_لمَ تتعامل مع نور بتلك الطريقة الفظة؟
تقدم عدة خطوات برفقتها، وهو يقول بلهجة فاحت منها رائحة الكبر:
_لا أرى أي شائبة بطريقتي معها.
تجعدت ملامحها باستنكار تجلى في نبرتها حين قالت:
_هل يعقل ذلك؟ ألا تلاحظ أنك تخيفها كثيرًا؟
لم تتبدل ملامحه، إنما تشابهت عينيه مع لهجته حين قال بجمود:
_القليل من الخوف لا يضُر.
اغتاظت من حديثه، فقالت بحنق:
_القليل! إنها ترتعب منك.. أخبرني يا فراس هل تحب نور حقًا؟
انكمشت ملامحه باستنكار ينافي تلك الدقة القوية التي شعر بها في صدره، ولكنه تجاهلها وهدر باستياء:
_ حب؟
من أين أتيتِ بهذه الكلمة؟!
اغتمت ملامحها، وقالت بتهكم مرير:
_منك، ظننت أنك فعلت ذلك بأشرف لأنك تغار على نور وتحبها.
اكفهرت ملامحه، وقست عينيه ونبرته حين قال:
_فعلت ذلك به لأنه تجرأ على أملاكي، وليس لأجل تلك التُرهات التي تتفوهين بها.
لم يدهشها حديثه كثيرًا، ولكنها لم تمنع نفسها حين استفهمت بسخرية:
_هل الحب من وجهة نظرك ترهات؟
أجابها باختصار، متجاهلًا شعورًا مزعجًا يجتاح داخله بقوة:
_نعم.
لن تستسلم، فقد رأت اهتزاز حدقتيه للحظة، وهذا يعني أنه ليس صادقًا بنسبة كبيرة، لذا أرادت أن تعري ما بداخله، فقالت بقوة وهي تقف معه أسفل الدرج:
_أتعلم شيئًا؟ أرى بعمق عينيك مشاعر قوية تجاه نور، وسأصلي وأدعو الله أن تعلم ماهية تلك المشاعر وتصلح علاقتك بزوجتك قبل أن تخسرها، وقبل أن تكرهك.
لاح الاستنكار على ملامحه من تلك الكلمة، التي رددها باندهاش:
_تكرهني؟
أجابته بمرارة:
_نعم، فخوفها الكبير منك قد يتحول إلى كره كبير قد لا تتحمله.
كلماتها أثارت غضبه، وزوبعة من المشاعر بقلبه، لذا أراد إنهاء ذلك النقاش السخيف قائلًا بفظاظة:
_أمي يكفي، فوقتي ثمين ولن أضيعه في هذا العبث.
تجمعت جيوش الغضب بداخلها من غباءه، فهي ترى به الآن صورة مصغرة من زوجها، وهذا أقسى من أن تتحمله، لذا قالت بدون احتراز:
_أنت حقًا تستحق لقب هاديس كما أطلقت عليك نور.
تحفزت فرائسه وانكمشت ملامحه بصدمة، تجلت في صوته حين قال:
_هاديس!
شعرت بالغبطة لصدمته وتأثره من ذلك اللقب، وهذا يعني أن جموده وفظاظته ستار يخفي وراءه مشاعر يكنها لزوجته، لذا قالت بتأكيد:
_نعم، سأخبرك شيئًا وأتمنى ألا يمر عليك مرور الكرام.
تنبه لكلماتها التي لامست شيئًا بداخله:
_إن أعطتك الحياة فرصة ثانية، لا تكرر أخطاء الماضي مرة أخرى، واعلم أن بعض الأشخاص خسارتهم قد تكلفك عمرًا بأكمله.
ظلت كلمات والدته تتردد بأذنه، وهو يفكر ماذا سيكون موقفه إن خسرها مرة أخرى؟
لم يكن عاشقًا لها حين تزوجها، إنما كان زواجًا مرتبًا من قبل العائلة، وقد وافق كلًا منهما عليه دون أي اعتراض، ولكن بأعماقه كان هناك انجذاب قوي تجاهها، ومشاعر عميقة تجتاحه بمجرد أن يتردد اسمها على عقله فهو قد تولى رعايتها منذ أن مات عمه، وقد اعتبرها أمانته، لذا كان يحاوطها بحمايته، وقد عزز انجذابه لها بأنها امرأة جذابة وجميلة، كما أنها رقيقة بدرجة كانت تستفزه، فقد كان يشعر بأنها أمامه كعصفور صغير يرتجف إن علا صوته ويعلن استسلامه في كل موقف يجمعهما، حتى في أوقاتهما الحميمية كانت خجولة هادئة مستسلمة.
أخرجه من شروده طرقها الخافت على باب الغرفة، فسمح لها بالدخول، فانفتح الباب لتطل عليه بطلتها الآسرة .. لطالما أعجبته كامرأة على الرغم من ضآلة حجمها، ولكنها كانت ترضيه وتشعل الشغف بجوفه فيصبه عليها نيرانًا حارقة.
_هل تريد شيئًا آخر؟!
هكذا تحدثت بجمود، بعد أن وضعت القهوة على المكتب أمامه، وعيناها تراوغ حتى لا تتقابل مع عينيه، التي طافت عليها بنظرات تحمل وميض الشغف والرغبة، فأظلــ,,ـــــمت أشعتها التي أشعلت شيئًا ما بداخلها، لم تعرف كنهه وخاصةً حين قال بخشونة:
_ إذن أنتِ أطلقت عليّ لقب هاديس أي أمير الظلام.
رهبة قوية اجتاحتها جراء استفهامه، مما جعلها تلتف موجهة أنظارها إلى النافذة وهي تقول بتوتر:
_من أخبرك هذا؟
شعرت بحرارة تكتنف جسدها من الخلف إثر اقترابه منها، مما جعل حزمة قوية من الوخزات تغزو عمودها الفقري، فحاولت الثبات قدر الإمكان، لتأتيها نبرته التي كانت تحمل وعيدًا مبطنًا:
_لا يهم، المهم الآن هل حقاً تريني بتلك الصورة؟!
صمتت لثوان لم تسعفها الكلمات، وخاصةً وهو بهذا القرب الذي يثير بداخلها زوبعة من المشاعر القوية، فعضت على شفتيها بقوة، وكأنه شعر بها فقام بوضع يديه فوق رسغها يديرها إليه، فالتقت أعينهما بنظرة طويلة، قطعتها حين أسبلت جفنيها بارتباك قائلة:
_وهل أجرؤ على قول الحقيقة؟
في تلك اللحظة كان أسيرًا للزيتون الذي يتلألأ بإغواء في حدقتيها اللتان لمعتا بهما ومضة من التحدي، راقت له كثيرًا فقال بخشونة:
_نعم، أريد سماع الحقيقة منكِ.
لا تعلم من أين جاءتها تلك الجرأة، فقد خرجت الكلمات مندفعة من بين شفتيها:
_نعم أطلقت عليك هذا اللقب لأنك بالفعل تملك قلبًا مظلــ,,ـــــمًا متوحشًا لا يليق سوي بأمير الظلــ,,ـــــمات.
_ومن أين تعرفين أن قلبي مظلــ,,ـــــمًا؟!
صدمة كبيرة اجتاحتها من سؤاله غير المتوقع، فقد ظنت أنها ستكون فريسة لغضبه المريع، ولكن نظراته ولهجته الهادئة أمرًا يدعو للدهشة، أو ربما الريبة، هكذا حذرها عقلها، ولكنها تجاهلت تحذيراته، وتوهجت نظراتها التي كانت مفعمة بالتحدي وهي تواصل هجومها السافر قائلة:
_إن لم يكن كذلك فمن المؤكد أنك كنت ستشعر بالبشر من حولك، ولكنك …
توقفت حين وجدته يعض على شفته السفلية بطريقة بعثت الرجفة إلى أوصالها، التي شعرت بها ترتخي حين قال بهسيس مرعب:
_ أتعلمين؟ كل ما أشعر به الآن أنني أريد سحق عِظامك.
أخفت ذعرها خلف ستار الاستنكار، حين قالت تتوارى خلف خداع واه:
_ست.ني لأنني أخبرتك الحقيقة؟
ارتفع أحد حاجبيه باندهاش، قبل أن يقول مستفهمًا:
_ من أين اتيتِ بفكرة ال. الآن؟
بللت حلقها قبل أن تقول بسخرية:
_ألم تقل إنكِ تريد سحق عظامي؟
لاح شبــ,,ـــــح ابتسامة على شفتيه، واكتفى بالتحديق الملي في تفاصيل وجهها، فقد كان يشتاقها كثيرًا فمنذ سنة ونصف لم يقترب من امرأة، وقد كان هذا شاقًا على رجلٍ مثله، وحتى عندما عاد لم يقترب منها سوى بتلك القبلة التي مضى عليها أسبوعًا، فتوهجت ألسنة الرغبة بقلبه، وتعاظم الغضب، وربما الخوف بداخلها فصاحت بانفعال:
_ أرأيت؟ تريد .ي لمجرد كلمات بسيطة تفوهت بها.
كان هناك بركانًا ثائرًا في قلبه، يقترب من الفوهة قاذفًا جمراته في عروقه النافرة، قائلًا بهمس محترق:
_لا، ليس هذا هو السبب.
حمرة طفيفة تسللت إلى وجنتيها، وتبعثرت كلماتها عند شفتيها تزامنًا مع تلك الفوضى داخلها التي أثارتها لهجته ونظراته
_ وما هو السبب إذن؟!
غافلته الكلمات وانبعثت من بين شفتيه، حين قال بلهجة خشنة وعينين تشملها بنظرات متوهجة تطلقان سهامًا مشتعلة إلى سائر جسدها:
_لأنكِ تبدين فاتنة بدرجة يصعب عليّ احتمالها.
انتفضت أوردتها، وكأن كرات دمها تحولت لجمرات جراء غزله المباغت، فيما انكمشت ملامحها بصدمة سكبتها حروفها حين قالت:
_ما الذي تقصده؟ لا أفهم؟!
رجل مثله يعتبر أن الحديث ما هو إلا مضيعة للوقت، فهناك أشياء لا تفلح معها الكلمات، لذا قام بمد يديه لتعانق خصرها مقربًا إياها حتى تعانقت أضلعهما، وهو يمسد بإبهامه فوق ذقنها برقه تتنافى تمامًا مع طباعه الحادة وملامحه الخشنة حين قال هامسًا:
_هذا لأنك تثرثرين كثيرًا.
ارتجفت الحروف على شفتيها حين قالت:
_ ماذا تفعل؟
نظر إليها بعينين براقتين يمتزج بهما الشغف والرغبة، قائلًا بهسيس قاتل:
_أريكِ كيف تُسحق العظام.
لم تستطع استيعاب كلماته، فوجدت نفسها خاضعة لسطوة رجل يملك كل شيء، ولم يعطها أي شيء، والآن يسكب فوق شفاهها مشاعرًا قوية لا تملك القدرة على التصدي لها أو مقاومتها، بل إنها أصبحت تغرق أكثر بين ذراعيه وعلى شاطئ صدره يستكين شيء ما بداخلها، و يديه اللتان كانتا تتأرجحان بحرية على ساحة جسدها الذي تهاوت حصونه شيئًا فشيئًا، فأعلن استسلامه لرجل له سلطة مطلقة على كل شيء حولها، حتى أن حواسها أصبحت خاضعه له بدرجة أخافتها.
***
_هل لي أن أعلم لمَ حضرتك لا تتعطفين وتجيبين على ندائي؟!
هكذا تحدث زينات بتهكم، وهي تنظر إلى هدى التي كانت تتابع تحضير الطعام في المطبخ، فجاءها صوت حماتها البغيض، فاندلعت شرارة الغضب بداخلها، ولكنها حاولت قمع حنقها والتفت تجيبها ببساطة مثيرة للاستفزاز:
_لم أسمعك.
نجحت في استفزازها، فقالت ساخرة:
_لم تسمعيني وأنا في أسفل الدرج وأنتِ في منتصفه؟ ترى هل أصبت بالصمم أم ماذا؟
تشابهت نظرتها مع لهجتها حين قالت بجمود:
_على الأغلب لم يصبني الصمم، ولكن يمكن أن تقولي إنني كنت مشغولة بأمور مهمة، لذا لم التفت.
كانت المرة الأولي التي ترد عليها بمثل تلك الطريقة، فتعاظم غضبها وقالت بجفاء:
_أكملي لم التفت للتفاهات.
تعلم الفخ الذي تنصبه لها، وقد عزمت أن توقعها فيه، لذا قالت بسخرية:
_لم أقل ذلك.
_أردت الإيحاء به.
هكذا صرخت زينات بغضب، فالتفتت هدى إلى الجهة الأخرى وهي تقول بهدوء أصابها بالجنون:
_اعذريني فأنا مشغولة الآن، وليس لدي الوقت للجدال.
صرخت زينات بغضب من تجاهلها لها بتلك الطريقة:
توقفي عندك.
توقفت هدى بمكانها، فاقتربت منها زينات التي أعماها الغضب، فصاحت بها:
_هل بلغت بكِ الوقاحة لأن تغادري وأنا أدــ,,ـــــادثك؟
لم تفلح في قمع غضبها من إهانة تلك السيدة، فقالت بتحذير:
_سيدة زينات رجاءً انتبهي لكلماتك
هدرت بعنــ,,ـــــف:
_وما الذي سيحدث إن لم أنتبه؟
تبلور الغضب في عينيها، وقالت بحدة:
_ سأرد الصاع صاعين.
أنهت جملتها وهي ترفع رأسها بعنــ,,ـــــفوان، سرعان ما تحول لصدمة كبيرة حين …
يتبع …
ملحوظة (هاديس أمير العالم السفلي عند اليونان انا بحب الميثولوجيا جدا و هي شيقة اوي لو حد حابب يقرأ فيها ) نورهان العشري كواسر اخضعها العشق
حين يزورك الحنين فقط تذكر،
تذكر تلك الكلمات القاسية التي أزهقت روحك وظل صداها يتردد كسهام مشتعلة بين جدران قلبك،
وتلك العبرات الغزيرة التي كنت تحاول كتمانها أمام نظراتهم الشامتة بعد أن أقسمت لهم يومًا بأنه مختلف، ورائحة الدموع التي تفوح من وسادتك كل صباح لتُعلن كم كانت ليلتك مُروعة،
حينها فقط ستخلد إلى النوم حاملًا ذلك الحنين بقلبك تُخبئه بين طياته حتى لا تُضيف أوجاع جديدة إلى حقيبة جراحك النازفة.
نورهان العشري
صُعِقت زينات من كلماتها وسرعان ما تحولت صدمتها إلى غضب حارق أعماها فلم تتماسك نفسها إذ قامت بجلب كوب من الماء الموضوع على المنضدة أمامها وقذفته في وجهها وهي تبصق الكلمات من فمها:
_أيتها الحقيرة كيف تجرؤين على قول ذلك؟!
صاعقة أصابتها حين ألقت زينات المياه فوقها بتلك الطريقة المُهينة فتسمرت قدماها في الأرض للحظات قبل أن ينتفض جسدها وكأن المياه التي سقطت فوقه تحولت إلى نيران فأظلــ,,ـــــمت عيناها وتحول جمودها إلى ثوران كاد أن يطيح بتلك المرأة لولا ذلك الصوت الذي جاء صارمًا ليحول بينها وبين ارتكابها لجريمة ..
_ما الذي يحدث هنا؟!
لم تكن الصدمة من نصيب “هدى” فحسب ولكن زينات أيضًا فوجئت من فعلتها وكيف أنها لم تتحكم في غضبها وارتعبت من ظهور “زين” في هذه اللحظة واستفهامه الذي لا تعرف كيف تجيب عليه وخاصةً حين رأت عيني “هدى” اللتين تجمع بهما غضب العالم أجمع لذلك هتفت باندفاع:
_أبدًا لقد وقع كوب المياه من “هدى” وأغرق ملابسها أليس كذلك يا “هدى”؟!
ألقت استفهامها بنبرة يشوبها التهديد الذي انبثق من نظراتها وقد كانت تعلم بالرغم من غضب “هدى” إلا أنها سترضخ فهي لطالما كانت مسالمة لا تحب المشكلات.
_لا ليس هكذا، بل أنتِ من ألقيتني به.
هكذا تحدثت “هدى” بغل لون ملامحها وقهر انبعث من عينيها فخرجت زمجرة قوية من فم “زين” الذي قال بانفعال:
_هل هذا صحيح يا “زينات”؟!
لم يكن يتخيل أن تبلغ “زينات” تلك الدرجة من الوقاحة ولكنها تجاوزتها بكثير إذ صاحت بتبجح:
_ما هذه الوقاحة؟! كيف تتهميني اتهامًا بشعًا مثل ذلك؟ أجننتِ؟!
صرخت “هدى” بحدة:
_إذن تعترفين أنه اتهامًا بشعًا، والأبشع من ذلك أن تنكري ما حدث وأنتِ تنظرين إلى عيني.
صرخت “زينات” بغضب:
_كم أنكِ وقحة.
تدخل “زين” بصرامة:
_ “زينات” توقفي.
التفتت “هدى” تناظره وهي تقول بغضب:
_أقسم لك بأنني لا أكذب وقد حدث هذا بالفعل.
“زينات” بتبجح:
_كاذبة.
“زين” بصراخ:
_يكفي، سأعرف من منكن التي تكذب وأقسم سأعاقبها عقابًا مُريعًا.
انقبــ,,ـــــض قلبها ذعرًا وارتجفت نبرتها حين قالت:
_وكيف ستعلم؟!
STORY CONTINUES BELOW داخله كان يشعر بأنها تكذب فقد رأى القهر والألم بعيني “هدى” ولكن كان لا بد له أن يقطع الشك باليقين ويملك دليلًا ليحاسبها عليه.
_هل نسيتِ أن المطبخ به كاميرات مراقبة يا ترى؟!
لم تتمالك شهقتها التي شقت جوفها وتوقف تنفسها للحظة كيف نسيت ذلك؟! كيف تركت الغضب يتمكن منها لتلك الدرجة؟! ماذا ستفعل الآن؟!
كانت التساؤلات تطن برأسها كالذباب وهي ترى “زين” الذي أحضر حاسوبه ليفرغ الكاميرات تحت أنظارها المرتعبة وأنظار “هدى” التي كانت الشماتة تلون ملامحها مع ابتسامة ساخرة تغزو ثغرها فانضم الغضب إلى الخوف في ساحة قلبها الذي كاد يقف من فرط الانفعال، كان “زين” يتابع الحديث بينهما على شاشة الحاسوب إلى أن توقف عند تلك اللقطة حين حملت “زينات” كوب المياه وألقت به في وجه “هدى” التي امتقع وجهها ولأول مرة منذ سنين كادت أن تبكي.
_إذن يا سيدة “زينات” فالآن علمنا من المخطئ الكاذب.
علا تنفسها وازداد توترها وآثرت قلب الأمور إذ صاحت بانفعال:
_لا أسمح لك يا “زين” لقد حاولت أن أخبئ الأمر عنك؛ حتى لا تغضب منها حين تعلم ما فعلته.
“زين” بقسوة:
_أيًا كان ما فعلته لا يجعلك تفعلين هذا، لقد أخطأت وتماديت في الخطأ واتهمتها بالكذب، ألا تخجلين؟!
شعرت وكأن دلوًا من الماء قد انسكب فوقها جراء إهانات “زين” لها أمام “هدى” التي كانت تتابع ما يحدث باستمتاع… فتلك المرأة لطالما كانت تتجبر عليها وعلى الجميع، والآن أتى دورها لتتجرع بعضًا مما كانت تفعله بهم.
_”زين” استمع إليّ أنتَ لا تعرف ماذا حدث.
نهرها بقسوة:
_ولا أريد معرفة أي شيء، والآن اعتذري من “هدى” فقد أهنتها عمدًا واتهمتها بالكذب دون خجل.
بهتت ملامحها وتدلى فكها للأسفل من فرط الصدمة، هل ما سمعته لتوها صحيح؟! هل طلب منها الاعتذار لتلك المرأة وهي حماتها؟!
_كيف تقول هذا الكلام؟! أنا والدة زوجها، كيف؟!
صاح بتهكم:
_ أخبريني ما هي السلطات التي يعطيها لكِ هذا اللقب يا ترى؟!
ما زالت تحت وطأة الصدمة حين قالت:
_هل تسخر مني؟!
تشابهت عينيه مع نبرته القاسية حين قال:
_لا سمح الله أن أسخر من السيدة “زينات النعماني”! ولكن أتعلمين الأمر يدعو للسخرية فعلًا.
قال جملته الأخيرة وهو يطلق ضحكة ساخرة خشنة، ثم أردف بجفاء:
_إن ظننتِ أن كونك والدة زوجها هذا يعطيكِ الحق في إهانتها فأنتِ مخطئة، الإلزام الوحيد لها تجاهك هو الاحترام فقط و هذا لا تستحقيه ما دُمتِ لم تحترميها، ضعي هذه الكلمات في رأسك .
قست لهجته أكثر عند جملته الأخيرة ثم التفت إلى “هدى” قائلاً بلهجة مغايرة تحمل اللين والود:
_أنا أعتذر منكِ يا “هدى” عن كل ما حدث نيابة عن زوجتي وعن كل العائلة.
شعرت بالانتشاء في هذه اللحظة من موقف “زين” وحديثه معها وتولد بداخلها شعورًا عارمًا بالندم كونها رضخت لتجبر تلك المرأة سابقًا.
_لا عليك يا عمي فأنتَ لم تفعل لي شيئًا، ولكن أنا شاكرة لمحاولتك النبيلة في مراضاتي.
كانت المرة الأولى التي تتلقى الإهانة بها طوال حياتها فلم تسعفها الكلمات ولم تطاوعها يداها في خنق تلك الفتاة التي يلون الاستمتاع ملامحها فوجود “زين” منعها من فعل الكثير ولكنها حتمًا لن تمرر ما حدث على خير هكذا كانت تفكر وهي تطالعهما ببغض لم تحاول إخفاءه ثم لاذت بالفرار من أمام أعين “هدى” الشامتة.
**************
_بالله عليكِ “لينا” أريد الاطمئنان عليه.
هكذا تحدثت “فريال” بتوسل عبر الهاتف ولم يعجبها الجواب، فصاحت بانفعال:
_لا تخبريني هذا الكلام فأنا أحاول منذ ثلاثة أيام مدــ,,ـــــادثته وهو يرفض، ما ذنبي بكل ما حدث؟!
هل أنا من جلبت هذا الشيطان من الجحيم ليعود ويخرب حياتنا مرة أخرى؟!
أخفضت رأسها و زفرت بتعب وهي تستمع إلى عبارات المواساة على الطرف الآخر من الهاتف فضاقت ذرعًا من الكلمات التي تسمعها كل يوم منذ أن استفاق “أشرف” من غيبوبته؛ لذا قالت بتوسل:
_أرجوكِ أخبريه بأنني لن أتركه أبدًا وسأخذ بثأره ولن أمرر ما حدث وذلك الوحش سيعاقب على فعلته أقسي عقاب قد يتخيله.
طرقات على الباب جعلتها تسرع في إنهاء المكالمة ثم أمرت الطارق بالدخول فأطلت “نور” من الباب وهي تحمل صينيه الطعام كما هي عادتها منذ أن مرضت ثم توجهت لتضعها على المنضدة أمام السرير والتفتت قائلة باقتضاب:
_هل تريدين شيئًا آخر؟!
تبدلت نبرتها التي لطالما كانت قاسية ولانت نظراتها قليلًا وهي تقول:
_ تعالي يا “نور” أريد الحديث معك قليلًا.
فوجئت “نور” من تبدل حال والدتها إلى النقيض فقد نالت منها جفاء وقسوة طوال الأسبوع الماضي يكفياها لباقي عمرها، ترى ما الذي بدل حالها هكذا؟
لم تفصح “نور” عن تساؤلاتها إنما اقتربت بهدوء من السرير الذي ترقد عليه “فريال” التي قالت بابتسامة هادئة:
_اجلسي بجانبي.