Uncategorized

رواية عاصم و هدية

عند العروسة. الهوا بيضـ .ـرب وشّها وهي ماسكة في قميص عاصم، صوابعها مشدودة على القماش، الخوف مخليها تترعش. كل ما الحصان يطوح بيها، تضـ .ـربه على ضهره قبـ .ـضة مكتومة وتقول بصوت مبحوح: “رجّعني الفرح يا عاصم… نزلّني! إنت مجـ .ـنون ولا إيه؟” عاصم ما ردش، حوافر الحصان بتخبط الطريق الترابي برا البلد، القمر شاقق السما ومضوي رأس النخل البعيد. عينه ثابتة قدامه، كأنه مش سامع ولا حاسس بضـ .ـربها على ضهره ولا صوتها.

هدية زَقّته تاني: “انت سامعني؟ هتودّيني فين؟ عمّي هيموّتني… والعريس هيولّع الدنيا!” صوتها انكسر في الآخر، بس هو شدّ اللجام، الحصان زاد سرعته، وهي سكتت، خايفة تقع. بعد دقايق لفّوا ناحية سور طوب عالي باين من بعيد— السرايا. بوابة حديد مصدية انفتحت على حوش واسع، وعاصم هدّى الحصان، خطواته بقت تقيلة على الأرض. هدية كانت لسه متشبثّة فيه، نفسها سريع، بتتلفت يمين وشمال: الحوش ساكت، شبابيك السرايا مطفّية، وشجرة نبق عجوزة رامية ضلها على الحيطة.

دخل الاسطبل، ريحة تبن وجلد ماليّة المكان، قنديل معلّق على عمود خشب نور أصفر ضعيف. عاصم نزل الأول ، وبعدين مدّ إيده يسندها. هي نزلت مترددة، رجليها مش ثابتة من الركوب، وزعقت فيه أول ما لمست الأرض: “إنت جايبني هنا ليه؟ انت بتخطفني من عريسي ليلة فرحي يا عاصم.

عاصم ربط اللجام في حلقة الحديد، وطبطب على رقبة الحصان اللي كان بينهج. بص لها آخيرًا، عينه فيها حاجة هدية نسيتها من زمان—إصرار، وعشق كمان. قال بهدوء غريب: كنتي عايزة تتجوزي واحد غيري؟
عاصم خطى ناحيتها بسرعة، شدّها من دراعها وصوت التبن تحت جزمته خبط سكوت الاسطبل: “إنتي مش هتكوني لحد غيري يا هدية… إنتي بتاعتي أنا من يوم ما اتولدتي. هدية نفضت إيده بعزم، ووشها قلب لون احمر من الغيظ: “إبعد عني! دا كان زمان يا ابن الجبالي… دا كان زمان قبل ما تقـ .ـتل أبويا وإيدك تتغرق بدمه!”

الكلمة وقعت في الاسطبل أتقل من الحجر. عاصم ايده اتشنجت جنبه، وعينه رمشت مرة كأنه شاف مشهد قديم. هدية ساكتة، بتنهج، وعاصم ساكت، بس قبـ .ـضة ايده اتفتحت.. واتقفلت عاصم ما بعدش إيده، صوابعه ضغطت أكتر حوالين دراعها، وعنيه خبطت في عنيها مباشرة. تحت النور الضعيف شاف اللمعة اللي هدية بتحاول تخبيها—خوفها منه، وأيوه، حاجة لسه عايشة رغم السنين. قرب منها اكتر ، صوته واطي لكنه مشحون: “أنا ما قـ .ـتلتش أبوكي. اللي حصل دا كان كمين معمول ليا، معرفش مين اللي قـ .ـتله وعايز يلبسهالي انا. المحكمة برّأتني… عايزة إيه تاني؟

هدية اتجمدت، اترعشت لحظة، بعدين زعقت: “أهلك اللي طلعوك براءة بفلوسهم! الورق اتزور، والقضية اتباعت، طبعا ومين يقدر يقف قصاد عيلة الجبالي . أبويا مات وإنت كنت واقف هناك، وسلاحك في إيدك.” حاولت تنفض دراعها، وهو سابها بس ما رجعش خطوة. كمّلت باصرار: ” بس أنا مش هسيب تار أبويا، وهيجي اليوم اللي هاخد تاري منك يا عاصم.. وحياة العشق اللي كان في قلبي ليك.. هتندم يا عاصم. عاصم بص لها بعمق وبعدين سحبها من أيديها وراه وهدية بتزعق: “سيبني يا عاصم! إنت اتجننت؟”

سحبها ل جوه السرايا واول لما دخلت شافت ،المأذون قاعد بجلابية رمادي وسبحته في إيده، جنبه اتنين شهود ، وشهم ساكت ومستنينهم. هدية بصدمة : “إيه دا… إنت جايب المأذون هنا ليه؟” عاصم وقف قصادها بثقة، إيده لسه ماسكة دراعها، ونبرة صوته نزلت لحد التهديد اللي ما يتكسّرش: “هتوافقي على كتب الكتاب ولا عايزة تودّعي باقي أهلك؟” عنّيها وسعت، بصت له كأنها أول مرة تشوفه: “إنت بتهددني؟ عايز تتجوزني غصب يا ابن الجبالي ؟” عاصم بغضب ، لفّ راسه ناحية المأذون، صوته قطع السكوت: “اكتب يا مولانا.”

المأذون فتح دفتره، طرف القلم لمس الورقة. الشهود تبادلوا نظرة سريعة، وواحد منهم مدّ إيده يثبت الورقة على المنضدة.
المأذون سألها: موافقه على الجواز يا بنتي؟ هدية فضلت متجمدة، صدى صرخة مكتومة في زورها، وعاصم ضغط على دراعها مرة خفيفة. عاصم: من مصلحتك ومصلحة عيلتك توافقي يا هدية. نطقت هدية برجفه وهي بتبص ل عاصم بتحدي: موافقه.

واتكتب اسمها جنب اسمه. المأذون تمتم “بارك الله لكما”، واحد من الشهود قال “مبروك”، والصوتين رنّوا في الصالة الفاضية كأنهم جايين من بعيد. عاصم ساب دراعها آخيرًا، وهدية رجعت خطوة لورا، إيدها على دراعها اللي وجعها من مسكته، وعنيها ما بتتحركش من الدفتر—بقت مرات عاصم الجبالي. رسميا، بالورق والشهود، ابن الجبالي اتجوزها وأتحدى عمّها و أهلها كلهم. المأذون والشهود مشيو ودخلو افراد عيلة الجبالي اللي معترضين علي جوازة عاصم من بنت عيلة صفوان اللي بيعتبروهم اعداء.

عيلة الجبالي : عمه سيد العم الكبير ، ومرَت عمه بطرحة سودا مشدودة على راسها، وابن عمه صابر واقف ورا ماسك طرف جلبابه. عنّيهم كلهم متعلقة بهدية، والسكوت عندهم أتقل من أي اعتراض. أم عاصم كانت أقرب واحدة للمنضدة، شفايفها اتضغطت كأنها هتقول حاجة، لكنها بلعتها وبصّت للأرض. الكل عارف: هدية دلوقتي من عيلة أعدائهم ، العيلة اللي بينهم وبينها طار من أيام ما أبوها وقع غرقان في دمه قدام بيت الجبالي، والمحكمة طلعت عاصم براءة، لكن هدية واهلها مصدقين ان هو القاتل.

صابر همس: “انت بتتجوزها يا عاصم، دي بنت العيلة اللي…” عمّه سيد رفع عصايته نص رفعة، ولا كلمة، بس النظرة سكتت صابر. محدش فيهم خطى خطوة. محدش فتح بقه يعترض. عاصم وقف قدامهم ، وعنيه على هدية كأنه بيقوللهم: انا خدت القرار والموضوع انتهى. هدية وقفت وسطهم تبص لافراد عيلة الجبالي بتحدي وقالت بقوة مصطنعه: اللي حصل دا مش هيعدي علي خير واهلي مش هيسكتوا. برا السرايا ، ناس جاي من ناحية البلد. عريس هدية وعمها ورجالتهم.

وقفوا قدام السرايا وارتفع صوت سالم اللي كان هيتجوز هدية. سالم: افتحوا البوابة يا ولاد الجبالي..انا جاي اخد عروستي اللي ابنكم خطفها من فرحي هدية بصت لعاصم بتحدي، شافت البرود في عنيه والثقه بالنفس اللي استفزتها اكتر.. اتكلم عم عاصم: هقول للخفر يمشوهم من هنا. رد عاصم: انا هتصرف معاهم يا عمي. وقرب من هدية مسكها من أيديها وسحبها معاه غصب عنها وهي بتحاول تفك قبـ .ـضة ايديه بعيد عنها. طلع بيها علي الجناح بتاعه ودخلها وهو بيشاور لها بتحذير: مسمعش صوتك ومتتحركيش من هنا.

سابها واقفه مصدومة وخرج من الجناح وقفل الباب عليها من برا. هدية وقفت مكانها، وشّها اتقبـ .ـض لحظة، بعدين الدمعة اللي كانت حابساها طول الوقت نزلت. بعدها التانية، وبعدها العياط طلع مكتوم وهي بتغطي وشها بكفها، كتفها بيترعش. مش عارفه المفروض دلوقتي تكون فرحانه انها اتجوزت حبيبها ولا تكون زعلانه عشان اتجوزت عدوها! قلبها مقهور ومش عارفه تعمل ايه! اما عند عاصم. نزل لعيلة هدية وفتح البوابه الحديد ووقف قدامهم بثبات وثقة. اتكلم معاه سالم عريس هدية بغضب: هدية فين يا عاصم.. انت خطفت عروستي من الفرح واخدتها علي فين؟

رد عاصم بثقة: انت ملكش عروسة هنا!! وهدية دي تنساها خالص.. لأني مش هسمح لراجل غريب ينطق اسم مراتي. عم هدية بصدمة: مرات مين يا ابن الجبالي انت اتجننت ولا ايه.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى