Uncategorized

فارس بلا مأوى ٦

يجذب لها الكرسي قائلاً:
_ أتفضلي. ردت بإقتضاب متفحصة ملامحه بدون أن يلاحظ نظراتها الخفية:
_ شكراً. و ذهب ليجلس مقابلها،  أطلق زفره من أعماقه،  يحمل من الهموم جبال علي كاهليه، فقلبه موچوع ولايريد أن يؤلم غيره مثلما يتألم هو. _ تحبي تاكلي أي؟.
سألها ويمسك بقائمة المأكولات التي يقدمها النادي و مازال لاينظر إليها وكأنه يتهرب منها. أجابت علي مهل:
_ أنا عايزة أشرب نسكافيه، حاسة بصداع رهيب عشان مابنمش بقالي يومين ويمكن أكتر.

رفع رماديتيه فرمقها بإبتسامة هادئة:
_ وياتري جلة النوم دي لأچل تعب الحاچ ولا عشان حاچة تانية؟. ظلت تحدق في رماديتيه لثوان ثم أجابت:
_ مش عارفة. علم إنها تفر من الإجابة علي سؤاله، تنهد و كاد سيتفوه فسبقه النادل:
_ أي طلبات يا فندم، عندنا كل الي موجود في المنيو و في واجبات كمان. أجابت شهد بدلاً من فارس:
_ أنا عايزة واحد نسكافيه سادة، وبعد كده هنطلب الأكل. _ وحضرتك يافندم؟. رد فارس:
_ واحد جهوة مظبوط.

ذهب النادل وظلت شاردة في أثره، فأخرجها حمحمته من شرودها:
_ حابب أدردش وياكي عقبال ما تيچي الجهوة. قلبها يدق بقوة، لاتدري ماذا عساها أن تقول له، تحمل في طيات قلبها الكثير إليه، بينما هو من النظر في رماديتيه المليئة بالشجن علمت إنها مُقبلة علي حرب ضروس طاحنة ومهلكة لقلبها. _ أتفضل أنا سامعاك.
تفوهت بها وهي في ترقب لما سيخرج من بين شفاه.

_ مبدأياً إكده كيف ما سمعتي أني أسمي فارس قاسم القناوي، من قنا، أبوي الله يرحمه كان عمدة النچع.
كانت ساقه تهتز أسفل الطاولة عادة تلزمه كلما يداهمه التوتر.
_ كنت في أمريكا كملت دراستي وحضرت الماچيستير ونويت علي الدكتوراه، لكن چالي عرض في أكبر شركات البرمچة والكمبيوتر هناك في نيويورك، أشتغلت حداهم تلات سنين ورچعت لأچل….

صمت في محاولة التفكير أن يخبرها بتأني حتي لايجرح مشاعرها
أزدرد لعابه ليستطرد:
_ أني كنت خاطب زينب بت عمي من زمان، من وجت ما خابرت معني الحب ماحستهوش غير وياها وهي كمان بتحبني، ولما رچعت من أمريكا رچعت عشان نتچوز لكن فچاءة كل حاچة أتشقلبت اليوم ده.

ذهب ببصره ينظر إلي مياه النيل التي تعكس أشعة الشمس المتوهجة، يرجع بذاكرته إلي ذاك اليوم وأخذ يقص عليها كل ما حدث له من بداية وفاة والده والقبض عليه بتهمة ملفقة إلي أن تعرف علي والدها، فكانت تستمع إليه بكل حواسها، وكلما ذكر لها مدي خسارته لزينب التي لايعلم أين هي، تحاول كبت غضب قلبها الثائر. _ هي دي كل حكايتي. جاء النادل و وضع أمام كل واحد علي حده مشروبه وذهب، أمسك فارس بفنجانه وأرتشف القليل، فباغتته بسؤال لم يتوقعه يوماً:
_ زينب لو ظهرت وشوفتها في يوم من الأيام هترجعلها؟.

بسمة يخالطها حزن دفين أختلجت ملامحه، في إنتظار الإجابة علي أحر من الجمر، وقبل أن يجيب أطلق تنهيدة وكأنها آهه يخرج بها ألم فؤاده:
_ للأسف آخر مرة شوفتها خلعت الدبلة وعطتيها لي . تعجبت فسألته بدهشة جلية ومصتنعة في آن واحد :
_ ياه، باعتك بدل ما توقف جمبك؟. نظر مرة أخري إلي النيل ليجيب قائلاً:
_ زينب الي شوفتها في اليوم ده كانت خايفة وقلقانة وكأنها مغصوبه علي حاچة، ما أنكرش صدمتي فيها لما سوت إكده وطلبت البعد، غصب عنها، متأكد إن أخوها رافع هو الي غصبها إنها تهملني.

أبتلعت غصتها لتسأله مرة أخري حتي تتأكد من حدسها:
_ طيب سؤال أخير وآسفة لو بزعجك، أنا سمعت بابا وهو بيقولك إنه هيساعدك لما توصل لبرائتك  ، بعد ما تاخد البراءة هاترجع لبلدك و… توقفت لتلتقط أنفاسها، وأردفت:
_ قصدي يعني هاترجعلها؟.

أدرك مقصد سؤالها المتكرر ومخاوفها ولكي لايكون معها منافقاً أو خادعاً فأختار أن يصارحها بدواخله:
_ بصي يا بنت الناس أني يبجي بخدعك لو جولتلك لاء، أني خابر وقاري الي في عينيكي زين جوي، سبق وجولتلك أني وعيت علي الدنيا عليها وأول ما جلبي دق برضك كان ليها، بجينا روح واحدة في چسدين، أتعهدنا إن الي هيفرقنا حاچة واحدة بس وهي الموت، لأچل إكده من وجت آخر مرة شوفتها و بجيت كيف الميت. بدأت تتجمع العبرات في عينيها كالغيوم الملبدة في سماء الشتاء

_ مش ممكن تدي لقلبك فرصة تانية مع حد بيحبه، حد مستعد يعمل أي حاجة عشان يرضيه ويسعده؟. الشعور بالأختناق يداهمه من رؤيتها في تلك الحالة، لايريد أن يؤلمها كما يتألم ويتذوق عذاب شوقه لمعشوقة قلبه و في ذات الوقت لايريد أن يشيد لها قصور من وهمٍ أو يعطيها أملاً في واقعه خيبة، فهي كالتائه في صحراء قاحلة ويبحث عن الماء ليروي جفاف حلقه وكلما تقترب من البئر تجده سراباً.

تحمحم ليجيب بكل صدق:
_ جلبي ماهوش ملكي، كل الي هيبجي بيني وبينك أول مايتجفل علينا باب واحد كل الإحترام والتقدير، معلش لو حديتي ضايقك، كان لازم أبجي وياكي علي نور من الأول، وليكي الأختيار في الآخر يا تقابلي تتچوزيني أو ترفضي. صرخة بل آلاف الصراخات المترددة بداخلها، ودت لو أطلقتها لعلها تخفف ألم فؤادها المقهور، لما أوقعها القدر في درب قلب ملتاع علي فراق محبوبته!.

لا تجد سوي أن تطلق عبراتها في صمت، نهضت و وقفت لدي حافة السور الزجاجي لتجهش في البكاء، نهض ليتبعها،فوقف بجوارها بدون أن ينظر إليها، أخذت تجفف عبراتها بيديها ثم ألتفتت إليه:
_ أنا عايزة أروح. رد برفض وإصرار:
_ ماينفعش تروحي غير لما تاكلي الأول. صاحت برفض مماثل:
_ مش عايزة أكل. أمسكت بحقيبة يدها إستعداداً للمغادرة،أشهرت سبابتها بتحذير في وجهه:
_ أنا هاروح لوحدي إياك تيجي معايا.

وبسبب صوتها المرتفع ألتفتت إليها الأنظار، عقد حاجبيه بغضب، أخرج من جيبه ثمن المشروبات و وضعه علي الطاولة، جذبها من يدها كالطفلة بدون أن يتفوه بحرف وسار بها نحو الخارج وهي تزجره:
_ سيب إيدي، أوعي مابتفهمش، بقولك عايزه أمشي لوحدي. كل مايقابلهما في الطريق يحدق بهما، يبدو علي وجهه إمارات الغضب من صياحها المدوي و هي كانت تحاول سحب يدها من قبضته لكن لامحالة، فقبضته كالفولاذ.
أشار إلي سيارة أجرة، فتوقفت أمامهما.
_ أنت أي معندكش عقل بتفكر بيه بقولك…..

قال لها بأمر:
_ أركبي. _ مش راكبه. زجرها بتلك النظرة التي تخيفها وصاح بها:
_ جولت أركبي. جزت علي أسنانها بحنق،  تشهق وتزفر بقوة،فأذعنت لأمره في النهاية ودلفت إلي السيارة و دلف أيضاً بجوارها ليقول للسائق:
_ أطلع ياسطا. * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * _ ونعود مرة أخري إلي نجع نور الدين حيث منزل الشيخ واصف، تتعالي فيه أصوات جليلة وإبنتها في مشاحنة حادة.
_ جولتلك ماريحاش عند خالي، ولا هو بالعافية عاد!.
صرخت بها فاطمة،  فصاحت بها جليلة بالأمر والقسم:
_ طب عظيم ويمين بالله لأنتي لابسه خلچاتك دلولق وهاتيچي معايا حداهم.

أنتفخت أوادجها وفاض بها الأمر فقالت بتحدي وإصرار:
_ قسم جصاد قسم ويمين بالله ماريحاش عند حد واصل. خلعت جليلة نعلها للتو والشرر يتطاير من عينيها:  _ عتحلفي علي أمك يا جليلة الرباية،  والله ما هحلك من يدي. أنقضت عليها قبل أن تفر من أمامها وأنهالت بنعلها علي كل أنحاء جسدها والأخري تصرخ بإستغاثة.
_ ألحجوني، هملني ياماه، بعدي عني. دلف واصف من باب الدار ليري مايحدث أمامه، هدر بزوجته:
_ چليلة. توقفت لترمقه بتحذير:
_ خليك في حالك يا أبو زكريا، وهملني أربي بتي.

خطي نحوها ليمسك بيد إبنته وجعلها نهضت ويحتضنها بحنان:
_ عيب يا وليه الي عتسوي في بتك، فاطمة مابجتش العيلة أم ضفاير. _ وأني من ميتي عضربها غير لما تكون سوت حاچة عفشة، أسألها إكده؟. رفعت عينيها الباكيتين لوالدها وقالت:
_ والله ياباه ماسويت حاچة واصل، كل الي جولته ليها إن ماريحاش عند خالي. تفوهت الأخري من بين أسنانها:
_ وفيها أي لما تزوري وتطمني علي خطيبك!. _ لما يبجي خطيبي الأول. رفعت إحدي حاجبيها فسألتها:
_ جصدك أي يا بت بطني؟.

أختبأت خلف والدها لتأخذ حذرها:
_ أني أتفجت وياه مفيش لاخطوبة ولا چواز غير لما يتوب عن تچارة المخدرات والسلاح وعن أي حاچة حرام. ربت والدها علي يدها بإحسان وثناء:
_ بارك.الله فيكي يابتي، زين ما جولتي. غرت جليلة فاها بصدمة من زوجها وإبنتها مما جعل الدماء تغلي في عروقها:
_ أنت عتشجعها يا واصف  بدل ما تكسر راسها الحچر دي!. زجرها بنظرة تحذيرية قائلاً:
_ بتك صوح يا چليلة، والي عاتسويه إنها تخلي واحد عاصي يتوب لربه وتنول أچر عظيم عند ربنا.

جلست علي أقرب كرسي لها واضعة يديها فوق رأسها:
_ نفوخي يا عالم، الضغط هايموتني، چوزي وبتي رايدين يخلصو عليا. وصرخت بآخر كلمة.
* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

_ و هنا في دار خميس القناوي تتعالي ضحكات الشباب، فقال زكريا من بين قهقته:
_ كل ما أفتكر شكل خايتي لما أطخيت،  في عز ما كنت مخلوع في نفس الوجت كنت هاموت من الضحك،  فكرتني بستك نچيبة الله يرحمها لما چدك أغمي عليه وأفتكرته مات جعدت تولول  لحد ما فاق راح عطيها كف.
نهض وأمسك بعصا رافع ليكمل أدائه وتقليده الفكاهي:
_ أكتمي يا وليه يا خرفانه، عتولولي عليا ولساتني عايش، جبر يلمك أنتي وعيلتك نفر نفر.
ضحك رافع ثم تأوه واضعاً يده لدي موضع جرحه:
_ أرحمني بجي من كتر الضحك حاسس الچرح هيتفتح.

فقال الآخر مازحاً:
_ چرح أي يا أبو چرح،  ده الدكتور بجي مستغرب كيف الرصاصة رشجت في ضلعك ومعدتهوش، كان نفسي أجوله متخافش عليه يا دكتور ولد خالي من كتر ماعيشتغل في الخرده چتته بجت كيف الحديد. لكزه رافع في صدره ويضحك حتي لاحظ صمت بكر الشارد، فناداه:
_ كيفك يا شيخ بكر، من وجت ما چيبتني مع أخوك وأنت شارد، للدرچدي ماجدارش تبعد عن المزه؟. وأنهي كلماته بغمزة وقحة، فسبر أغوار الأخر،  نهض و أشار له بتحذير:
_ أني محترم فرق السن الي بينتنا يا رافع،  ولولا إكده لكان ليا تصرف معاك تاني عاد.

أعتدل رافع في جلسته وقال:
_ مالك يا چدع، أني كنت بهزر معاك،  ومارتك كيف خايتي،  ما أجصدش حاچة واصل. قبل أن يجيب نظر لشقيقه الذي تهرب من نظراته  ثم رمق إبن خاله الذي تعجب من غضبه،  فجميعهم يعلم مدي تحليه بالصبر والحلم.
_ وأنت خابر أني مليش في هزاركم الماسخ ده. وعاد بنظره إلي أخيه الذي أراد تغير الأجواء والفرار من نظرات الإتهام في عين شقيقه.
_ إلا جولي يا رافع هو لما دخلك الظابط،  جالك مسكو الي طخك ولا لاء؟.

سأل رافع وأمسك بإناء الفخار ليرتشف القليل من الماء، عاد الأخر إلي الوراء ليتمدد بظهره وينعم بالراحة،  فأجاب:
_ آه جالي إنهم چابه وشه من تسچيل الكاميرات،  وجدرو يوصل له علي ما أظن إسمه مچاهد  أنور مچاهد. وفي لحظة كان كل ما بفم زكريا من ماء تناثر في الهواء كالرذاذ في وجه رافع الذي رمقه بإزدراء وصاح به ويجفف الرذاذ من علي وجهه:
_ الله يجرفك، عيل عِفش.

كان يداهمه السعال حتي بدأ يهدأ فقال:
_ معلش يا رافع، أصلي شرجت.
جلس علي الكرسي و الشحوب يكسو وجهه فأردف وقد نسي وجود بكر :
_ خابر يبجي مين مچاهد دي، يبجي أخو البت ورد. رد الآخر بحماقة:
_واه، ورد البت الي كانت حبلي منك ولما چت تجتلك جتلته…. لم يكمل حين زجره زكريا وأصلح ما قال:
_ جصدك كانت هتجتلني وهربت، صوح ولا أي. هز رافع رأسه بالإيجاب:
_ صوح. وينظر نحو بكر الذي يرمقهما بتجهم قائلاً:
_ ورد!،مش دي الي أخوها خطف خايتك لأچل يعرف مطرح أخته الي ضحكت عليها وحبلت منك.

أتسعت سواديتين رافع وهو يربط خيوط الحديث ببعضها البعض، فقال غير مكترث لزكريا:
_ والرصاصة الي أخدتها كنت أنت المجصود مش أني!. حدج بكر بغضب في أخيه:
_ صوح الي فهمته ده يا أخوي، بجيت زاني وجاتل، بدل ما تصلح عملتك وتتوب تسوي ذنب أكبر، ذنب أي ده أنت سويت أتنين من الكبائر، زنا و جتل. أزدرد الآخر لعابه فقال بدفاع عن حاله وإنكار:
_ أنت فهمت غلط يا أخوي. نهض بكر وهم بالذهاب، في تلك اللحظة ولجت رسمية تحمل صينية الطعام:
_ رايح فين يا بكر، يلا عشان تاكله.

_ تسلم يدك يا مرات خالي، أبجي أچيلكم في وجت تاني، سلام عليكم.
قالها و ذهب مما اثار خوف زكريا الذي هم بالذهاب أيضاً واللحاق بأخيه:
_ معلش يا مرات خالي، أصلي أمي لسه مكلماني و رايده أروحلها ضروري، ألف حمدلله علي سلامة رافع، عن أذنك. نظرت في إثرهم وقالت:
_ مالهم ولود عمتك، واحد خارچ كيف الي ميت له ميت والتاني متلهوچ. ردد رافع ويفكر بالأمر:
_ ده بينه هيبجي مرار طافح. وبالخارج أمام أطلال منزل قديم، يركض زكريا خلف أخيه:
_ بكر، يا بكر، وجف ياض عندك، جلبي هيجف من كتر الچري وراك.

توقف الآخر ليقول بسخرية:
_ و عتچري ليه ورايا، خايف لأبلغ أبوك وأمك وأفضحك عندهم، ولا خايف للبوليس يشم خبر بالي سمعته!. يلتقط أنفاسه بللهاث، فأجاب:
_ أنت فاهم غلط، أني فعلاً غلطت وياها لكن ماجتلتهاش والله العظيم…… قاطعه بكر بصياح:
_ إياك تحلف بالله كذب، كفاية سجطت من نظري وصغرت جوي جوي كمان، للأسف أمي دلعتك بزيادة وكانت تداري علي مصايبك وبلاويك، ماخبراش إنها إكده بدل ما تربيك بتفسدك، وأدي النتيچة، ما هملتش ذنب غير ما سويته، تسكر وتزني وتبص علي دي وماتعتقش دي وأخرتها تقتل، لاء والكبيرة بجي، عينك من مرات أخوك.

جحظت عينيه من هول ما تفوه به شقيقه:
_ عتجول أي، عيب يا بكر و راعي إن أخوك الكبير. صاح بغضب عارم:
_ تجدر تفسر لي يا أخوي يا كبير، ليه كل ما تشوف مارتي عينيك ماتنزلش من عليها!. ولي الأخر إليه ظهره خشية من مواجهته قائلاً:
_ كفياك تخاريف، مارتك ببص لها كيف خايتي.

ألتفت بكر ليصبح أمامه:
_ خايتك!، هو فيه برضك أخ يبص لخايته كيف ما تبص لمارتي!.
أمسكه من تلابيبه ليردف:
_ ليه إكده يا ولد أمي وأبوي،  ضاجت في خلقتك من بين كل البنات والحريم عينك ماتشوفش غير مارتي!، كل ما كنت أشوف نظراتك ليها، كأنك چبت خنچر وتدبو في جلبي. ترك تلابيب قميصه ليباغته بهذا السؤال الصادم:
_ عتحبها إياك؟. لم يكن قادراً علي التفوه أو الإجابة وأكتفي بنكس رأسه لأسفل،  يخطو الأخر إلي الوراء قليلاً غير مصدق لما يراه من خزي وخيانة.
أجل خيانة، كيف يسمح لقلبه أن يحب زوجة أخيه!.

_ ما عتردش ليه؟، أكدب عليه وجولي لاء، جولي إن بتوهم ومچرد تهيؤات!. أجاب بدون أن يرفع عينيه في خاصته:
_ مش بيدي، وماتسألنيش أي السبب لأني أني نفسي ماخابرش، ورايدك تطمن عمري ما أتعدي حدودي، هافضل أبص لها علي إنها مارت أخوي. قهقه بسخرية لاذعة:
_ أنت عتضحك عليا ولا علي حالك؟، هجولك أني، أنت من كتر الوساخة والفچور الي عايش فيهم مبجاش جلبك وعقلك يفرقو مابين الصح والغلط، الحلال والحرام. لم يتحمل كم هذه الإهانات التي أصابته في مقتل وجعلته يشعر بالضيق والكراهية من نفسه، فأخرج ما فاض به وأنهال علي شقيقه بلطمة صارخاً به:
_ أخرس.

* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *
_ ولج إلي الداخل يسحب الحقيبة خلفه.
_ تعالي.
ولجت إلي هذا المنزل الجديد تتأمل جدرانه التي أثارت بداخلها شعور بالغربة رغماً من إنها في البناء المقابل للبناء التي تقطن به عائلتها. _ واقفة عندك بتعملي أي؟.

أنتبهت إلي صوته، فسارت إليه تنظر له ولا تعلم من أين تبدأ الحديث معه، بالأمس ما إن رأت إسمه ينير هاتفها وصوت نغمة الرنين التي خصصتها له فقط رقص قلبها من الفرح والسعادة تملأ محياها،تظن إنه كان يمزح في شرط رجوعه إليها وهو الزواج بأخري، وبمجرد أن سمعت صوته و تحدث أصبحت حالتها علي النقيض تماماً، خاب ظنها عندما أخبرها أنه لايتراجع عن شرطه قد أصبح قرار محسوم أمره وعليها الخيار فإذا وافقت تُعد حالها وتستعد للذهاب إلي منزلهما الجديد، و ها هي الآن بداخله وبرفقته، لكن معاملته التي مازالت تتسم بخلوها من المشاعر
ويكسوها الجليد، تجعل قلبها يشعر بالوخز

طوال الوقت، تشتاق إلي نظرات عشقه إليها وإلي أحضانه الدافئه وإلي صوته الحاني عندما يلقي علي مسامعها أجمل الكلمات ومعاني الحب السامية، تشعر حينها وكأنها ملكة متوجة تتربع علي عرش فؤاد معشوقها. أبتلعت لعابها لتبدأ الحديث قائلة:
_ شكراً. رد في طريقه إلي الغرفة ويفك أزرار قميصه:
_ علي أي؟. ذهبت خلفه وبخجل أجابت:
_ شكراً علي أنك سامحتني و ردتني.

ألتفت إليها وأمسكها من عضدها وبجمود يرمقها قائلاً:
_ أنا رديتك أه،  لكن ماسامحتكيش لسه، وأوعي تفتكري رجعتك عشان بحبك وعاشق ولهان ومش قادر علي بعدك، عملت كده عشان خاطر بنتنا الي ملهاش ذنب تتربي في جو أسري مفكك،  وملهاش ذنب ربنا رزقها بأم أنانية وكدابة ومش أهل للثقة. كانت كلماته كالسهام المخضبة بالسم القاتل،  تو ملامسته للجسد تو ماينتشر سريعاً.
أزدردت غصتها كمرار العلقم فقالت:
_ كلنا بشر وبنغلط و ربنا بيسامح. ترك زراعها بحدة:
_ و البني آدم مننا لما بيغلط المفروض يتعلم من غلطه مش يكرره!.

أقتربت خطوة لتصبح علي قرب شديد منه:
_ وأنا أتعلمت وعمري ما هكرر غلطي تاني،  نبدأ صفحة جديدة مع بعض، ولا أقولك أعتبرنا لسه متعرفين علي بعض من أول وجديد. إبتسامة هاكمة غزت ثغره رداً علي ما تفوهت به، رد بسخرية وتهكم :
_ نتعرف علي بعض من أول وجديد ولما نتخانق في يوم من الأيام وأبعد شوية،  تروحي تغفليني وتخونيني مع علي،  صح!. كم جرحتها كلماته و قبل أن تؤلمها ألمته هو بشدة، وأن قبلت بالعودة فعليها أن تتحمل.

_ و ده كان زمان خلاص،  وكنا مخطوبين. دهشة أعتلت وجهه:
_ جواز، خطوبة الخيانة فيهم واحدة مابتتجزأش وأديكي بتدفعي ولسه هاتدفعي تمن خيانتك. ردت بإنكار، فنعتها بالخيانة وصف بشع للغاية:
_ أنا مش خاينة، لكن أنت الي هاتبقي خاين لما تنقض وعدك ليا إن قلبك وكل ماتملك ليه أنا بس وعمر ما حد هيشاركني فيك، و دلوقت قبل ماتوافق علي رجوعي أشترطت إنك تتجوز عليه!، مش دي تعتبر خيانة برضو؟.

_ لاء مش خيانة، أولاً ربنا حلل للراجل المسلم مثني وثلاث ورباع بشرط إن تكون الزوجة ليها علم بالجواز من التانية وأنا بلغتك وأنتي وافقتي ثانياً بقي كل الي ليكي عندي المعاملة الطيبة والتقدير والإحترام، أكتر من كده ماتحلميش بحاجة، هاجي لك يوم وهي يوم ويوم الأجازة هاقضيه مع لارا. أنسدلت عبراتها رغماً عنها من قسوة قراره:
_ أنت كده بتظلمني وبتيجي عليه أوي.

أمسك بطرف ذقنها لينظر في عينيها الذابلتين من كثرة البكاء وقلة النوم، أقترب بشفاه أمام خاصتها فأغمضت عينيها، تظن إنه سيقبلها لكنه صدمها بقوله:
_ أنتي الي عملتي كده في نفسك.
*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاءالله.
_ تعالت الزغاريد في منزل عائلة مروة و ألحان الأغنية الشهيرة (يا دبلة الخطوبة)، ترددها الفتيات وهن يصفقن وينظرن إلي علي الذي يدخل في بنصرها خاتم الخطبة بعدما تمت مراسم عقد القران، قام بتقبيل يدها أمام الجميع ، فهلل الشباب والفتيات وكانت الأجواء مليئة بالسعادة.

حينما عادت إلي منزلها وجدت والدتها في حالة من الحزن الشديد علي غيابها و كذلك شقيقها رغما من ما فعلته به وهروبها من بين يديه، لكن والدتها قامت بالضغط عليه لمسامحتها وبعد ذلك أخبرتهم برغبة مدير الشركة يريد مقابلتهم لطلب يدها، فكانت تلك الفرصة التي لاتكرر مرة أخري، رحبت والدتها وشقيقها معتصم به، ذهب علي للتعرف عليهم ويتعرفون عليه فوجدهم في إستقباله بحفاوة وبترحاب و تبادل الأحاديث معهم حتي تم الإتفاق بينهم بالخطبة وعقد القران معاً وبعد أسبوع حفل الزفاف والسفر إلي إحدي المدن الأوروبية.

وبعد أن تبادلا وضع الخواتم، أمسكت الفتيات بيدها لتنهض وفعل مثلهن الشباب مع علي الذي كان كالتائه، كل شئ يحدث حوله بسرعة وعجالة.
بدأت الموسيقي الهادئة، فأمسك بيدها و خاصته الأخري وضعها علي خصرها ليقربها منه وأخذ يراقصها.
أنتبه لصوتها ونظراتها التي تنضح بفرحة عارمة لأول مرة يراها في عينيها. _ علي ماتتصورش أد أي فرحانة أوي، أنا من أول مرة شوفتك من أيام الجامعة وأنا بحلم باللحظة دي،  مش مصدقة نفسي. أومأ لها مبتسماً وقال:
_ صدقي يا مروة، و عايزك تخليني أنا كمان أصدق.

تبدلت السعادة علي ملامحها إلي الوجوم بعدما أدركت ما يرنو إليه، أردف كلماته المبهمة:
_ خليكي جمبي و حاولي قويني،  عايز أرجع لعلي الي قبل مايشوفها. هزت رأسها بتفهم وتحاول كبت تلك العبرات التي تجمعت للتو، تصنعت بسمة غزت ثغرها المكتنز، فقالت:
_ أنا جمبك وعمري ماهتخلي عنك أبداً، وأوعدك لهخليك تنساها وتنسي إسمها. مالت برأسها علي صدره وعانقته بقوة تردد بداخل عقلها:
_ هخليك تحبني ضعف ما حبتها وتندم إنك عرفت واحدة زيها في يوم من الأيام.

_ وبالعودة إلي ندي التي تجلس في الشرفة تنتظر أكرم الذي هاتفها منذ قليل وأخبرها إنه سيتأخر قليلاً فهو يُعد شقة زوجته الثانية لأنه سيتزوج قريباً مما جعلها بعدما أغلقت المكالمة،  ألقت هاتفها وأخذت تبكي بحرقة وألم.
جاءت لها والدتها لتطمأن عليها ومعها إبنتها التي لاتريد النوم سوي بين زراعي والدتها. _ مامي أنا بابي واحشني أوي.
تفوهت بها الصغير وهي تحتضن أمها،  فقالت لها الأخري:
_ هو زمانه جاي يا حبيبتي بس هيتأخر شوية.

غفت الصغيرة وتركتها في محيط أحزانها، أردفت بهمس:
_ و هو كمان واحشني أوي أوي.

مرت ساعة تلو الأخري،  ترتشف القهوة لتساعدها علي السهر في إنتظاره،  جلست في الشرفة تمسك بهاتفها تشاهد الصور التي جمعتهما وتستعيد ذكري كل صورة بإبتسامة حالمة،  تتمني أن تشعر بالسعادة التي تراها في تلك الصور.
و سرعان ما رحلت بسمتها عندما أتاها إشعار بمنشور  عبر تطبيق موقع التواصل الشهير،ضغطت عليه ففتح لها، أتسعت عينيها وهي تري صورة كل من علي ومروة صديقتها يشكلنا بأناملهما قلب ويضحكان إلي الكاميرا، وبأعلي الصورة كلمات كالآتي:
(النهاردة أسعد يوم في حياتي كتابنا الكتاب
وأخيراً والحمدلله ربنا جمعني بحب عمري بعد سنين
علي+مروة= عشق للأبد).

وضعت كفها علي فمها لكي لايسمع الجيران صوت بكائها، ظلت تبكي حتي غفت في مكانها.
جاء للتو من الخارج، يبحث عنها، دلف إلي غرفة النوم التي تمكث فيها بمفردها فوجد إبنته نائمة، ذهب ليدثرها وبعدها سار للخارج حتي لاحظ ظلها في الشرفة.
رآها تغط في النوم وآثار الدموع علي وجنتيها، أطلق زفرة من أعماقه لعله يخفف هذا الشعور المؤلم، أنتبه لوميض تلك النقطة الموجودة بحافة الهاتف العلوية كتنبيه لرسالة أو مكالمة واردة، وما أن ضغط علي الزر الجانبي أُضيئت شاشة الهاتف ليظهر له منشور مروة.

جلس وهو يتنفس الصعداء، فكان هذا الخبر كفيل بإزاحة هذا الثقل ولو قليلاً من فوق صدره، لكن هناك شيئٍ آخر يريد التأكد منه حتي يريح قلبه والأيام القادمة ستثبت له ذلك!. نهض وحملها علي زراعيه ليدخلها من البرد و ولج إلي داخل الغرفة ليضعها بجوار إبنتها، دنا منها ليقول بصوت لايسمعه أحد سواه:
_ أنتي كمان وحشاني أوي.
* ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *

_ و علي خشبة الرقص تتمايل وتتهادي علي ألحان الأغنية،  داهمها ألم في خصرها المنحوت وخشيت أن تتوقف،  هيهات والألم يشتد عليها بقوة ويصاحبه دوار، كانت تري كل ما حولها يدور مما جعلها تفقد توازنها وتقع مغشي عليها.
توقفت الموسيقي وركضت مساعدتها والحارس الشخصي لها.
_ يالهوي أبلتي،  قومي يا أبلتي،  أي الي صابك،  شيلها يا تايسون وخدها علي الأوضة،  كان قلبي حاسس إنها تعبانة وشها أصفر وبقالها يومين دايخة. جاء مدير الملهي وقال لهم:
_ دخلوها أوضتها وأنتي يا نواعم لبسيها عبايتها عشان هناخدها علي المستشفي بسرعة.

وبعدما أخذوها إلي المشفي فحصها الطبيب وقام بتعليق محلول.
_ أبلتي سمارة مالها يا دكتور؟. نظر إلي بيانات الحالة فسألها:
_ هي مدام سمر بتشتغل رقاصة؟. أجابت نواعم:
_ أيوه يا دكتور وأغمي عليها وهي بترقص وكانت مولعه الصالة،  بس النصيب بقي. _ وفين جوزها؟. ردت بثقة بالغه:
_ سي زكريا جوزها مسافر لأهله في البلد أصله من الصعيد الجواني.
رمقها بضجر وقال بتهكم :
_ طيب يا ريت تهتمي بأبلتك عشان هي حامل والرقص غلط علي الجنين وأبقو أتصلو بأستاذ زكريا وبلغوه،  عن أذنكم.

دلفت الغرفة التي تتمدد بها ربة عملها وأطلقت زغرودة مدوية:
_ ألف ألف مبروك يا أبلتي،  يتربي في عزك أنتي وسي زكريا. تحاول أن تفتح عينيها فهي غير مدركة لما يحدث من حولها،  سألتها بوهن:
_ يتربي أي وعز مين يا بت يا نواعم؟. جلست بجوارها لتصدمها بهذا الخبر:
_ أنتي حامل يا أبلتي.  

انت في الصفحة 8 من 8 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى