:
_ ملهاش داعي الألقاب مابينا، قوليلي صلاح زي ما بقولك سمية. رفعت عينيها بإحراج قائلة:
_ العين متعلاش عن الحاچب، أني فين وأنت فين يابيه.
ضحك وقال:
_ أي جو فيلم أفواه وأرانب ده علي الصبح، بصي يانعمة، أصدي ياسمية أنا زي ما أنت شوفتي بعينك بسيط وبحب البساطة ومليش في جو البيه و باشا، فعايزك تاخدي راحتك معايا في الكلام، أعتبريني صاحبك. عقدت مابين حاجبيها:
_ واه، صاحبي، أتحشم يا بيه.