حاول نفض رأسه ليسيطر على مشاعره وسُرعان ما ضاقت عيناه وهو يرى “كريم” يخرج من ذلك الممر وعلى شفتيه يظهر أحمر شـ,ـفاه ويلتف حوله. إتجه إليه بوجه محتقن، فهو حذره من إرتكاب فَضِيحة اليوم. ألقى عليه “خالد” مَحَارِم ورقيّة وهو يرمقه بنظرة مشمئزة. – امسح الروچ يا بيه من على شفـ,ـايفك. إرتبك “كريم” من نظراته ثم وضع المَحَارِم الورقيّة على شفتيه وانسحب من القاعة. احتدت عينيّ “خالد” حينما وجد “ريناد” تخرج من الممر ذاته وعلى ما يبدو له أنها كانت تُهندم فستانها القصير وخصلاتها.
أسرعت في خفض عيناها بعدما رأت نظرات “خالد” موجهه إليها. بسبب تلك الشقيقة يرفض مشاعره نحو “خديجة” هذا ما كان يدور بخلده وهو يبتعد بعدما رمقها بنظرة تحمل النفور. … اقتربت السيدة “عايدة” من “خديجة” بعدما لمحتها تقف بمفردها. – كل عام وأنتِ بخير يا “خديجة”. ابتهجت ملامح “خديجة” عندما استمعت لصوت السيدة “عايدة” ثُمّ إحتضانها لها. – وأنتِ طيبه وبخير يا مدام “عايدة”، سنه سعيدة عليكِ. – هتوحشيني يا “خديجة” لما تسيبي الشغل. قالتها “عايدة” بحزن وفي داخلها تتمنى أن تكون “خديجة” من ضمن الأشخاص الذين سيتم تعينهم هذا العام بعقد ثابت وليس مؤقت.
طالعتها “خديجة” بنظرة تلتمع بسعادة زائفة. – أكيد هنفضل على تواصل يا مدام “عايدة” لأني أكيد مش هنساكِ. ابتسمت “عايدة” لها ثُمّ ربتت على كتفها. – ولا أنا أقدر انساكِ يا “خديجة”… أتمنى أشوف بنتي في يوم من الأيام زيك. ارتفعت أصوات الموسيقى وقد بدأ الشباب يندمجون بالرقص. نظرت لها السيدة “عايدة” قبل أن تتقدم للأمام حتى تتمكن من رؤية رئيسها. – زمايلك كلهم قدام يا “خديجة”… الكل دلوقتي هيستني يعرف مين الفايز في القرعه ومين اللي حصل على لقب أفضل موظف.
ثُمّ أردفت السيدة “عايدة” وهي تتحرك. – يلا يا “خديجة” تحركت “خديجة” ورائها فهي لم تجد أيّ من زميلاتها لتندمج معهن لأن جميعهن مشغولين بالرقص والتمتع بالحفل. تابعت “خديجة” السير خلف السيدة “عايدة” إلى أن انتبهت أنها إقتربت من مكان وقوف السيد “خالد” والمُدراء التنفيذيين. تراجعت “خديجة” بخجل واستدارت بجسدها لتبتعد عنهم. في الوقت الذي استدارت به لتبتعد تعلقت عينيّ “خالد” بها. « هل خانه قلبه وخفق لرؤيتها، هل يريد إخباره أنه بالفعل أحبها؟» إبتلع لُعابه فتحركت تفاحة أدم خاصته وعيناه ظلت ثابتة عليها.
إندهشت السيدة “عايدة” من عدم تركيز رئيسها مع حديث أحد المدراء فحاولت تنبيهه ولفت نظره. – دكتور “خالد” ،دكتور “شوقي” بيسألك عن زيارتك لمعمل الأدوية
… عند البوفية وقفت “خديجة” تلتقط قطع بسيطه من الطعام وهي تستمع لهتاف البعض منتظرين إعلان أسماء الفائزين. اِقتربت منها “ريناد” لتُخبرها أنها ستُغادر مع “كريم” بعد نهاية الحفل وعليها تولي أمر غيابها الليلة إذا سألت والدتها عنها. – “خديجة”، لو ماما سألت عليا قوليها أني روحت أكمل السهره مع زمايلي.
اِحتدت عينين “خديجة”، فقد طفح بها الكيل مما تسمعه من علاقة شقيقتها بـ ” كريم العزيزي” الذي علمت أن له علاقات نسائية عديدة. – بلغي أنتِ ماما بالكلام ده… ولعلمك يا “ريناد” هقولها على علاقتك بـ “كريم” ارتفعت قهقهة “ريناد” وهي تربت على خَدّ “خديجة”. – ماما عارفه ومستنيه اللحظة اللي هقولها إن “كريم العزيزي” هيتقدم ليا. ثُمّ أردفت بتَهَكُّم وسُخْرية. – أنا عارفه إنك غيرانه فبلاش غيرتك تخليني أزعل منك يا “خديجة”… أوعي تنسي إن أنا اللي بهدي ماما عليكِ.
كادت أن تتحرك “ريناد” لكن وجدت “خديجة” تجذبها. – “ريناد” بلاش “كريم العزيزي” ده بيلعب بيكِ… بلاش كل اللي بتعمليه ده… أنتِ جميلة وفيكِ كل المواصفات اللي أي راجل يتمناها ليه ترخصي نفسك. رمقتها “ريناد” بنظرة ساخرة. – مش بقولك إنك بتغيري مني. إقترب النادل منهما ثُمّ قدم كأس به مشروب التفاح لـ “ريناد” وأشار نحو أحدهم . – الأستاذ اللي واقف هناك بعتلك المشروب ده يا فندم. نظرت “ريناد” نحو الواقف بعيدًا ثُمّ امتعضت ملامحها.
إنه “هاني” زَميلها الذي أنهت علاقتها معه قبل أشهر. التقطت الكأس من النادل ورفعته لأعلى. كاد أن يرفع “هاني” الكأس خاصته تحية منه لها لكن تجمدت يده على الكأس عندما رآها تعطيه لشقيقتها. – متخافيش ده عصير تفاح. قالتها “ريناد” لـ “خديجة” ثُمّ ابتعدت عنها. في تلك اللحظة كان “خالد” يتابعهم من بعيد و شىء داخله كان يُحركه ليقترب من مكان وقوفها. إِرْتَشَفَت “خديجة” من كأس العصير وقد فرت الدماء من عروق “هاني” وهو يرى “خديجة” تَجَرَّعَت العصير الذي وضِعَ به المخدر الذي يجعل الشخص مستيقظ لكنه لا يشعر بشىء حوله ولا يستطيع المقاومة.
بخُطوات سريعة غادر “هاني” الحفل هَربًا قبل أن يتورط، فلم يكن يقصدها هي. أنهت “خديجة” الكأس بأكمله ثُمّ أعطته للنادل الذي مر بجوارها. – واقفة لوحدك ليه؟ إندهشت “خديجة” من سماع صوته ثُمّ استدارت بجسدها جهته. – دكتور “خالد” !! ابتسم “خالد” وهو يرى ربكتها وأردف. – الشَركة هتفتقد موظفة مجتهدة زيك. عندما أبلغها “خالد” هذا الحديث تأكدت أن لا أمل لها في استمرارها بالعمل. أخفضت رأسها وقد شعر “خالد” بالضيق من فكرة عدم رؤيتها بالشَرِكَة.
وقفوا صامتين لدقائق إلى أن ارتفع رنين هاتف “خالد”. في تلك اللحظة بدأت “خديجة” تشعر بدوار طفيف يُداهم رأسها لكنها تجاهلته. إبتعد “خالد” قليلاً ليتحدث بهاتفه لكن مع إرتفاع صوت الموسيقى قرر الإنسحاب لخارج القاعة. – ثواني وهكون معاك. تحرك “خالد” بعدما ألقى بنظرة أخيرة على “خديجة”، فرُبما لا يجمعهم القدر مرة أخرى وتكون كنسيم خفيف مر عليه. توقف عن متابعة حركته عندما وجدها تجذب ذراعه الذي يمسك به هاتفه ثُمّ تمتمت بصوت خافت وأنفاس ثقيله.
– دكتور “خالد”.. أنا خرج صوتها بتقطع ليتساءَل “خالد” بلهفة. – “خديجة” فيكِ إيه، إيه اللي حصلك. حاولت الكلام لكنها لم تقوى من ثِقَل لسانها. أحاط خصرها بذراعه حتى يُساندها لخارج القاعة. تَعرُق وجهها جعله يزداد قلقًا عليها. صرخ بإحدى الموظفات التي كان لديها دوام مسائي في قسم الإستقبال. – عايز غرفة فاضية حالًا ودكتور. الفتاة وزَميلَها شعروا بالقلق وهم يُراقِبوا حالة “خديجة” وقد اِقتربت منهم السيدة “عايدة” بعدما لمحته أثناء مغادرته القاعة يسند “خديجة” على ذراعه ويُحاول إفاقتها بهلع.
….
بعد ساعات، في تمام الساعه الخامسة صباحًا… رمى “خالد” جسده على فراشه بإرهاق ثُمّ أغمض جفنيه. مازال لم يستوعب ذلك الإحتمال الذي أخبره بِه الطبيب ورجحه “كريم”، فربما من فعل هذا الأمر كان يُخطط لشىء ما كلما تخيله تأكله نيران الغضب والغيرة. إرتفعت أنفاسه ثُمّ قبض على شرشف فراشه محاولاً السيطرة على حاله. بالظَهيرة وفي تمام الساعه التي أخبرهم الطبيب أنها ستستيقظ فيها. فتحت “خديجة” عيناها بتشويش تنظر حولها. إتجهت “ريناد” إليها تزفر أنفاسها براحه.
– الحمدلله إنك فوقتي. ثُمّ أردفت بوجه عابس. – دكتور “خالد” لسا قافل معايا… كان بيطمن عليكِ. – هو إيه اللي حصل، ليه راسي تقيله كده. تساءَلت “خديجة” بصوت ضعيف ثُمّ عادت تنظر للغرفة التي هي بها ثُمّ لملابسها وأردفت. – “ريناد” إيه اللي حصلي؟؟ سردت لها “ريناد” ما حدث بالتفصيل وبداخلها كانت تشعر بالغيرة بسبب الإهتمام الشَديد والعجيب من السيد “خالد” على شقيقتها وكأنها فرد من أفراد عائلته. – بسبب اللي حصلك ضاعت السهره اللي كنت هسهرها مع “كريم”.
قالتها “ريناد” حانقة وعندما تأوهت “خديجة”… أسرعت إليها تسألها: – لسا تعبانه. اِلتمعت عينيّ “خديجة” بالدموع وهي ترى لهفة شقيقتها عليها وتمنت أن تطلب منها أن تأخذها داخل أحضانها وتربت على ظهرها. – هي ماما عرفت حاجه. – لا طبعًا… قولت ليها إن ضغطك وطي وأخدتك المستشفى. حركت “خديجة” رأسها ثُمّ تساءَلت لعلها تشعر بالإطمئنان. – يعني مافيش حاجه حصلتلي…